- ما من رجلٍ كان توطَّن المساجدَ، فشغله أمرٌ أو عِلَّةٌ ثم عاد إلى ما كان إلا يتبَشْبَشُ اللهُ إليه كما يَتَبَشْبَشُ أهلُ الغائبِ بغائبِهم إذ أقدم
أخرجه ابن ماجه (800)، وأحمد (8350) باختلاف يسيرأخرجه ابن ماجه (800)، وأحمد (8350) باختلاف يسير.
المَساجِدُ بُيوتُ اللهِ في الأرضِ، وفيها تُقامُ الصَّلواتُ والجَماعاتُ، والتَّعلُّقُ بها له فَضْلٌ عظيمٌ وأجْرٌ كبيرٌ، وفي هذا الحديثِ بَيانٌ لبعضِ فَضائلِ عُمَّارِ المساجِدِ، وكرَمِ اللهِ لهم، وفيه يقولُ أبو هُريرةَ رضِيَ اللهُ عنه: قال النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "ما مِن رجُلٍ كان تَوطَّنَ المساجِدَ"، أي: اعتادَ الذَّهابَ إلى المَساجِدِ، وجعَلَ المسجِدَ كالوطَنِ له؛ يَألَفُه، ويُقيمُ به، ويَرتاحُ إليه، "فشَغَلَهُ أمْرٌ أو عِلَّةٌ، ثمَّ عاد إلى ما كان، إلَّا يَتبشبَشُ اللهُ إليه"، أي: يَفْرَحَ به ويُقبِلَ عليه ويَتلقَّاهُ ببِرِّه وإكْرامِه، والبَشْبَشةُ في حَقِّ اللهِ تعالى صِفةٌ فِعليَّةٌ ثابتةٌ للهِ عزَّ وجلَّ، ومعناها قَريبٌ مِن معنى الفَرَحِ، وهو وَصْفُ كَمالٍ لا نَقْصَ فيه، والتَّبَشْبُشُ مِن اللهِ سُبحانَه يَشمَلُ في معناهُ: إظهارَ الأفعالِ المُرضِيَةِ للعبْدِ، وتَلقِّيَه ببِرِّه وتَقريبِه وإكْرامِه، وتوفيقِه للطَّاعةِ، وغِشيانِه بالرَّأفةِ والرَّحمةِ، وهذا كسائرِ ما وُصِفَ اللهُ- جلَّ ذِكْرُه- به مِن أوصافِ ذاتِه وفِعْلِه ممَّا يقَعُ مُشتَرَكًا بيْنه وبيْن خَلْقِه؛ فيكونُ له منه معناهُ الَّذي يَصِحُّ في وَصْفِه ويَلِيقُ بذاتِه دونَ مُشابَهةِ المخلوقينَ، "كما يَتَبَشْبَشُ أهْلُ الغائبِ بغائبِهم إذا قَدِمَ"، أي: يَفرَحون برُجوعِه إليهم، والتَّبَشْبُشُ بالإنسانِ: المَسرَّةُ به والإقبالُ عليه، وهذا مِن التَّرغيبِ في إتيانِ المَساجِدِ، ومَن حبَسَ نفْسَه في المساجِدِ على الطَّاعةِ فهو مُرابِطٌ لها في سَبيلِ اللهِ، مُخالِفٌ لِهَواها، وهذا مِن أفضَلِ أنواعِ الصَّبرِ والجِهادِ؛ ولذلك كان حَرِيًّا بهذا الفَضلِ.
وقد مدَحَ اللهُ عُمَّارَ المَساجِدِ في قولِه: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور: 36 - 38] .
وفي الحَديثِ: تَبشيرٌ عَظيمٌ لمُعتادِ المساجِدِ ومُستوطِنِها للصَّلاةِ والذِّكْرِ.
[سنن ابن ماجه] (1/ 262 ) 800- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر، إلا تبشبش الله له، كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم)).
[مسند أحمد] (14/ 91 ط الرسالة) ((8350- حدثنا أبو النضر وابن أبي بكير، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا يوطن- قال ابن أبي بكير: لا يوطن- رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر، إلا تبشبش الله به حتى يخرج، كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم)).