- انطَلَقتُ مع أبي نَحوَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلمَّا رأيتُهُ قال لي أبي: هل تَدري مَن هذا؟ قُلتُ: لا.
فقال لي أبي: هذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
فاقشَعرَرتُ حين قال ذاك، وكُنتُ أظُنُّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شَيئًا لا يُشبِهُ الناسَ، فإذا بَشَرٌ له وَفرةٌ -قال عَفَّانُ في حَديثِه: ذو وَفرةٍ- وبها رَدعٌ مِن حِناءٍ، عليه ثَوْبانِ أخضَرانِ، فسلَّمَ عليه أبي، ثم جلَسْنا فتحَدَّثْنا ساعةً، ثم إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال لِأبي: ابنُكَ هذا؟ قال: إيْ ورَبِّ الكَعبةِ.
قال: حَقًّا؟ قال: أشهَدُ به.
فتبَسَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ضاحِكًا مِن ثَبْتِ شَبَهي بأبي، ومِن حَلِفِ أبي علَيَّ، ثم قال: أما إنَّه لا يَجني عليكَ ، ولا تَجني عليه.
قال: وقرَأَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الزمر: 7]، قال: ثم نظَرَ إلى مِثلِ السِّلعةِ بَينَ كَتِفَيْه، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي لَأطَبُّ الرِّجالِ، ألَا أُعالِجُها لكَ؟ قال: لا، طَبيبُها الذي خَلَقَها.
أخرجه أبو داود (4206)، والترمذي (2812)، والنسائي (1572) مختصراً باختلاف يسير
مِن عَدْلِ اللهِ سُبحانه وتعالى أنَّه يُحاسِبُ كلَّ شخْصٍ بما ارْتَكبَه مِن عملٍ؛ {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] ، بلْ كلُّ نفْسٍ مَرهونَةٌ بما جنَتْ يَداهَا، ولا يَحمِلُ إنسانٌ ذنْبَ غيرِه وإنْ كان أقرَبَ النَّاسِ إليهِ، وفي هذا الحَديثِ يقولُ أبو رِمْثَةَ البَلَويُّ، واسْمُه رِفاعةُ بنُ يَثْربيٍّ.
وقيل: يَثربيُّ بنُ رِفاعةَ.
وقيل: ابنُ عوفٍ.
وقيل: عُمارةُ بنُ يَثربيٍّ، قال: انطلَقْتُ مع أبي نحوَ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"، أي: ذَهبْنا مُتوجِّهَينِ إلى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، "فلمَّا رأيْتُه، قال لي أبي: هل تَدْري مَنْ هذا؟" أي: هل تَعرِفُ شَخصَه؟ "قلْتُ: لا، فقال: لي أبي: هذا رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فاقْشعرَرْتُ حِينَ قال ذاك"، أي: شَعَرْتُ برَعشةٍ واضطرابٍ، "وكنتُ أظُنُّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شيئًا لا يُشبِهُ النَّاسَ، فإذا بشَرٌ له وَفرةٌ"، أي: له شَعرٌ كثيفٌ مُتوفِّرٌ يصِلُ إلى الأُذنِ ولا يُجاوِزُها.
"قال عفَّانُ في حَديثِه: ذو وَفرةٍ، وبها رَدْعٌ مِن حِنَّاءٍ"، أي: بها أثَرٌ مِن الصَّبغِ بالحِنَّاءِ، وعفَّانُ هو ابنُ مُسلمٍ الصَّفَّارُ أحدُ رُواةِ الحديثِ، "عليه ثَوبانِ أخضرانِ" أي: كان يلبَسُ ثوبيْنِ ردَاءً وإزارًا لونُهما أخضرُ، وكان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُحبُّ اللونَ الأخضرَ، "فسلَّمَ عليه أبي" أي: ألْقَى عليه تَحيةَ السَّلامِ "ثمَّ جلَسْنا، فتَحدَّثْنا ساعةً" أي: تحدَّثُوا مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعضَ الوقتِ.
قال: "ثمَّ إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال لأبي: ابنُك هذا؟" يَقصِدُ ابنَه أبا رِمْثةَ الَّذي رآهُ معه، "قال: إي، ورَبِّ الكعبَةِ"، أي: نعمْ ورَبِّ الكعبَةِ هو ابْنِي، فقال له النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "حقًّا؟" أي: إنَّ ما تَقولُهُ صِدقٌ؟ "قال: أشْهَدُ بهِ"، أي: أشهَدُ على ذلك، قال أبو رِمْثةَ رضِيَ اللهُ عنه: "فتبَسَّمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ضاحكًا"، أي: تعجَّبَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وظهَرَ أثَرُ هذا التَّعجُّبِ في تَبسُّمِه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، "مِن ثَبَتِ شَبَهي بأبي"، أي: ثُبوتِ قُوَّةِ الشَّبهِ بيْني وبيْن أبي، "ومِن حَلِفِ أبي عليَّ"، أي: إنَّ قُوَّةَ هذا الشَّبَهِ تُغني عن الحَلِفِ، ثمَّ قال النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "أمَا إنَّه لا يَجْني عليك"، أي: لا تُؤخَذُ بجِنايتِه، ولا تُعاقَبُ بذَنْبِه، "ولا تَجْني عليهِ"، أي: لا يُؤخَذُ بجِنايتِك، ولا يُعاقَبُ بذَنْبِك؛ فإنَّ المُذنِبَ هو الَّذي يُؤخَذُ بما فعَلَ وارتكَبَ مِن جِنايَةٍ، "وقرَأَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"، أي: تَلا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هذه الآيَةَ: {وَلَا تَزِرُ}، أي: لا تتَحمَّلُ نفْسٌ، {وَازِرَةٌ}: ارتكبَت إثمًا، {وِزْرَ أُخْرَى}: ذنْبَ نَفْسٍ أُخرى، والمَقصودُ: أنَّه لا يُعاقَبُ شخْصٌ بذَنْبِ غَيرِه، وإنَّما الَّذي يَستحِقُّ العُقوبةَ مَن فعَلَ الذَّنْبَ وارتكَبَ المعصيَةَ.
قال أبو رِمثةَ: "ثمَّ نظَرَ"، أي: والدُه، "إلى مِثْلِ السِّلْعةِ بيْن كَتِفَيه"، أي: ظنَّ أنَّ خاتَمَ النُّبوَّةِ الَّذي بِظَهرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شيئًا مُتعلِّقًا بمَرضٍ، "فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي لَأَطُبُّ الرِّجالَ"، أي: عارِفٌ بالطِّبِّ ومُعالَجةِ الأمراضِ، "ألَا أُعالِجُها لك؟ قال: لا، طَبيبُها الَّذي خلَقَها"، أي: إنَّ اللهَ عَزَّ وجلَّ هوَ الشَّافي والمُعافِي في الحقيقةِ.
وفي الحديثِ: بَيانُ أنَّ الشِّفاءَ بيَدِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ولا يَمنَعُ هذا مِن الأخذِ بالأسبابِ وطلَبِ التَّداوي مِن الأمراضِ.
مسند أحمد (6/ 510 ت أحمد شاكر) :
7109 - حدثنا هشام بن عبد الملك وعفان، قالا حدثنا عبيد الله ابن إياد حدثنا إياد عن أبي رمثة ، قال: انطلقت مع أبي نحو رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، فلما رأيته قال لي أبي: هل تدري من هذا؟، قلت: لا، فقال لي أبي: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاقشعررت حين قال ذاك، وكنت أظن رسول الله -صلي الله عليه وسلم - شيئا لا يشبه الناس فإذا بشر له وفرة - قال عفان فى حديثه ذو وفرة - وبها ردع من حناء عليه ثوبان أخضران فسلم عليه أبي، ثم جلسنا فتحدثنا ساعة، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي: "ابنك هذا؟ ".
قال إي ورب الكعبة.
قال: حقا؟.
قال أشهد به.
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا من ثبت شبهي بأبي، ومن حلف أبي علي، ثم قال: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه، قال: وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {ولا تزر وازرة وزر أخرى} قال ثم نظر إلى مثل السلعة بين كتفيه فقال يا رسول الله إني كأطب الرجال ألا أعالجها لك؟، قال: لا، طبيبها الذى خلقها.
سنن أبي داود (4/ 86 ت محيي الدين عبد الحميد) :4206 - حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا عبيد الله -يعني ابن إياد- حدثنا إياد عن أبي رمثة ، قال: انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هو ذو وفرة، بها ردع من حناء، وعليه بردان أخضران.
4207 - حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت ابن أبجر، عن إياد بن لقيط
عن أبي رمثة، في هذا الخبر، قال: فقال له أبي: أرني هذا الذي بظهرك، فإني رجل طبيب، قال: "الله عز وجل الطبيب، بل أنت رجل رفيق، طبيبها الذي خلقها".
4208 - حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن إياد بن لقيط، عن أبي رمثة، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وأبي، فقال لرجل - أو لأبيه - من هذا؟ قال: ابني، قال: لا تجني عليه، وكان قد لطخ لحيته بالحناء.
[سنن الترمذي] (5/ 119) :
2812 - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط، عن أبيه، عن أبي رمثة ، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه بردان أخضران: " هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن إياد، وأبو رمثة التيمي اسمه: حبيب بن حيان، ويقال اسمه: رفاعة بن يثربي ".
[سنن النسائي] (3/ 185) :
1572 - أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن ، قال: حدثنا عبيد الله بن إياد ، عن أبيه ، عن أبي رمثة ، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وعليه بردان أخضران.