أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان إذا أهدَى هديا من المدينةِ قَلّدَه وأشعرهُ بذي الحُليفةِ ، يقلّدهُ قبل أن يُشعرهُ ، وذلك في مكانٍ واحدٍ ، وهو موجّهٌ للقبْلةِ يقلدهُ نعلينِ ، ويشعرهُ من الشق الأيسرِ ثم يساق معهُ حتى يوقفَ به مع الناسِ بعرفةَ ، ثم يدفَعُ معهُم إذا دفعوا فإذا قدمَ في غداةِ نحرهِ
أخرجه البيهقي (10256) ، والبغوي في ((شرح السنة)) (1959) واللفظ لهما ، ومالك في ((الموطأ - رواية أبي مصعب الزهري)) (1206) بنحوه .
كان الصَّحابةُ رِضوانُ اللهِ عليهم يُطبِّقونُ السُّنَّةَ النَّبوِيَّةَ بما يَتوافَقُ مع ما فَهِمُوه مِن رُوحِها، كما يُبيِّنُ هذا الأثرُ؛ حيثُ يَروي نافِعٌ مولى عبدِ اللهِ بنِ عمَرَ: "أنَّ ابنَ عمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما كان إذا أهْدى هَدْيًا مِن المدينةِ"، أي: أرسَلَهُ مِن المدينةِ إلى البيتِ الحرامِ، والهَدْيُ: هو ما يُقدِّمُه المرءُ الحاجُّ مِن الأنعامِ هديَّةً للبيتِ الحرامِ، "قلَّدَهُ وأشعَرَهُ بذي الحُليفةِ"، والتَّقليدُ: هو وضْعُ طَوقٍ أو حِذاءٍ أو ما يُشبِهُه في رَقبةِ الحيوانِ؛ إيذانًا وإعلامًا بأنَّه مُخصَّصٌ للبَيتِ الحرامِ، والإشعارُ: هو جَرحُ الحيوانِ المُهْدى- مِن الإبلِ في سِنامِه، والبقرِ في جانَبِه- حتَّى يَسِيلَ منها الدَّمُ، وتَسيحَ الدِّماءُ في جِلْدِها، فيَكون ذلك علامةً على كَونِها هَدْيًا؛ لِيُعرَفَ إذا ضَلَّ، ويَتميَّزَ إذا اختلَطَ بغَيرِه، وذو الحُليفةِ: هو مِيقاتُ أهْلِ المدينةِ في طريقِ مكَّةَ، وبيْنه وبيْن المدينةِ سِتَّةُ أميالٍ أو سبْعةٌ، "يُقلِّدُه قبْلَ أنْ يُشعِرَه، وذلك في مكانٍ واحدٍ، وهو مُوجَّهٌ للقِبلةِ"، أي: يكونُ حالةَ تقْليدِه وإشعارِه مُوجَّهًا ناحيةَ الكعبةِ، "يُقلِّدُه نَعلينِ، ويُشعِرُه مِن الشِّقِّ الأيسرِ"، وقد ورَدَ عندَ النَّسائيِّ: "أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أشعَرَ الهَدْيَ مِن الجانبِ الأيمنِ"، فيكونُ فِعلُ ابنِ عمَرَ مِن فَهْمِه للسُّنَّةِ النَّبويَّةِ في أنَّ التَّقليدَ والإشعارَ يُقدَّمُ أيٌّ منهما على الآخَرِ، وأنَّ الإشعارَ في أيٍّ مِن الجانبينِ: الأيمنِ أو الأيسرِ، "ثمَّ يُساقُ معه حتَّى يُوقَفَ به مع النَّاسِ بعَرفةَ" وهو يومُ التَّاسعِ مِن ذي الحِجَّةِ، "ثمَّ يُدفَعُ معهم إذا دَفَعوا"، أي: خَرَجوا مِن عَرفةَ، "فإذا قَدِمَ في غَداةِ النَّحرِ"، يومُ النَّحرِ هو يومُ العاشرِ مِن ذي الحِجَّةِ، ومعه أيَّامُ التَّشريقِ؛ فكلُّها أوقاتٌ للنَّحرِ، "نحَرَهُ قبْلَ أنْ يَحلِقَ أو يُقصِّرَ، وكان هو يَنحَرُ هَدْيَه بيَدِه، يَصُفُّهن قِيامًا"، أي: يُوقِفُ هَدْيَه في صُفوفٍ، ثمَّ يَذبَحُها قِيامًا، "ويُوجِّهُهنَّ إلى القِبلةِ، ثمَّ يَأكُلُ ويُطعِمُ"، أي: يَأكُلُ مِن ذلك الهَدْيِ، ويُطعِمُ منها الفُقراءَ، وهذا مِصداقٌ لقولِه تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 28] ، وقد جاءَ الأكْلُ منها في صَحيحِ مُسلمٍ مِن حديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضِيَ اللهُ عنهما: "أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أمَرَ مِن كلِّ بَدنةٍ ببُضْعَةٍ، فجُعِلَت في قِدْرٍ، فطُبِخَت، فأكَلَا مِن لَحمِها، وشَرِبَا مِن مَرَقِها".
السنن الكبير للبيهقي (10/ 453 ت التركي) :
10265 - أخبرنا أبو أحمد المهرجاني، أخبرنا أبو بكر بن جعفر، حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا ابن بكير، حدثنا مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ، أنه كان إذا أهدى هديا من المدينة قلده وأشعره بذي الحليفة، يقلده قبل أن يشعره، وذلك في مكان واحد، وهو موجه للقبلة؛ يقلده نعلين، ويشعره من الشق الأيسر، ثم يساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة، ثم يدفع به معهم إذا دفعوا، فإذا قدم منى غداة النحر نحره قبل أن يحلق أو يقصر، وكان هو ينحر هديه بيده يصفهن قياما ويوجههن إلى القبلة، ثم يأكل ويطعم.
[شرح السنة للبغوي] (7/ 200) :
1959 - أخبرنا أبو الحسن الشيرزي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ، أنه كان إذا أهدى هديا من المدينة قلده وأشعره بذي الحليفة، يقلده قبل أن يشعره في مكان واحد، وهو موجهه للقبلة يقلده نعلين، ويشعره من الشق الأيسر، ثم يساق معه حتى يوقف بعرفة مع الناس، ثم يدفع به، فإذا قدم منى غداة النحر، نحره قبل أن يحلق أو يقصر، وكان ينحر هديه بيده، يصفهن قياما، ويوجههن للقبلة، ثم يأكل ويطعم.
[موطأ مالك - رواية أبي مصعب الزهري] (1/ 472) :
1206 - أخبرنا أبو مصعب، قال: حدثنا مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ؛ أنه كان إذا أهدى هديا من المدينة، قلده ، وأشعره بذي الحليفة، يقلده قبل أن يشعره، وذلك في مكان واحد، وهو موجه القبلة، يقلده نعلين، ويشعره من الشق الأيسر، ثم يساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة، ثم يدفع به معهم إذا دفعوا، فإذا قدم منى غداة النحر، نحره قبل أن يحلق أو يقصر، وكان هو ينحر هديه بيده، يصففهن قياما، ويوجههن للقبلة، ثم يأكل ويطعم.