أربعٌ من عَمَلِ الأَحْياءِ يَجري لِلأَمْوَاتِ : رجلٌ تركَ عَقِبًا صالِحًا فِيَدْعُو ، فَيبلغُهُ دُعَاؤُهُمْ .
ورجلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، لهُ من بعدِهِ أَجْرُها ما جَرَتْ .
ورجلٌ عَلَّمَ عِلْمًا يُعْمَلُ بهِ من بعدِهِ ، فَلهُ مثلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بهِ ؛ من غَيْرِ أنْ يُنْتَقَصَ من [ أجرٍ ] عَمَلِه شيئًا .
ورجلٌ مُرَابِطٌ يُنْمَى لهُ عملُهُ إلى يومِ الحِسابِ
أخرجه ابن أبي الدنيا في ((النفقة على العيال)) (431)، والطبراني (6/268) (6181) من حديث سلمان رضي الله عنه
إذا ماتَ الإنسانُ انقطَعَ عنه عمَلُه؛ فلا يَصِلُ إليه أجْرٌ وثوابٌ مِن شَيءٍ مِن عمَلِه، ولكنْ مِن رَحمةِ اللهِ تعالَى أنْ أجْرَى الحسناتِ للمَيِّتِ بعدَ مَوتِه ببعضِ الخِصالِ والأعمالِ الصَّالحةِ، كما في هذا الحديثِ، حيثُ يَقولُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "أربعٌ مِن عَمَلِ الأحياءِ يَجْري للأمواتِ"، أي: يُكتَبُ لهم الأجْرُ والثَّوابُ منها بعدَ مَوتِهم؛ الأولى: "رجُلٌ ترَكَ عَقِبًا"، عَقِبُ الإنسانِ: ما يَترُكُه بعدَ مَوتِه مِن الأبناءِ والذُّرِّيَّةِ، "صالحًا فيَدْعو"، أي: يَحمِلُهم صَلاحُهم وإيمانُهم على الدُّعاءِ والاستِغفارِ له، "فيَبلُغُه دُعاؤُهم"، أي: يُكتَبُ للميِّتِ أجْرُ وثَوابُ هذا الدُّعاءِ، وفي هذا إشارةٌ إلى الاعتناءِ بصَلاحِ العَقبِ والذُّريَّةِ حتى يكونَ ذُخرًا للعبدِ بَعدَ مَوتِه.
الثَّانيةُ: "ورجُلٌ تَصدَّقَ بصَدقةٍ جاريةٍ، له مِن بعدِه أجْرُها ما جَرَتْ"، أي: إنَّه عمِلَ صَدقةً استمرَّت بعدَ مَوتِه؛ كحفْرِ بِئرٍ، أو غَرْسِ شَجرةٍ، أو نَحوِ ذلك، فأجْرُها باقٍ، ويُكتَبُ له ببَقاءِ تلك الصَّدقةِ الجاريةِ.
الثَّالثةُ: "ورجُلٌ علَّمَ عِلْمًا يُعمَلُ به مِن بعدِه"، أي: يَعمَلُ النَّاسُ بعِلْمِه مِن بَعدِه، "فلهُ مِثْلُ أجْرِ مَن عمِلَ به" أي: يأخُذُ مِثْلَ أجْرِ مَن عمِلَ هذا العمَلَ، "مِن غيرِ أنْ يَنتقِصَ مِن أجْرِ عمَلِه شيئًا"، أي: مِن أجْرِ مَن عمِلَ بهذا العلْمِ.
الرَّابعةُ: "ورجُلٌ مُرابِطٌ يُنْمَى له عمَلُه إلى يومِ الحِسابِ"، وهذه فضيلةٌ ظاهرةٌ للمُرابِطِ، وجَريانُ عمَلِه عليه بعدَ مَوتِه فَضيلةٌ مُختصَّةٌ به لا يُشارِكُه فيها أحدٌ، كما جاء في صَحيحِ مُسلمٍ: "كلُّ ميِّتٍ يُختَمُ على عمَلِه، إلَّا الَّذي مات مُرابِطًا في سَبيلِ اللهِ؛ فإنَّه يُنْمَى له عمَلُه إلى يومِ القيامةِ، ويأمَنُ مِن فِتْنةِ القبْرِ".
وفي الحديثِ: الحَثُّ على الإحسانِ إلى الوالدَيْنِ بعْدَ مَوتِهما.
وفيه: الحَثُّ على تَعلُّمِ العِلْمِ النَّافِع وبَثِّه في النَّاسِ.
وفيه: الحثُّ على التَّصدُّقِ بالصَّدقاتِ الجاريةِ.
وفيه: الحثُّ على المرابطةِ في سَبيلِ اللهِ، وبيانُ فَضلِ هذا العَملِ.
[النفقة على العيال لابن أبي الدنيا] (2/ 613) :
431 - وحدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إسحاق بن عبد الله، عن مكحول، عن شرحبيل بن السمط، عن سلمان ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أربع من عمل الأحياء يجري للأموات: رجل ترك عقبا صالحا فيدعو فيبلغه دعاؤهم ورجل تصدق بصدقة جارية له من بعده أجرها ما جرت ورجل علم علما يعمل به من بعده فله مثل أجر من عمل به من غير أن ينتقص من عمله شيئا ورجل مرابط ينمى له عمله إلى يوم الحساب ".
[المعجم الكبير للطبراني] (6/ 268) :
6181 - حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني، ثنا إسماعيل بن عبد الله بن زرارة الرقي، ثنا إسماعيل بن عياش، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن مكحول، عن شرحبيل بن السمط الكندي، عن سلمان ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أربع من عمل الأحياء يجري للأموات: رجل ترك عقبا صالحا يدعو له يتبعه دعاؤهم، ورجل تصدق بصدقة جارية من بعده له أجرها ما جرت بعده، ورجل علم علما فعمل به من بعده له مثل أجر من عمل به من غير أن ينقص من أجر من عمل به شيء ".