قيلَ لِأُسامةَ -وأنا رَديفُه-: ألَا تُكلِّمُ عُثمانَ؟ فقال: إنَّكم تَرَوْنَ أنِّي لا أُكلِّمُه إلَّا أُسمِعُكم، إنِّي لا أُكلِّمُه فيما بَيني وبَينَه ما دُونَ أنْ أفتَتِحَ أمرًا لا أُحِبُّ أنْ أكونَ أوَّلَ مَنِ افتَتَحَه، واللهِ لا أقولُ لِرَجُلٍ: إنَّكَ خَيرُ الناسِ، وإنْ كان علَيَّ أميرًا، بَعدَ أنْ سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَقولُ.

قالوا: وما سَمِعتَه يَقولُ؟ قال: سَمِعتُه يَقولُ: يُجاءُ بالرَّجُلِ يَومَ القيامةِ، فيُلقى في النارِ، فتَندَلِقُ به أقْتابُه، فيَدورُ بها في النارِ كما يَدورُ الحِمارُ برحاهُ، فيُطيفُ به أهلُ النارِ، فيَقولونَ: يا فُلانُ، ما أصابَكَ؟ ألم تَكُنْ تَأمُرُنا بالمَعروفِ وتَنهانا عنِ المُنكَرِ؟ فيَقولُ: كُنتُ آمُرُكم بالمَعروفِ ولا آتيه، وأنْهاكم عنِ المُنكَرِ وآتيه.

الدلالات الموضوعية:# فتن - النهي عن السعي في الفتنة# علم - آفات العلم# أمر بالمعروف ونهي عن المنكر - الأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر# جهنم - صفة عذاب أهل النار# إمامة وخلافة - الإنكار على الأمراء فيما خالفوا الشرع فيه# فتن - الفتنة تموج موج البحر# إمامة وخلافة - النصح لأئمة المسلمين وولاتهم# فتن - من كره الفتن ومن رضي بها
المصدر: عمدة التفسير
الراوي: أسامة بن زيد
المحدث: أحمد شاكر
الحكم:[أشار في المقدمة إلى صحته]

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (3267)، ومسلم (2989) باختلاف يسير.

الشرح والتوضيح

قِيلَ لِأُسَامَةَ: لو أتَيْتَ فُلَانًا فَكَلَّمْتَهُ، قالَ: إنَّكُمْ لَتُرَوْنَ أنِّي لا أُكَلِّمُهُ إلَّا أُسْمِعُكُمْ، إنِّي أُكَلِّمُهُ في السِّرِّ دُونَ أنْ أفْتَحَ بَابًا لا أكُونُ أوَّلَ مَن فَتَحَهُ، ولَا أقُولُ لِرَجُلٍ أنْ كانَ عَلَيَّ أمِيرًا: إنَّه خَيْرُ النَّاسِ، بَعْدَ شَيءٍ سَمِعْتُهُ مِن رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قالوا: وما سَمِعْتَهُ يقولُ؟ قالَ: سَمِعْتُهُ يقولُ: يُجَاءُ بالرَّجُلِ يَومَ القِيَامَةِ فيُلْقَى في النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أقْتَابُهُ في النَّارِ، فَيَدُورُ كما يَدُورُ الحِمَارُ برَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أهْلُ النَّارِ عليه فيَقولونَ: أيْ فُلَانُ، ما شَأْنُكَ؟ أليسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بالمَعروفِ وتَنْهَانَا عَنِ المُنْكَرِ؟! قالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بالمَعروفِ ولَا آتِيهِ، وأَنْهَاكُمْ عَنِ المُنْكَرِ وآتِيهِ.

الراوي : أسامة بن زيد المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 3267 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه البخاري (3267)، ومسلم (2989) دفْعُ المَفاسِدِ مُقدَّمٌ علَى جَلْبِ المَصالِحِ، وقدْ حرَصتْ شَريعةُ الإسلامِ المُطهَّرةُ على استِجلابِ المَصالِحِ والنِّعمِ، ودَرْءِ المَفاسِدِ والنِّقَمِ، وفي هذا الحَديثِ أدبٌ عَظيمٌ مِن آدابِ مُناصَحةِ وَليِّ الأمْرِ التي أُمِرْنا بها؛ ممَّا يُحصِّلُ المصلحةَ بأقربِ طَريقٍ ويَدفَعُ المَفسَدةَ، حيثُ يروي التابعيُّ أبو وائلٍ شَقيقُ بنُ سَلَمةَ أنَّه قِيلَ لأُسامةَ بنِ زَيدٍ رَضيَ اللهُ عنهما: «لو أتيتَ فُلانًا فكَلَّمتَه»، وجاءَ في رِوايةٍ عندَ مُسلمٍ: «قيل له: ألَا تَدخُلُ على عُثمانَ رَضيَ اللهُ تعالَى عنه وتُكلِّمُه»، أي: في شَأنِ أخيهِ لأُمِّه الوَليدِ بنِ عُقْبةَ بنِ أبي مُعَيطٍ، وما ظهَرَ منه مِن شُربِ الخمْرِ، وقدْ جَلَدَه عُثمانُ رَضيَ اللهُ عنه بعْدَ ذلك، وعَزَلَه بعْدَ أنْ ثَبَتَ عليه شُربُ الخَمْرِ.

فقال لهم أُسامةُ: «إنَّكم لَترَوْنَ أنِّي لا أُكلِّمُه إلَّا أُسمِعُكم»، أي: أتظُنُّونَ أنِّي لا أُكلِّمُه إلَّا وأنتم تَسمَعونَ؟ وأخْبَرَهم أنَّه كلَّمَه على سَبيلِ المصلحةِ والأدبِ في السِّرِّ؛ لأنَّه أتْقى ما يكونُ عن المجاهَرةِ بالإنكارِ والقِيامِ على الأئمَّةِ، ودونَ أنْ يكونَ فيه تَهييجٌ للفِتنةِ ونَحوِها، فيكون بذلك قدْ فَتَحَ بابًا للتَّطاوُلِ على الخليفةِ، وهو بابُ فِتنةٍ وشَرٍّ.

ثمَّ عَرَّفهم أُسامةُ رَضيَ اللهُ عنه بأنَّه لا يُداهِنُ أحدًا ولو كان أميرًا، بلْ يَنصَحُه في السِّرِّ، ولا يَتملَّقُ للأمراءِ فيَمدَحُهم في وُجوهِهم بالباطلِ، بعْدَما سَمِعَ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه يُؤتَى برجُلٍ يومَ القِيامة، فيُلْقَى في النَّارِ، فتَنْدَلِقُ أقْتَابُه -وهي أمْعاؤه- فتَخرُجُ مِن بَطْنِه خُروجًا سَريعًا مِن شِدَّةِ الحَرِّ وشِدَّةِ العذابِ، فيَدُورُ بأمْعائِه على هذا الحالةِ في النَّارِ كدَوَرانِ الحمارِ حَولَ رَحاهُ، «فيُطِيفُ به أهلُ النَّارِ»، أي: يَجتمِعونَ حَولَه على هَيئةِ حَلْقَةٍ تُحيطُ به، فيَسأَلونه: يا فُلانُ، ألَستَ كُنتَ تَأمُرُ بالمعروفِ وتَنهى عن المُنكَرِ؟! فيقولُ: إنِّي كُنتُ آمُرُ بالمعروفِ ولا أفعَلُه، وأَنهى عن المنكَرِ وأفعَلُه.

وذَكَر لهم قصَّةَ الرَّجُلِ الَّذي يُطرَحُ في النَّارِ لكونِه كان يَأمُرُ بالمعروفِ ولا يَفعَلُه؛ لِيَتبرَّأَ ممَّا ظنُّوا به مِن سُكوتِه عن عُثمانَ رَضيَ اللهُ عنه في أخيهِ.

وفي الحديثِ: ذمُّ مُداهنةِ الأمراءِ في الحقِّ وإظهارِ ما يُبطِنُ خِلافَه كالمتملِّقِ بالباطلِ.

وفيه: الأدبُ مع الأمراءِ واللُّطفُ بهم ووَعْظُهم سِرًّا، وتَبليغُهم قولَ النَّاسِ فيهم؛ ليَكُفُّوا عن فِعلِ الخطَأِ.

أحاديث ذات صلة