كانَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ مخيَّرًا ، إن شاءَ حَكَمَ بينَهُم ، وإن شاءَ أعرضَ عنهم .
فردَّهم إلى أحكامِهِم ، فنزلت : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ فأمرَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أن يحكُمَ بينَهُم بما في كتابِنا
أخرجه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (4540)، وابن أبي حاتم في ((التفسير)) (6388)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (8482)، والبيهقي (17208) واللفظ لهم جميعا.
عن ابنِ عباسٍ قال : { فَإِنْ جَآؤُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } فَنُسِخَتْ قال : { فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } .
الراوي : عبدالله بن عباس المحدث : الألباني المصدر : صحيح أبي داود الصفحة أو الرقم: 3590 خلاصة حكم المحدث : إسناده حسن التخريج : أخرجه أبو داود (3590)، واللفظ له والنسائي في ((السنن الكبرى)) (6336)، والحاكم (3217) بنحوه.
النَّسْخُ هو: رَفْعُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ ثبَتَ بالنَّصِّ، بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ ثبَت بالنَّصِّ، ورَد على خِلافِه متأخرًا عنه في وقتِ تَشْرِيعه، ليْسَ مُتَّصِلاً به، وفي أثَر ابنِ عباسٍ هذا تحقيقٌ لنَسْخِ هذهِ الآيةِ {فَإِنْ جَاؤُوكَ}، أي: لتَحْكُمَ بينهم، {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42] ، فكان مخيَّرًا بينهم في الحُكْمِ أو الإِعْرَاضِ؛ وذلك لَمَّا كان اليهودُ بالمدينةِ كُثرًا، وكان الأدْعَى لهم والأصلحُ أنْ يُردُّوا إلى أحكامِهم، فلمَّا قوِيَ الإسلامُ نُسِخَ هذا الحُكمُ بقوْلِه تعَالى في الآيةِ الأُخْرَى: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ}، أي: بيْن أهْلِ الكِتَابِ؛ إذَا تحاكَمُوا إليك، {بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 48] ، أي: احكُمْ بينهم بما أنزَل اللهُ إليكَ مِن الوَحْيِ والَحقِّ، ولا تَتَّبِع أهواءَهم عمَّا جاءَك مِن الحَقِّ.
وممَّا يدلُّ على النَّسخِ قولُه عزَّ وجلَّ: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] ، وهذا مِن أصحِّ الاحتجاجاتِ؛ لأنَّه إذا كان معنى قولِه: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} أنْ تُجرَى عليهم أحكامُ المُسلِمين، وجَب ألَّا يُردُّوا إلى أحكامِهم، فإذا وجَب هذا؛ فالآيةُ مَنسوخةٌ.
وقيل: يَحتمِلُ في الآيتَينِ أنْ يكونَ معناها: وأنِ احكُمْ بينهم بما أَنزلَ اللهُ إنْ حَكمتَ ولا تَتَّبِعْ أهواءَهم، فتكونُ الآيتانِ مُحكمتَينِ مُستعملتَينِ غيرَ مُتدافعتَينِ؛ لأنَّه لا يُحكَمُ بنَسخِ شيءٍ مِن القُرآنِ إلَّا ما قامُ عليه الدَّليلُ الذي لا دَفْعَ له، ولا يَحتمِلُ التأويلَ.
.
شرح مشكل الآثار (11/ 437) :
4540 - كما قد حدثنا محمد بن سليمان بن الحارث الواسطي الباغندي، قال: حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس ، قال: " آيتان نسختا من هذه السورة، يعني سورة المائدة: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيرا إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، فردهم إلى أحكامهم، فنزلت: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} [المائدة: 49] ، قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم على كتابنا
تفسير ابن أبي حاتم (4/ 1135) :
6388 - حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال: آيتان نسختا من هذه الآية السورة- يعني المائدة- آية القلائد.
وقوله: فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم مخير إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم، فردهم إلى أحكامهم فنزلت وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما في كتابنا
[المعجم الأوسط - للطبراني] (8/ 228) :
8482 - حدثنا معاذ قال: نا سعيد بن سليمان، عن عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: آيات نسخت من هذه السورة، يعني: سورة المائدة، آية القلائد، وقوله: {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} [المائدة: 42] قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيرا، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم وردهم إلى أحكامهم، فنزلت: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} [المائدة: 49] ، أمر أن يحكم بينهم في كتابنا
لم يرو هذا الحديث عن الحكم إلا سفيان، تفرد به: عباد بن العوام "
السنن الكبير للبيهقي (17/ 274 ت التركي) :
17208 - حدثنا أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان الصعلوكي إملاء وأبو عبد الله الحافظ وغيره قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: آيتان نسختا من هذه السورة -يعني "المائدة"- آية القلائد، وقوله: {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} [المائدة: 42].
قال: فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مخيرا؛ إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم فردهم إلى حكامهم.
قال: ثم نزلت: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} [المائدة: 49] قال: فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يحكم بينهم بما في كتابنا.
ورواه أيضا عطية العوفي عن ابن عباس في الحكم، وهو قول عكرمة