كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يُكثِرُ أن يقولَ يا مقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دينِكَ فقيلَ يا رسولَ اللَّهِ أتخافُ علينا وقد آمنَّا بِك وبما جئتَ بهِ فقال إنَّ القلوبَ بينَ أصبعينِ من أصابعِ الرَّحمنِ جلَّ وعزَّ يقلِّبُها كيفَ يشاءُ هَكذا ووصفَ سفيانُ الثَّوريُّ بالسَّبَّابةِ والوسطى فحرَّكَهما
أخرجه أبو يعلى (2318)، والطبري في ((التفسير)) (6/215) باختلاف يسير، وابن منده في ((الرد على الجهمية)) (25) واللفظ له
[عن] شهر بن حوشب قال: قُلتُ لأمِّ سلمةَ : يا أمَّ المؤمنينَ ما كانَ أَكْثرُ دعاءِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ إذا كانَ عندَكِ ؟ قالَت : كانَ أَكْثرُ دعائِهِ : يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دينِكَ قالَت : فقُلتُ : يا رسولَ اللَّهِ ما أكثرُ دعاءكَ يا مقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دينِكَ ؟ قالَ : يا أمَّ سلمةَ إنَّهُ لَيسَ آدميٌّ إلَّا وقلبُهُ بينَ أصبُعَيْنِ من أصابعِ اللَّهِ ، فمَن شاءَ أقامَ ، ومن شاءَ أزاغَ .
فتلا معاذٌ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا الراوي : أم سلمة أم المؤمنين المحدث : الألباني المصدر : صحيح الترمذي الصفحة أو الرقم: 3522 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه الترمذي (3522) بلفظه، وأحمد (26679)، وأبو يعلى (6986) كلاهما بلفظه دون قوله: ((فتلا معاذ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا )) .
قُلوبُ العِبادِ بين يَديِ الرَّحمنِ يُقلِّبُها كيفَ يَشاءُ؛ ولذلك كان أكثرُ دُعاءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "يا مُقلِّبَ القلوبِ، ثَبِّتْ قلبي على دِينِك"؛ وذلك طلَبًا للثَّباتِ على الدِّينِ خوفًا مِن الزَّيغِ أو الضَّلالِ، كما يَقولُ التَّابعيُّ شَهْرُ بنُ حَوشَبٍ في هذا الحديثِ: "قلتُ لأمِّ سَلمةَ: يا أمَّ المؤمنين، ما كان أكثَرُ دُعاءِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم"، أي: أيُّ دعاءٍ كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم يَدْعو به كثيرًا؟ "إذا كان عِندَك"، أي: وهو عِندَك في بيتِك، "قالت"، أي: قالَت أمُّ سَلمةَ: "كان أكثَرُ دُعائِه"، أي: كان أكثَرُ دُعاءٍ يَدْعو به النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "يا مُقلِّبَ القلوبِ"، أي: يا مَن بِيَدِك أمرُ القلوبِ، فأنت تُقلِّبُ أحوالَها كيفَما تَشاءُ بينَ الإيمانِ والكفرِ، وبين الطَّاعةِ والمعصيةِ، وبينَ التَّنبُّهِ والغفلةِ، "ثبِّتْ قلبي على دينِك"، أي: اجعَلْ قلبي ثابتًا على طاعتِك وعلى دينِك، ولا تجعَلْه يَنحَرِفُ عن طَريقِك، "قالت: فقلتُ"، أي: فقالت أمُّ سلمةَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "يا رسولَ اللهِ، ما أكثَرَ دُعاءَك: يا مُقلِّبَ القلوبِ، ثبِّت قلبي على دينِك!"، أي: كأنَّ أمَّ سلَمةَ تتَعجَّبُ مِن إكثارِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم مِن هذا الدُّعاءِ، فقالَت له: لِمَ تُكثِرُ مِن هذا الدُّعاءِ يا رسولَ اللهِ؟! "قال"، أي: النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: يا أمَّ سلمةَ، "إنَّه ليس آدَميٌّ إلَّا وقَلبُه بين أُصبَعَينِ مِن أصابعِ اللهِ"، أي: كلُّ أحدٍ مِن بَني آدمَ قَلبُه بيَدِ اللهِ عزَّ وجلَّ يتَصرَّفُ فيه كيفَما يشاء، "فمن شاء أقام"، أي: فمن شاء اللهُ أقام قلبَه على الهدى، وثبَّتَه على الدِّينِ، "ومَن شاء أزاغ"، أي: ومَن شاء اللهُ صرَف قلبَه عن الهدى إلى الزَّيغِ والضَّلالِ، "فتَلا مُعاذٌ"، أي: قرَأ معاذُ بنُ معاذِ بنِ نصرِ بنِ حسَّانَ التَّميميُّ قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران: 8] ، أي: يا ربِّ ثَبِّت قُلوبَنا على طاعتِك، ولا تَصرِفْها عن طَريقِك بعدَ هِدايَتِك لنا.
وفي الحديثِ: الحَثُّ على الدُّعاءِ بالثَّباتِ على الدِّينِ والهدى.
وفيه: بيانُ أنَّ جميعَ قُلوبِ بَني آدمَ بيَدِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ إنْ شاء هَداها، وإن شاء أزاغَها.