أنَّ حارثةَ بنَ سُراقةَ خرج نظَّارًا فأتاه سهمٌ فقتلَه فقالت أُمُّهُ يا رسولَ اللهِ قد عرفتَ موضعَ حارثةَ مِنِّي فإن كان في الجنَّةِ صبرتُ وإلا رأيتَ ما أصنعُ قال يا أمَّ حارثةَ إنها ليست بجنَّةٍ واحدةٍ ولكنَّها جِنانٌ كثيرةٌ وإنَّ حارثةَ لفي أفضلِها أو قال في أعلى الفِردوْسِ
أخرجه أحمد (3/124)، وأبو يعلى (6/219)، والطبراني في ((الكبير)) (3/231) باختلاف يسير.
أنَّ أُمَّ حَارِثَةَ أتَتْ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقدْ هَلَكَ حَارِثَةُ يَومَ بَدْرٍ؛ أصَابَهُ غَرْبُ سَهْمٍ، فَقالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ، قدْ عَلِمْتَ مَوْقِعَ حَارِثَةَ مِن قَلْبِي، فإنْ كانَ في الجَنَّةِ لَمْ أبْكِ عليه، وإلَّا سَوْفَ تَرَى ما أصْنَعُ؟ فَقالَ لَهَا: هَبِلْتِ! أجَنَّةٌ واحِدَةٌ هي؟ إنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وإنَّه في الفِرْدَوْسِ الأعْلَى.
وقالَ: غَدْوَةٌ في سَبيلِ اللَّهِ أوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما فِيهَا، ولَقَابُ قَوْسِ أحَدِكُمْ -أوْ مَوْضِعُ قَدَمٍ- مِنَ الجَنَّةِ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما فِيهَا، ولو أنَّ امْرَأَةً مِن نِسَاءِ أهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إلى الأرْضِ لَأَضَاءَتْ ما بيْنَهُمَا، ولَمَلَأَتْ ما بيْنَهُما رِيحًا، ولَنَصِيفُهَا -يَعْنِي الخِمَارَ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما فِيهَا.
الراوي : أنس بن مالك المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 6567 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (1880) مختصراً باختلاف يسير لَمَّا كان الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ مِن أفضلِ الأعمالِ، كانتِ الشَّهادةُ في سَبيلِ اللهِ مِن أكثرِ الأعمالِ الَّتي يُثابُ عليها المرْءُ.
وفي هذا الحديثِ يروي أنسُ بنُ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ الصَّحابيَّةَ أُمَّ حارثةَ الرُّبَيِّعَ بِنتَ النَّضرِ رَضِي اللهُ عنها -وهي عَمَّةُ أنَسِ بنِ مالكٍ، وحارِثةُ هو ابنُها مِن سُراقةَ بنِ الحارِثِ بنِ عَدِيٍّ الأنصاريِّ-، أتَتِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عندما استُشْهِدَ حارثةُ رضِيَ اللهُ عنه يَومَ بَدْرٍ بِسَهْمٍ لم يُعرفْ مَصْدَرُه، وكانت بَدرٌ في السَّنَةِ الثَّانيةِ مِنَ الهِجرةِ.
فقالتْ أمُّه الرُّبَيِّعُ رضِي اللهُ عنها لِلنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا رسولَ اللهِ، قدْ عَلِمتَ مَوقعَ حارثةَ في قَلْبي؛ بيانًا لشِدَّةِ حُبِّها لحارثةَ، فإنْ كانَ في الجنَّةِ لم أَبْكِ عليه، بل أفرَحُ له وأتسَلَّى بذلك عن موتِه، فإن لم يكُنْ في الجنَّةِ فسوْف تَرى ما أصْنَعُ من البُكاءِ والحُزنِ عليه، فقالَ لها صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «هَبِلْتِ!»، يعني: فَقدْتِ عقْلَكِ، وهو استِنْكارٌ منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِسُؤالِها، وقال لها مُوضِّحًا: «أَجَنَّةٌ واحدةٌ هي؟ إنَّها جِنانٌ كثيرةٌ»، يعني: أنَّه ليس له جَنَّةٌ واحدةٌ، بل جِنانٌ كثيرةٌ، «وإنَّه لَفي الفِردَوسِ» وهي أعْلى دَرَجاتِ الجنَّةِ وأوسَطُها، كما عند البُخاريِّ، عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «فإذا سألتُمُ اللهَ فاسألوه الفِرْدَوسَ؛ فإنَّه أوسَطُ الجنَّةِ وأعلى الجنَّةِ -أُراه- فوقَه عَرشُ الرَّحمنِ، ومنه تفَجَّرُ أنهارُ الجنَّةِ» والأوسَطُ هنا بمعنى: الأفضَلِ.
وفي الحَديثِ: تصبيرُ المصابِ بفَقدِ عَزيزٍ عليه.
وفيه: الحثُّ والتَّرغيُب في الجِهادِ في سَبيلِ اللهِ وإعلاءِ كَلمتِه.
وفيه: بيانُ فَضلِ الجِهادِ في سبيلِ اللهِ وعُلُوِّ مَنزلةِ الشَّهيدِ عِندَ اللهِ.
ثمَّ يُبيِّنُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أجْرَ الجهادِ في سَبيلِ الله، فقالَ: «غَدْوةٌ في سَبيلِ اللهِ أو رَوحةٌ خيْرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها»، والغَدْوةُ: هي السَّيرُ أوَّلَ النَّهارِ إلى الظُّهْرِ، والرَّوحةُ: السَّيرُ مِنَ الظُّهرِ إلى آخِرِ النَّهارِ، يعني: أنَّ المشيَ في سَبيلِ اللهِ في الغزْوِ في وقْتِ الصَّباحِ أو وقْتِ المساءِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنيا جميعًا، «ولَقابُ قَوسِ أحدِكم» والقَوسُ: الآلةُ التي يرمى بها السِّهامُ، والمعنى: قَدْرُ طُولِها أو ما بين الوَتَرِ والقَوسِ، والمرادُ: أنَّ فَضْلَ استعمالِه في سَبيلِ اللهِ تعالى يجازى عليه صاحِبُه مَنزِلةً في الجنَّةِ، وتلك المنزِلةُ هي خيرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها، وكذلك موضِعُ قَدَمِ المجاهِدِ، وفي روايةٍ عند البُخاريِّ: «مَوضِعُ قَيدٍ» وهو السَّوطُ الذي يُساقُ به الفَرَسُ الذي يُجاهَدُ به في سَبيلِ اللهِ، يجازى عليه في الجنَّةِ بمنزلةِ وقَدرِ هذا القَوسِ، خيْرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها؛ وذلك لِأنَّ الدُّنيا فانيةٌ، وكُلَّ شَيءٍ في الجَنَّةِ -وإنْ صَغُرَ في التَّمثيلِ لنا، وليس فيها صَغيرٌ- هو أدْوَمُ وأبْقى مِنَ الدُّنيا الفانيةِ المُنقَطِعةِ، فكانَ الدَّائِمُ الباقي خَيرًا مِنَ المُنقَطِعِ.
«ولو أنَّ امرأةً مِن نِساءِ أهلِ الجنَّةِ» والمرادُ بهِنَّ الحُورُ العِينُ، أظهرت نَفْسَها إلى الأرضِ؛ لَأضاءتْ ما بيْن السَّماءِ والأرضِ، ولمَلأتْ ما بيْنهما رِيحًا طيِّبةً؛ وذلك لكَمالِ خَلْقِهنَّ، «ولَنَصيفُها» يعني الخِمارَ وما تُغَطِّي به رأسَها، وقيل: النَّصيفُ الْمِعْجَز وهو ما تلويه المرأةُ على رأسِها، وهو كالعصابةِ تَلُفُّه على استدارةِ رأسِها، «خيْرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها» من متاعِها، وهذا إخبارٌ عن أنوارِ جمالها، وعن طِيبِ رِيحِها، وعن ظاهِرِ مَلبوسِها؛ فكيف بجَمالِها وباطِنِ مَلبوسِها الذي هو نعيمٌ مِن نِعَمِ الجنَّةِ؟! وفي الحَديثِ: بيانُ فَضلِ الجِهادِ في سبيلِ اللهِ وعُلُوِّ مَنزلةِ الشَّهيدِ عندَ اللهِ، وأنَّه ذِرْوَةُ سَنامِ الإسلامِ، ومَصدَرُ عِزِّ المُسلِمينَ، وهو بابٌ عَظيمٌ مِن أبوابِ الجَنَّةِ.
وفيه: بيان ما في الجنة من عظيم الأجر والنعيم.
وفيه: بَيانُ حَقارةِ الدُّنيا بالنِّسبةِ إلى الآخِرةِ.
[مسند أحمد - قرطبة] (3/ 124) 12274- حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يزيد بن هارون أنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك ان حارثة خرج نظارا فاتاه سهم فقتله فقالت أمه يا رسول الله قد عرفت موقع حارثة مني فان كان في الجنة صبرت وإلا رأيت ما أصنع قال: يا أم حارثة انها ليست بجنة واحدة ولكنها جنان كثيرة وان حارثة لفي أفضلها أو قال في أعلى الفردوس شك يزيد.
[مسند أبي يعلى] (6/ 219 ت حسين أسد) ((3500- حدثنا زهير، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ، أن حارثة خرج نظارا فأتاه سهم فقتله، فقالت أمه: يا رسول الله، قد عرفت موضع حارثة مني، فإن كان في الجنة صبرت، وإلا رأيت ما أصنع، قال: (( يا أم حارثة، إنها ليست بجنة واحدة ولكنها جنان كثيرة، وإن حارثة لفي أفضلها- أو قال:- في أعلى الفردوس)) قال يزيد: أنا أشك)).
[المعجم الكبير – للطبراني]- دار إحياء التراث (3/ 231) 3234- حدثنا علي بن عبد العزيز، وأبو مسلم الكشي، قالا: حدثنا حجاج بن المنهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أن حارثة ابن الربيع جاء نظارا يوم أحد، وكان غلاما، فأصابه سهم غرب فوقع في ثغرة نحره فقتله، فجاءت أمه الربيع فقالت: يا رسول الله، قد علمت مكان حارثة مني، فإن يكن من أهل الجنة فسأصبر، وإلا فسترى ما أصنع.
قال: يا أم حارثة، إنها ليست بجنة واحدة، ولكنها جنان كثيرة، وهو في الفردوس الأعلى.
قالت: فسأصبر.
3235- حدثنا أبو مسلم الكشي، حدثنا محمد بن المنهال، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أم حارثة، إنها جنة في جنان، وإن حارثة في الفردوس الأعلى، فإذا سألتم الله عز وجل فسلوه الفردوس.
3236- حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن حميد، عن أنس رضي الله عنه قال: هلك حارثة يوم أحد، أصابه سهم، فأتت أمه النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن كان في الجنة لم أبك عليه، وإن كان في النار فسيرى الله ما أصنع.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها جنان، وإنه لفي الفردوس الأعلى.