كان عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ إذا سَمِعَ مِن نَبيِّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شَيئًا، أو شَهِدَ معه مَشهَدًا لم يُقصِّرْ دونَه أو يَعدوه، قال: فبَينما هو جالِسٌ وعُبَيدُ بنُ عُمَيرٍ يَقُصُّ على أهلِ مَكَّةَ، إذْ قال عُبَيدُ بنُ عُمَيرٍ: مَثَلُ المُنافِقِ كمَثَلِ الشَّاةِ بينَ الغَنَمينِ، إنْ أقبَلَتْ إلى هذه الغَنَمِ نَطَحَتْها، وإنْ أقبَلَتْ إلى هذه نَطَحَتْها.
فقال عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ: ليسَ هكذا.
فغَضِبَ عُبَيدُ بنُ عُمَيرٍ، وفي المَجلِسِ عبدُ اللهِ بنُ صَفْوانَ، فقال: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، كيفَ قال رَحِمَكَ اللهُ؟ فقال: قال: مَثَلُ المُنافِقِ مَثَلُ الشَّاةِ بينَ الرَّبيضَينِ، إنْ أقبَلَتْ إلى ذي الرَّبيضِ نطَحْنَها، وإنْ أقبَلَتْ إلى ذي الرَّبيضِ نطَحْنَها.
فقال له: رَحِمَكَ اللهُ، هما واحِدٌ.
قال: كذا سمِعتُ.
أخرجه أحمد (5546) واللفظ له، والدارمي (327)، وأبو نعيم في ((صفة النفاق)) (27) مختصرا.
مَثَلُ المُنافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ العائِرَةِ بيْنَ الغَنَمَيْنِ؛ تَعِيرُ إلى هذِه مَرَّةً، وإلَى هذِه مَرَّةً.
[وفي رواية]: تَكِرُّ في هذِه مَرَّةً، وفي هذِه مَرَّةً.
الراوي : عبدالله بن عمر المحدث : مسلم المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 2784 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : من أفراد مسلم على البخاري النِّفاقُ صِفةٌ خَبيثةٌ، وهو إظهارُ خِلافِ ما في النَّفْسِ؛ إذ يُضمِرُ المنافقُ الشَّرَّ أو الكفْرَ، ويُظهِرُ الإيمانَ وفِعلَ الخيرِ، وهو بذلك يُخْفي أمْرَه القلْبيَّ الَّذي يُوجِّهُه في الحقيقةِ، وهو بذلكَ يُمكِنُه أنْ يَفعَلَ في المجتمعِ مِن الشَّرِّ ما لا يَستطيعُ أنْ يَفعَلَه الكافرُ المجاهِرُ بكُفرِه.
وفي هذا الحديثِ يُوضِّحُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شَأنَ المُنافِقين وصِفاتِهم؛ حتَّى يَحذَرَهمُ النَّاسُ، فيَضرِبُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المَثَلَ للمُنافقِ بالشَّاةِ العائِرَةِ، أيِ: الَّتي تَصِيحُ بصَوتِها، المُتردِّدة بيْنَ قَطيعينِ مِن الغنَمِ لا تَدري في أَيِّهِما تَدخُلُ، وكَذلك المُنافقُ يَكونُ مَتردِّدًا مُتذَبذبًا بيْن المسْلِمين والكافرينَ، فإذا كان مَع المُؤمنينَ أَظهَرَ الإيمانَ، وإذا كانَ مَع الكُفَّارِ كانَ مَعهم ظاهرًا وباطنًا.
ومَعنى «تَكُرُّ في هذِه مَرَّةً، وفي هذِه مَرَّةً»، أي: تَذهُبُ إلى هذه مرَّةً، وإلى الأُخرى مرَّةً؛ تَصويرًا للتَّردُّدِ.
وتَشبيهُ المنافقِ بالشَّاةِ للتَّنفيرِ عن النِّفاقِ، والتَّشبيهُ مُوافقٌ لِقَولِ اللهِ تعالَى: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} [النساء: 143] ، فَظاهرُهم مع المؤمنينَ وباطنُهم مع الكافرينَ، ومنهم مَن يَعترِيه الشَّكُّ؛ فتارةً يَميلُ إلى هؤلاء، وتارةً يَميلُ إلى هؤلاء، فلا هو قادرٌ على أنْ يَستمِرَّ مع هؤلاء، ولا قادرٌ على أنْ يَستمِرَّ مع هؤلاء؛ لأنَّه مُنافِقٌ.
وهذا الحديثُ يُبَيِّنُ أنَّ المُنافِقَ ليْس له أُسٌّ يَبنِي عليه، ولا عَزيمةٌ يَثْبُتُ فيها، وإِنَّما يَكونُ حيثُ يَجِدُ هَواه ومَنْفَعتَه الدُّنيويَّةَ.