- إنَّ رجلًا قال لأخيه : لا يغفرُ اللهُ لك، فقيل له : بل لك لا يغفرُ اللهُ
أخرجه أبو داود (4901)، وأحمد (8292)، وابن حبان (5712) بنحوه مطولا
أنَّ رَجُلًا قالَ: واللَّهِ لا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلانٍ، وإنَّ اللَّهَ تَعالَى قالَ: مَن ذا الذي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أنْ لا أغْفِرَ لِفُلانٍ، فإنِّي قدْ غَفَرْتُ لِفُلانٍ، وأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ، أوْ كما قالَ.
الراوي : جندب بن عبدالله المحدث : مسلم المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 2621 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه أبو يعلى (1529)، والروياني في ((مسنده)) (967)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (2/ 316) واللفظ لهم.
نَهى الإسلامُ وحذَّر مِن احتقارِ النَّاسِ وتَنقيصِهم، أو تَقنيطِهم مِن رَحمةِ اللهِ وغُفرانِه، أو التَّرفُّعِ عليهم بالأعمالِ الصَّالحةِ؛ لأنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى بيَدِه مَقاليدُ الأمورِ، والقلوبُ بيْن يَدَيه يُقلِّبُها كيْف يَشاءُ، ويَحكُمُ في خَلقِه بما شاءَ.
وفي هذا الحديثِ يَذكُرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ رَجلًا مِن بَني إسرائيلَ -كما في رِوايةِ أبي داودَ مِن حَديثِ أبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه- قال: «واللهِ لا يَغفِرُ اللهُ لِفلانٍ» مِن النَّاسِ، فعيَّنَه بشَخصِه، وقالَ ذلك بسَببِ كَثرةِ ذُنوبِه أو أنَّها مِن الكبائرِ، أو تَعظيمًا لنَفْسِه لمَّا رَأى نفْسَه على الطَّاعةِ وغيْرَه على المعصيةِ، وظاهرُ قَسمِه أنَّه قَطَع بأنَّ اللهَ تعالَى لا يَغفِرُ لذلكَ الرَّجلِ، وكأنَّه حَكَم على اللهِ تعالَى، وحَجَر عليه، وهذه نَتيجةُ الجهلِ بالأحكامِ الإلهيَّةِ، والإدلالِ على اللهِ تعالَى بما اعتَقَد أنَّ له عندَه مِن الكرامةِ، والحظِّ، والمكانةِ، أو اعتقادِه في المُذنِبِ أنَّ مِثلَه لا يُغفَرُ له ذَنْبُه، أو أنَّ مِثلَ هذا الذَّنْبِ لا يُغفَرُ لمِثلِه.
فَقال ربُّ العزَّةِ مُعقِّبًا على قَولِ هذا الرَّجلِ: «مَن ذا الَّذي يَتأَلَّى عَليَّ؟!» أي: يَتحَكَّمُ عليَّ ويَحلِفُ باسمِي أنَّي لَا أَغفِرُ لفُلانٍ؟! وهذا الاستفهامُ يُرادُ به الإنكارُ والوعيدُ وبَيانٌ لعَظيمِ وقُدرتِه ورَحمتِه بالعِبادِ؛ فهو أعلَمُ بهم، وهو وحْدَه القادرُ عليهم، ولذلك قال تعالَى: «فإِنِّي قدْ غَفرتُ لفُلانٍ» المحلوفِ عليه بأنَّ اللهَ لا يَغفِرُ له، «وأَحبَطْتُ عَملَك» أيُّها الحالِفُ، فأَذهبتُه سُدًى وأَبطلْتُه، فحَصَل بذلك أنْ أوبَقَتْ هذه الكلمةُ دُنياهُ وآخِرتَه؛ وذلكَ لأنَّه قالَ ما قالَ إِعجابًا بعَملِه، وإِعجابًا بنَفسِه، واستِكبارًا عَلى عِبادِ اللهِ عزَّ وجلَّ.
وقولُه: «أوْ كما قالَ» هو شكٌّ مِن الرَّاوي، وتَنبيهٌ على النَّقلِ بالمعنى؛ لئلَّا يُتوهَّمَ نقْلُ اللَّفظِ أيضًا.
قِيل: ويَنْبغي للرَّاوي وقارئِ الحديثِ إذا اشتَبَه عليه لَفظةٌ، فقَرَأها على الشَّكِّ أنْ يقولَ بعْدَه: «أوْ كما قالَ»، ومِثلُه الَّذي يَرْوي الحديثَ بالمعْنى.
وقدْ جاء في حَديثِ أبي داودَ مَزيدُ تَفصيلٍ وبَيانٌ للقصَّةِ، وأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: «كان رجُلانِ في بَني إسرائيلَ مُتواخِيَين، فكان أحدُهما يُذنِبُ، والآخَرُ مُجتهِدٌ في العبادةِ، فكان المجتهِدُ لا يَزالُ يَرى الآخَرَ على الذَّنْبِ، فيقولُ: أقْصِرْ، فوَجَده يومًا على ذنْبٍ، فقال له: أقْصِرْ، فقال: خَلِّني ورَبِّي، أبُعثْتَ علَيَّ رَقيبًا؟! فقال: واللهِ لا يَغفِرُ اللهُ لكَ، أو لا يُدخِلُك اللهُ الجنَّةَ، فقَبَض أرواحَهما، فاجتَمَعا عندَ ربِّ العالَمِين، فقال لهذا المجتهدِ: أكُنتَ بي عالمًا، أو كُنتَ على ما في يَدي قادرًا؟! وقال للمُذنِبِ: اذهَبْ فادخُلِ الجنَّةَ برَحْمتي، وقال للآخَرِ: اذْهَبوا به إلى النَّارِ».
وفي الحديثِ: النَّهيُ عنِ الكِبْرِ والعُجْبِ.
وفيهِ: النَّهيُ عنِ احتِقارِ أحدٍ منَ المُسلمينَ والحثُّ على التَّواضعِ معهم.
وفيه: التَّواضعُ والتَّأدُّبُ مع اللهِ سُبحانه في الأقوالِ والأحوالِ.
وفيه: أنَّ حقَّ العبدِ أنْ يُعامِلَ نفْسَه بأحكامِ العُبوديَّةِ، وأنْ يُعامِلَ اللهَ مَولاه بما يَجِبُ له مِن أحكامِ الإلهيَّةِ والرُّبوبيَّةِ.
وفيه: النَّهيُ عن القولِ بأنَّ فُلانًا مِن أهلِ النَّارِ، وكذا مِن أهلِ الجنَّةِ، إلَّا لمَن أخبَرَ عنه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بذلكَ، كالعشَرةِ المبشَّرين بالجنَّةِ.
وفيه: خَوفُ المؤمنِ مِن إحباطِ عَملِه بسُوءِ الأدبِ مع اللهِ، ومع عِبادِ اللهِ تعالَى.
الثمانية (12/ 424) :
2938 - وقال أبو بكر: حدثنا سعيد بن شرحبيل، حدثنا الليث عن بكير بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن رجلا، قال لأخيه: لا يغفر الله لك فقيل له: بل لك لا يغفر الله ".
صحيح
سنن أبي داود (4/ 275 ت محيي الدين عبد الحميد) :
4901 - حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا علي بن ثابت، عن عكرمة بن عمار، قال: حدثني ضمضم بن جوس، قال: قال أبو هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر، فوجده يوما على ذنب فقال له: أقصر، فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالما، أو كنت على ما في يدي قادرا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار " قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.
مسند أحمد (14/ 46 ط الرسالة) :
8292 - حدثنا أبو عامر، حدثنا عكرمة بن عمار، عن ضمضم بن جوس اليمامي ، قال: قال لي أبو هريرة : يا يمامي، لا تقولن لرجل: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة أبدا.
قلت: يا أبا هريرة، إن هذه لكلمة يقولها أحدنا لأخيه وصاحبه إذا غضب.
قال: فلا تقلها، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " كان في بني إسرائيل رجلان، كان أحدهما مجتهدا في العبادة، وكان الآخر مسرفا على نفسه، فكانا متآخيين، فكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على ذنب، فيقول: يا هذا، أقصر.
فيقول: خلني وربي، أبعثت علي
رقيبا؟! قال: إلى أن رآه يوما على ذنب استعظمه، فقال له: ويحك، أقصر.
قال: خلني وربي، أبعثت علي رقيبا؟! قال: فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة أبدا.
قال أحدهما ، قال: فبعث الله إليهما ملكا، فقبض أرواحهما، واجتمعا عنده، فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي.
وقال للآخر: أكنت بي عالما، أكنت على ما في يدي قادرا ، اذهبوا به إلى النار.
قال: فوالذي نفس أبي القاسم بيده، لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته "
[الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان] (13/ 20) :
5712 - أخبرنا أبو خليفة، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا ضمضم بن جوس، قال: دخلت مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا أنا بشيخ مصفر رأسه براق الثنايا معه رجل أدعج، جميل الوجه، شاب، فقال الشيخ: يا يمامي تعال لا تقولن لرجل أبدا: لا يغفر الله لك، والله لا يدخلك الله الجنة أبدا، قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: أنا أبو هريرة ، قلت: إن هذه لكلمة يقولها أحدنا لبعض أهله أو لخادمه إذا غضب عليها، قال: فلا تقلها، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولك "كان رجلان من بني إسرائيل متواخيين، أحدهما مجتهد في العبادة، والآخر مذنب، فأبصر المجتهد المذنب على ذنب، فقال له: أقصر، فقال له: خلني وربي.
قال: وكان يعد ذلك عليه، ويقول: خلني وربي، حتى وجده يوما على ذنب فاستعظمه، فقال: ويحك أقصر، قال: خلني وربي، أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك أبدا، أو قال: لا يدخلك الله الجنة أبدا، فبعث إليهما ملك فقبض أرواحهما، فاجتمعا عنده جل وعلا، فقال ربنا للمجتهد: أكنت عالما أم كنت قادرا على ما في يدي، أم تحظر رحمتي على عبدي؟ اذهب إلى الجنة، يريد المذنب، قال للآخر: اذهبوا به إلى النار، فوالذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته"