- أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تَوضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى بأرضِ سعدٍ بأصلِ الحَرَّةِ عندَ بُيوتِ السُّقْيا ، ثُمَّ قال: اللَّهُمَّ إنَّ إبراهيمَ خَليلَكَ وعبدَكَ ونَبيَّكَ دَعاكَ لأهلِ مكَّةَ، وأنا محمَّدٌ عبدُكَ ونَبيُّكَ ورسولُكَ أدعوكَ لأهلِ المدينةِ مِثلَ ما دَعاكَ به إبراهيمُ لأهلِ مكَّةَ؛ نَدعوكَ أنْ تُبارِكَ لهم في صاعِهم ومُدِّهم وثِمارِهم، اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلينا المدينةَ كما حَبَّبتَ إلينا مكَّةَ، واجعَلْ ما بها مِن وَباءٍ بخُمٍّ، اللَّهُمَّ إنِّي قد حَرَّمتُ ما بيْنَ لابتَيْها كما حَرَّمتَ على لِسانِ إبراهيمَ الحَرَمَ.

الدلالات الموضوعية:# أنبياء - خصائص وفضائل# أنبياء - إبراهيم# فضائل المدينة - فضل المدينة والدعاء لها بالبركة# مناقب وفضائل - مكة شرفها الله تعالى# فضائل المدينة - تحريم صيد المدينة وشجرها
المصدر: تخريج المسند لشعيب
الراوي: أبو قتادة الحارث بن ربعي
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (22630) واللفظ له، وابن خزيمة (210)

الشرح والتوضيح

خَصَّ اللهُ سُبحانَه وتَعالى بَعضَ بِقاعِ الأرضِ ببَرَكاتٍ لم يَجعَلْها في غَيرِها، وقد نالَتِ المَدينةُ النَّبويَّةُ حَظًّا وافِرًا مِنَ البَرَكةِ؛ بسَبَبِ دُعاءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لها ولِأهْلِها، كما يُخبِرُ أبو قَتادةَ الأنصاريُّ رَضيَ اللهُ عنه في هذا الحَديثِ: "أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تَوضَّأ ثم صَلَّى بأرضِ سَعدٍ بأصْلِ الحَرَّةِ، عِندَ بُيوتِ السُّقْيا" ويُقصَدُ بها المَكانُ الذي كانَ يَستَسقي منه الماءَ العَذبَ مِن هذه البِئرِ، وهي عَينٌ بَينَها وبَينَ المَدينةِ يَومانِ، والحَرَّةُ كُلُّ أرضٍ ذاتِ حِجارةٍ سُودٍ، والمَدينةُ مَشهورةٌ بحِرارِها، "ثم قالَ: اللَّهُمَّ إنَّ إبراهيمَ خَليلَكَ" والخَليلُ هو شَديدُ المَحبَّةِ لِصاحِبِه "وعَبدَكَ ونَبيَّكَ دَعاكَ لِأهلِ مَكةَ" يَعني دَعاكَ بقَولِه: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37] ، "وأنا محمدٌ عَبدُكَ ونَبيُّكَ ورَسولُكَ أدعوكَ لِأهلِ المَدينةِ" فأخُصُّهم بالدُّعاءِ "مِثلَما دَعاكَ به إبراهيمُ لِأهلِ مَكةَ"، فيَكونُ في المَدينةِ مِنَ البَرَكةِ في الثِّمارِ مِثلُ ما في مَكةَ وأكثَرُ "نَدعوكَ أنْ تُبارِكَ لهم في صاعِهم ومُدِّهم وثِمارِهم" وهذا دُعاءٌ أنْ يَجعَلَها اللهُ مَحَلًّا لِلخَيرِ والنَّماءِ، وأنْ يُبارِكَ في الطَّعامِ الذي يُكالُ بصاعِهم ومُدِّهم، ويَحتَمِلُ أنَّ الدُّعاءَ كانَ بأنْ تَحصُلَ البَرَكةُ في نَفْسِ المَكيلِ، بحيث يَكفي المُدُّ فيها ما لا يَكفيه في غَيرِها، أو يَكونُ المُرادُ زيادةَ البَرَكةِ في المَدينةِ، وفي كُلِّ ما فيها مما يُكالُ مِنَ الأطعِمةِ وغَيرِها، ولا تَقتَصِرُ البَرَكةُ على المَكاييلِ فقط، بل تَشمَلُ كُلَّ المَوازينِ والمَعدوداتِ أيضًا؛ فهي بَرَكةٌ عامَّةٌ، وهذا أمْرٌ مَحسوسٌ عِندَ مَن سَكَنَها، وهو مِن إجابةِ دَعوةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وصاعُ المَدينةِ هو كَيلٌ يَسَعُ أربَعةَ أمدادٍ، والمُدُّ: رِطلٌ وثُلُثٌ عِندَ أهلِ الحِجازِ، ورِطلانِ في غَيرِها، والمُدُّ أربَعُ حَفَناتٍ بكَفَّيِ الرَّجُلِ الذي ليس بعَظيمِ الكَفَّيْنِ، ولا بصَغيرِهما، "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلينا المَدينةَ كما حَبَّبتَ إلينا مَكةَ" فاستَجابَ اللهُ تَعالى له؛ فكانَتْ أحَبَّ البِقاعِ له ولِأصحابِه، فعاشوا فيها، وأرادوا أيضًا أنْ يَموتوا فيها، حتى إنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كانَ يَكونُ في السَّفَرِ، فإذا رَجَعَ منه، فبَدَتْ له جُدُراتُ المَدينةِ، دَفَعَ راحِلَتَه إلى الإسراعِ في السَّيرِ، وذلك مِن شِدَّةِ حُبِّه لِلمَدينةِ "واجعَلْ ما بها مِن وَباءٍ بخُمٍّ" والوَباءُ هو المَرَضُ والحُمَّى، وخُمٌّ اسمٌ لِغَيضةٍ على ثَلاثةِ أميالٍ مِنَ الجُحفةِ، عِندَها غَديرٌ مَشهورٌ يُضافُ إلى الغَيضةِ، فيُقالُ: غَديرُ خُمٍّ، والجُحفةُ كانَتْ أرضًا لِلمُشرِكينَ، الذين يُخافُ منهم عَونُ أعداءِ الإسلامِ على المُسلِمينَ، فأجابَ اللهُ تَعالى دَعوةَ نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ "اللَّهُمَّ إنِّي قد حَرَّمتُ ما بَينَ لَابَتَيْها "ولِلمَدينةِ لابَتانِ، وهي الأرضُ ذاتُ الحِجارةِ السَّوداءِ، كَأنَّها أُحرِقتْ بالنَّارِ، وهما اللَّابَتانِ الشَّرقيَّةُ والغَربيَّةُ، ويَحُدُّ المَدينةَ شَمالًا جَبَلُ ثَورٍ خَلفَ أُحُدٍ، وجَنوبًا جَبَلُ عَيْرٍ، "كما حَرَّمتَ على لِسانِ إبراهيمَ الحَرَمَ" مِثلَما جَعَلتَ مَكةَ حَرَمًا آمِنًا بدَعوةِ الخَليلِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ، ويَقصِدُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه حَرَّمَ المَدينةَ كُلَّها، ومَعنى تَحريمِها أنْ يَأمَنَ فيها كُلُّ شَيءٍ، حتى الحَيوانُ؛ فلا يُصادُ، وحتى الشَّجَرُ، فلا يُقطَعُ، وألَّا يُحدِثَ فيها إنسانٌ حَدَثًا يُخالِفُ دِينَ اللهِ تَعالى، أو جُرمًا، أو ظُلمًا، أو حَدًّا، فمَن أحدَثَ فيها شَيئًا مِن ذلك فقدِ استَحَقَّ لَعنةَ اللهِ والمَلائِكةِ والناسِ أجمَعينَ.

وفي الحَديثِ: بَيانُ مَكانةِ المَدينةِ وحِفظِها مِن قِبَلِ اللهِ سُبحانَه وتعالَى.

وفيه: بَيانُ ما كانَ عليه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن مَكارِمِ الأخلاقِ وحُبِّه لِلمَدينةِ وأهلِها.

الأصول والأحكام

[مسند أحمد] (37/ 312) 22630- حدثنا عثمان بن عمر، أخبرنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبي قتادة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، ثم صلى بأرض سعد بأصل الحرة عند بيوت السقيا، ثم قال: (( اللهم إن إبراهيم خليلك وعبدك ونبيك دعاك لأهل مكة، وأنا محمد عبدك ونبيك ورسولك أدعوك لأهل المدينة مثل ما دعاك به إبراهيم لأهل مكة، ندعوك أن تبارك لهم في صاعهم ومدهم وثمارهم.

اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة، واجعل ما بها من وباء بخم.

اللهم إني قد حرمت ما بين لابتيها كما حرمت على لسان إبراهيم الحرم))

صحيح ابن خزيمة (1/ 106) 210- وقال ابن أبي ذئب في هذه القصة، عن سعيد، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، ثم صلى بأرض سعد، فذكر القصة نا بندار، ومحمد بن يحيى قالا: نا عثمان بن عمر قال ابن أبي ذئب: وقال محمد بن يحيى قال: أخبرنا ابن أبي ذئب

أحاديث ذات صلة