- واللهِ ما الدُّنيا في الآخِرةِ إلَّا كرَجلٍ وضَعَ إصبَعَه في اليَمِّ ، ثُم رجَعَتْ إليه، فما أخَذَ منه؟ قال: وقال المُستَورِدُ: أشهَدُ أنِّي كُنْتُ مع الركْبِ الذين كانوا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حينَ مَرَّ بمَنزِلِ قومٍ قدِ ارْتَحَلوا عنه، فإذا سَخْلةٌ مَطروحةٌ، فقال: أترَوْنَ هذه هانَتْ على أهلِها حينَ ألقَوْها، قالوا: من هوانِها عليهم ألقَوْها، قال: فواللهِ لَلدُّنيا أهوَنُ على اللهِ من هذه على أهلِها.

الدلالات الموضوعية:# أيمان - لفظ اليمين وما يحلف به# أيمان - كيف كانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم# رقائق وزهد - تقديم عمل الآخرة على عمل الدنيا# رقائق وزهد - المحقرات# آداب عامة - ضرب الأمثال
المصدر: تخريج المسند لشعيب
الراوي: المستورد بن شداد
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه الترمذي (2321)، وابن ماجه (4111)، وأحمد (18021) واللفظ له

الشرح والتوضيح

كانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُعلِّمُ أصحابَه في كُلِّ المَواقِفِ ويَضرِبُ لهمُ الأمثالَ؛ لِيَكونَ أقرَبَ إلى أفهامِهم وعُقولِهم.

وفي هذا الحَديثِ يُبيِّنُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَدْرَ الدُّنيا ومِقدارَها عِندَ اللهِ، وفيه يَقولُ المُستَورِدُ بنُ شَدَّادٍ رَضيَ اللهُ عنه: "واللهِ" وهو قَسَمٌ مُشَدَّدٌ باسْمِ اللهِ سُبحانَه على ما يلي وهو قولُه: "ما الدُّنيا في الآخِرةِ إلَّا كرَجُلٍ وَضَعَ إصبَعَه في اليَمِّ، ثم رَجَعتْ إليه، فما أخَذَ منه؟" والمُرادُ تَحقيرُ شَأنِ الدُّنيا بالمُقارَنةِ مع الآخِرةِ وأنَّها لا تُساوي شَيئًا؛ فالآخِرةُ بَحرٌ واسِعٌ لا يَعلَمُ سَعَتَه إلَّا اللهُ، وقَدْرُ الدُّنيا مِثلُ قَدْرِ الماءِ الذي يَلصَقُ بأُصبُعِ الإنسانِ إذا أدخَلَهَ في هذا البَحرِ، والحَقيقةُ أنَّه لا يَلصَقُ بالإصبَعِ إلَّا ما يُبَلِّلُه، وهو حَقيرٌ وقَليلٌ جِدًّا، ولا يَنقُصُ مِنَ البَحرِ شَيئًا، قالَ المُستَورِدُ: "أشهَدُ أنِّي كُنتُ مع الرَّكبِ" وهم جَماعةٌ مِنَ الرُّكَّابِ المُسافِرينَ" الذين كانوا مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حينَ مَرَّ بمَنزِلِ قَومٍ" وهو مَكانُ نُزولِهم وإقامَتِهم في سَفَرِهم "قدِ ارتَحَلوا عنه"، أي: غادَروه بَعدَ أنِ ارتاحوا بَعضَ الوَقتِ "فإذا سَخلةٌ مَطروحةٌ" والسَّخلةُ هي مِن وَلَدِ الماعِزِ، وكانَتْ مُلقاةً مَيْتةً "فقالَ: أتَرَوْنَ هذه هانَتْ على أهلِها حين ألقَوْها" وهل كانَتْ عِندَهم لا تُمثِّلُ شَيئًا حين رَمَوْها؟ "قالوا: مِن هَوانِها عليهم ألقَوْها"، أيْ: إنَّ أصحابَها ما رَمَوْها ونَبَذوها إلَّا بَعدَما أصبَحَتْ لا تُمثِّلُ لهم شَيئًا، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "فواللهِ لَلدُّنيا أهوَنُ على اللهِ"، أحقَرُ وأقَلُّ شَأنًا "مِن هذه على أهلِها"، يعني: بمِثلِ تلك السَّخلةِ المَيْتةِ عِندَ أصحابِها، وفي هذا إشارةٌ إلى التَّحذيرِ مِن أنْ يَستَغرِقَ المُسلِمُ في مَتاعِ الدُّنيا وشَهَواتِها؛ فقد خَلَقَ اللهُ الدُّنيا ولم يَجعَلْ لها وَزنًا، وكانَتْ عِندَه هَيِّنةً، كما قالَ تَعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185] .

وفي الحَديثِ: التَّحذيرُ مِنَ الانشِغالِ بالدُّنيا، والحَثُّ على اجتِنابِ المَلاهي والعَمَلِ فيها، بما يَنفَعُ في الآخِرةِ.

الأصول والأحكام

[سنن الترمذي] (4/ 560) 2321- حدثنا سويد بن نصر قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن مجالد، عن قيس بن أبي حازم، عن المستورد بن شداد ، قال: كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السخلة الميتة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أترون هذه هانت على أهلها حين ألقوها))، قالوا: من هوانها ألقوها يا رسول الله، قال: ((فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها)) وفي الباب عن جابر، وابن عمر: ((حديث المستورد حديث حسن))

[سنن ابن ماجه] (2/ 1377 ) ‌4111- حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي قال: حدثنا حماد بن زيد، عن مجالد بن سعيد الهمداني، عن قيس بن أبي حازم الهمداني، قال: حدثنا المستورد بن شداد ، قال: إني لفي الركب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أتى على سخلة منبوذة، قال: فقال: ((أترون هذه هانت على أهلها)) قال: قيل: يا رسول الله من هوانها، ألقوها، أو كما قال: قال: ((فوالذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها))

[مسند أحمد] (29/ 548 ط الرسالة) ((18021- حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا عباد بن عباد- يعني المهلبي-، حدثنا المجالد بن سعيد، عن قيس بن أبي حازم، عن المستورد بن شداد ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( والله ما الدنيا في الآخرة إلا كرجل وضع إصبعه في اليم، ثم رجعت إليه، فما أخذ منه؟)).

قال: وقال المستورد: أشهد أني كنت مع الركب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بمنزل قوم قد ارتحلوا عنه، فإذا سخلة مطروحة، فقال: (( أترون هذه هانت على أهلها حين ألقوها؟)) قالوا: من هوانها (1) عليهم ألقوها.

قال: (( فوالله للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها))

أحاديث ذات صلة