- أتَيْتُ أبا ذَرٍّ، قُلْتُ: ما مالُكَ؟ قال: لي عَمَلي، قُلْتُ: حَدِّثْني، قال: نَعَمْ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ما من مُسلِميْنِ يموتُ لهما ثلاثةٌ من أولادِهما لم يَبلُغوا الحِنثَ ، إلَّا غفَرَ اللهُ لهما، قُلْتُ: حَدِّثْني قال: نَعَمْ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ما من مُسلِمٍ يُنفِقُ من كلِّ مالٍ له زَوجَيْنِ في سَبيلِ اللهِ، إلَّا استَقبَلَتْه حَجَبةُ الجَنَّةِ، كلُّهم يَدْعوه إلى ما عندَه، قُلْتُ: وكيف ذاك؟ قال: إنْ كانت رِجالًا فرَجُلَيْنِ، وإنْ كانت إبلًا فبَعيرَيْنِ، وإنْ كانت بقَرًا فبَقرتَيْنِ.

الدلالات الموضوعية:# استغفار - أسباب المغفرة# رقائق وزهد - الوصايا النافعة# صدقة - فضل الصدقة والحث عليها# جنة - الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار# جنائز وموت - موت الأولاد وفضل احتسابهم
المصدر: تخريج المسند لشعيب
الراوي: أبو ذر الغفاري
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (21341) واللفظ له، والبزار (3909)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (1366) مختصراً

الشرح والتوضيح

حثَّنا الشَّرعُ الحَنيفُ على الصَّبرِ على الطاعاتِ والشدائدِ، وعلَّمَنا النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنواعَ الطاعاتِ وأفضَلَها، وعدَّدَ صوَرَها؛ ليُقَدِّمَ كلٌّ ممَّا يَقدِرُ عليه، معَ تَصبيرِ النَّفْسِ، وتَوْطينِها على ما يُرْضي اللهَ جلَّ وعَلا، وفي هذا الحَديثِ بَيانٌ لبَعضِ هذه المَعاني، فيقولُ التابِعيُّ صَعْصَعةُ بنُ مُعاويةَ: "أتَيْتُ أبا ذَرٍّ" وهو أبو ذَرٍّ الغِفاريُّ صاحبُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، "قُلتُ: ما مالُكَ؟"، أي: ما نوعُ المالِ الذي تَملِكُه في الدُّنيا؟ قال أبو ذَرٍّ: "لي عَملي"، أي: العمَلُ الصالحُ، هو رأسُ مالي، وهو ما أَملِكُه وأُقَدِّمُه في الدُّنيا، "قُلتُ: حَدِّثْني"، أي: أخبِرْني بحَديثٍ مِن أحاديثِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، "قال: نَعمْ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ما مِن مُسلِمَينِ" زَوجَينِ "يموتُ لهما ثلاثةٌ مِن أولادِهما لم يَبلُغوا الحِنثَ"، لم يَبلُغوا حدَّ التَّكليفِ الذي يَجري فيه القَلمُ بِالسَّيِّئاتِ والحَسَناتِ، "إلَّا غفَرَ اللهُ لهما"، يُجازيهما اللهُ بغُفرانِ ذُنوبِهما وإدخالِهما الجنَّةَ؛ لصَبرِهم على فَقدِ أبنائِهم، واحتِسابِهم أجرَ مُصيبتِهم عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ.

قال صَعْصَعةُ بنُ مُعاويةَ: "قُلتُ: حَدِّثْني" يَستَزيدُ صَعْصَعةُ مِن حَديثِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال له أبو ذَرٍّ رضِيَ اللهُ عنه: "نَعمْ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ما مِن مُسلِمٍ يُنفِقُ مِن كلِّ مالٍ له زَوجَينِ في سَبيلِ اللهِ"، والمَعنى: أنَّ مَن تصدَّقَ بعَدَدِ اثنَينِ مِن أيِّ شَيءٍ من الأموالِ؛ مِن المَلبوساتِ، أو النُّقودِ، أو الطَّعامِ، فأَعطَى دِرهَمَينِ، أو رَغيفَينِ، أو ثَوبَينِ لمَن هو في حاجةٍ إليهما؛ ابتِغاءً لرِضوانِ اللهِ، وفي سَبيلِ اللهِ، وقولُه: (فى سَبيلِ اللهِ) يَحتَمِلُ أنْ يكونَ عامًّا فى أنواعِ الخَيرِ، ويَحتَمِلُ أنْ يكونَ خاصًّا بالجِهادِ؛ "إلَّا استَقبَلَتْه حَجَبةُ الجنَّةِ، كلُّهم يَدْعوه إلى ما عندَه"، فنادَتْه الملائكةُ حُرَّاسُ الجنَّةِ مِن أبوابِ الجنَّةِ مُرحِّبةً بقُدومِه إليها، وكلٌّ يَدْعوه إلى بابِه ليَدخُلَ منه.

"قُلتُ: وكيف ذاك؟"، أي: كيف يُنفِقُ زَوجَينِ مِن مالِه وما مَعْناه؟ "قال: إنْ كانتْ رِجالًا فرَجُلَينِ، وإنْ كانت إبلًا فبَعيرَيْنِ، وإنْ كانتْ بقَرًا فبَقَرتَينِ"، والتقديرُ: إنْ كانت أموالُه التي يُنفِقُ منها رجالًا أو عَبيدًا مَملوكينَ، أو إبلًا، أو بقرًا، فلْيُنفِقْ ممَّا يَملِكُ.

وقيلَ: يَحتَمِلُ أنْ يكونَ هذا المَعنى في جميعِ أعمالِ البِرِّ، والمَطلوبُ تَشفيعُ صَدَقةٍ بأُخرى، والتَّنبيهُ على فَضْلِ الصَّدَقةِ، والنفَقةِ في الطاعةِ، والاستِكثارِ منها.

ووقَعَ في البُخاريِّ: "مَن أنفَقَ زَوجَينِ مِن شَيءٍ مِن الأشياءِ في سَبيلِ اللهِ"، وهذا نَصٌّ في عُمومِ كلِّ شيءٍ يُخرَجُ في سَبيلِ اللهِ، ويُمكِنُ أنْ تُحمَلَ التثنيةُ على التكرار؛ لأنَّ القصدَ من الإنفاقِ التثبيتُ مِن الأنفُسِ بإنفاقِ كَرائمِ الأموالِ، والمواظَبةِ عليه، كما قال تَعالَى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 265] ، أي: ليُثَبِّتوا منها ببَذْلِ المالِ الذي هو شَقيقُ الرُّوحِ، وبَذْلُه أشقُّ شَيءٍ على النَّفْسِ مِن سائرِ العِباداتِ الشاقَّةِ.

وفي الحَديثِ: عِظَمُ أجرِ المُصيبةِ في الولَدِ.

وفيه: بيانُ فَضْلِ الصدَقاتِ وعِظَمُ أجرِها عندَ اللهِ.

وفيه: بيانُ حِرْصِ الصحابةِ على تَعليمِ التابِعينَ سُنةَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وحِرْصِ التابِعينَ على السؤالِ عمَّا يَنفَعُهم.

الأصول والأحكام

[مسند أحمد] (35/ 270) 21341- حدثنا إسماعيل، عن يونس، عن الحسن، عن صعصعة بن معاوية، قال: أتيت أبا ذر ، قلت: ما مالك؟ قال: لي عملي.

قلت: حدثني.

قال: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من أولادهما لم يبلغوا الحنث، إلا غفر الله لهما)) قلت: حدثني قال: نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مسلم ينفق من كل مال له زوجين في سبيل الله، إلا استقبلته حجبة الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده)) قلت: وكيف ذاك؟ قال: ((إن كانت رجالا فرجلين، وإن كانت إبلا فبعيرين، وإن كانت بقرا فبقرتين))

[مسند البزار - البحر الزخار] (9/ 349) 3909- حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي، قال: نا بشر بن المفضل، قال: نا يونس بن عبيد، عن الحسن، عن صعصعة بن معاوية، عن أبي ذر ، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقول ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته إياهم))

المعجم الأوسط (2/ 95) 1366- حدثنا أحمد قال: نا طاهر بن خالد بن نزار قال: حدثني أبي قال: نا إبراهيم بن طهمان، عن عامر بن عبد الواحد، عن الحسن، عن صعصعة بن معاوية، عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله دعته حجبة الجنة، كلهم يدعوه إلى ما عنده: يا عبد الله هذا خير، ومن دفن ثلاثة من ولده، من صلبه أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم))

لم يرو هذا الحديث عن عامر إلا إبراهيم، تفرد به خالد

أحاديث ذات صلة