- كانت له امرَأتانِ، مُلَيكةُ، وأُمُّ عَفيفٍ، فرجَمَتْ إحْداهما الأُخرى بحَجَرٍ، فأصابَتْ قُبُلَها وهي حامِلٌ، فألقَتْ جَنينًا وماتَتْ، فرُفِعَ ذلك إلى رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقَضى رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالدِّيَةِ على عاقِلةِ القاتِلةِ، وقَضى في الجَنينِ [غُرَّةً عَبدًا، أو أَمَةً، أو مِئةً مِنَ الشاءِ، أو عَشْرًا] مِنَ الإبِلِ، فقامَ أبوها، أو رَجُلٌ مِن عَصَبَتِها، فقال: يا رسولَ اللهِ، ما شرِبَ ولا أكَلَ، ولا صاحَ ولا استهَلَّ ، ومِثلُ ذلك دَمُهُ يُطَلُّ؟ فقال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لسنا مِن أساجيعِ الجاهليَّةِ في شيءٍ.
أخرجه أبو داود (4572)، والنسائي (4739)، وابن ماجه (2641) جميعهم بمعناه.
الدِّيةُ هي المالُ المؤَدَّى إلى المَجْنيِّ عليه، أو وَليِّه بسَببِ الجِنايةِ على النَّفسِ أو ما دُونَها، وقد بين النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أمورَها وحدودَها، وفي هذا الحديثِ بيان بعض ذلك، حيثُ يُخبِرُ حَمَلُ بنُ مالكٍ رضِيَ اللهُ عنه أنَّه: "كانتْ له امْرَأَتانِ مُلَيْكةُ، وأُمُّ عَفيفٍ"، أي كانت لحَمَلٍ زوجتانِ، اسمهما: مُلَيْكَةُ بِنْتُ عُوَيْمِرٍ، وأُمُّ عَفِيفٍ بِنْتُ مَسْرُوحٍ، فرَجَمَت إحْداهما الأُخْرى بحَجَرٍ، فأصابَتْ قُبُلَها"، أي: أصابَها الحَجَرُ مَوْضِعَ فَرْجِها، "وهي حاملٌ، فألقَتْ جَنينًا وماتَت"، فأسقَطَتْ جَنينَها على أَثَرِ تلك الضرْبةِ ثم ماتَتْ بعدَه، "فرُفِعَ ذلك إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ" ليَقضيَ في شَأنِها، "فقَضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالدِّيَةِ على عاقِلةِ القاتِلةِ"، والعاقِلةُ: هُم أقارِبُ الإنْسانِ وأهلُه وعَصَبَتُه من جِهَةِ الأبِ، "وقَضى في الجَنينِ"، ودِيةُ الجَنينِ: غُرَّةً عَبدًا، أو أَمَةً، أو مئةً منَ الشاءِ، أو عَشْرًا منَ الإبلِ"، والغُرَّةُ: الجُزءُ الأبيضُ الذي يكونُ في وَجهِ الفَرَسِ، وهي علَمٌ على العبدِ أوِ الأَمَةِ، والمَعنى: أنَّه قَضَى على القاتِلةِ بأنْ تَغْرَمَ عَبْدًا أو أَمَةً، "فقامَ أبوها، أو رجُلٌ من عَصَبَتِها"، والعَصَبةُ: الأقاربُ الذُّكورُ من جِهةِ الأبِ، "فقال: يا رسولَ اللهِ، ما شرِبَ ولا أكَلَ، ولا صاحَ ولا استَهَلَّ"، بمَعنى أنَّه وُلِدَ مَيِّتًا، ولم تَظهَرْ عليه عَلاماتُ الحياةِ منَ الأكلِ، أوِ الشُّربِ، أوِ الصُّراخِ، "ومِثلُ ذلك دَمُهُ يُطَلُّ؟" يكونُ هَدْرًا لا تكونُ فيه دِيَةٌ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُنكِرًا عليه: "لَسْنا من أساجيعِ الجاهليةِ في شيءٍ"؛ لمُشابَهَتِه لهم في كَلامِهم الذي يُزَيِّنونَه بِسَجْعِهم، فيَرُدُّونَ به الحقَّ ويُقِرُّونَ الباطِلَ.
ومثلُ هذا الكلامِ المَسْجوعِ لا يؤَثِّرُ في نَفْسِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليُغيِّرَ الحُكمَ، بل هو كلامٌ ساقطٌ والأَوْلى تَركُه وعدمُ قولِه.
وفي الحَديثِ: بَيانُ مَشروعيَّةِ الدِّيةِ في القَتلِ، وأنَّها تكونُ فِدْيةً عن قَتْلِ القَاتلِ بالقَتيلِ.
وفيه: بيانُ أنَّ العاقِلةَ والعَصَبةَ تَتحمَّلُ بعضَ أنْواعِ الدِّيَاتِ في قَتْلِ الخَطأِ وشِبْهِ العَمدِ تَضامُنًا وتَكافُلًا معَ بَعضِهم.
شرح مشكل الآثار (11/ 413) 4526 - حدثنا إبراهيم بن أحمد بن مروان الواسطي، حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي، حدثنا أبي، عن سعيد يعني ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي المليح، عن حمل بن مالك بن النابغة ، قال: كانت له امرأتان مليكة وأم عفيف، فرجمت إحداهما الأخرى بحجر فأصابت قبلها وهي حامل، فألقت جنينا وماتت، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية على عاقلة القاتلة، وقضى في الجنين غرة: عبدا أو أمة أو مائة من الشاء، أو عشرا من الإبل، فقام أبوها أو رجل من عصبتها، فقال: يا رسول الله ما شرب ولا أكل، ولا صاح ولا استهل، ومثل ذلك دمه يطل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لسنا من أساجيع الجاهلية في شيء " فتأملنا هذا الحديث بعد وقوفنا على إجماع أهل العلم في مقدار الغرة الواجبة في الجنين من الدية أنه نصف عشرها، فوجدنا فيه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الغرة أنها عبد أو أمة، فكان في ذلك إعلام الناس بالغرة ما هي؟ ثم أتبع ذلك بقوله: أو مائة من الشاء " فلم يكن ذلك من الغرة في شيء، ولكنه الجزء الذي هو مقدار الغرة من الدية من الشاء ما هو؛ لأن الدية من الشاء في قول من يجعل الشاء صنفا من أصناف الديات ألفا شاة، فالمائة منها نصف عشرها، وممن كان يجعل الدية من الشاء هذا المقدار أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، فأما أبو حنيفة، فلم يكن يجعل الدية إلا في الإبل، وفي الدراهم وفي الدنانير خاصة.
وأما مالك فكان يجعلها في الإبل، وفي الدنانير، وفي الدراهم.
وأما الشافعي، فكان يجعلها في الإبل خاصة دون ما سواها، وكان ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك أولى، ولم يكن ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصده بالدية لقتيل الأنصار إلى مائة من الإبل، ولا بقوله في قتيل خطأ العمد فيه مائة من الإبل، فدافع أن تكون الدية أصنافا غير الإبل، ثم قال في هذا الحديث: " أو عشرا من الإبل " فكان هذا عندنا وهما في النقل؛ لخروجه عن أقوال العلماء جميعا؛ ولتلقيهم إياه بالخلاف له، وكان هذا الحديث إنما دار على أبي المليح، فممن رواه عنه قتادة كما ذكرنا، وقد رواه عنه أيوب السختياني.
سنن أبي داود (4/ 191) 4572 - حدثنا محمد بن مسعود المصيصي، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع طاوسا، عن ابن عباس، عن عمر، أنه سأل عن قضية النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها، وجنينها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة وأن تقتل، قال أبو داود: قال النضر بن شميل: " المسطح: هو الصوبج " قال أبو داود: وقال أبو عبيد: " المسطح: عود من أعواد الخباء "
سنن النسائي (8/ 21) 4739 - أخبرنا يوسف بن سعيد، قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع طاوسا، يحدث، عن ابن عباس، عن عمر رضي الله عنه أنه: " نشد قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقام حمل بن مالك فقال: كنت بين حجرتي امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فقتلتها وجنينها، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة وأن تقتل بها
[سنن ابن ماجه] (2/ 882) 2641 - حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي قال: حدثنا أبو عاصم قال: أخبرني ابن جريج قال: حدثني عمرو بن دينار، أنه سمع طاوسا، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، أنه نشد الناس قضاء النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك - يعني في الجنين - فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين امرأتين لي فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها، وقتلت جنينها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة عبد وأن تقتل بها