عَلَّمَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الصَّلاةَ والصِّيامَ، قال: صَلِّ كذا وكذا، وصُمْ، فإذا غابتِ الشَّمسُ، فكُلْ واشرَبْ حتى يَتبَيَّنَ الخَيطُ الأبيَضُ مِن الخَيطِ الأسوَدِ، وصُمْ ثلاثينَ يومًا، إلَّا أنْ تَرى الهِلالَ قبلَ ذلك، فأخَذتُ خَيطَينِ مِن شَعرٍ أسوَدَ وأبيَضَ فكنتُ أنظُرُ فيهما، فلا يَتبَيَّنُ لي، فذَكَرتُ ذلك لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فضَحِكَ، وقال: يا ابنَ حاتمٍ، إنَّما ذاك بَياضُ النَّهارِ مِن سَوادِ اللَّيلِ.
أخرجه البخاري (1916)، ومسلم (1090) باختلاف يسير
كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُعَلِّمُ أصحابَه أحْكامَ الدِّينِ، والمَعانيَ الصحيحةَ لآياتِ القُرآنِ، ويُصوِّبُ ما اعْتَراهُم من سوءِ الفَهمِ والتأْويلِ، حتى تكونَ الأحْكامُ والمَفاهيمُ واضِحةً لهم، ولمَن بَعدَهم إلى يومِ القِيامةِ.
وفي هذا الحَديثِ يقولُ عَدِيُّ بنُ حاتمٍ رضِيَ اللهُ عنه: "علَّمَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الصلاةَ والصيامَ" كَيْفيةَ الصلاةِ والصيامِ، وأوْقاتَهما، والفَرضَ والنفْلَ منها، "قال: صَلِّ كذا وكذا"، يَعني الصلَواتِ الخَمسَ وما يَلزَمُ لها، "وصُمْ" وفي تَفْسيرِ ابنِ أبي حاتمٍ: "فإذا جاء شَهرُ رَمضانَ، فصُمْ"، قال: "فإذا غابتِ الشمسُ، فكُلْ واشرَبْ حتى يَتبيَّنَ الخَيطُ الأبيَضُ منَ الخَيطِ الأسوَدِ"، فالمُسلِمُ لا يَزالُ مُفطِرًا يأكُلُ ويَشرَبُ بعدَ غُروبِ الشمسِ حتَّى يَتجَلَّى النَّهارُ، كما في قولِه تَعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة: 187] ، "وصُمْ ثَلاثينَ يومًا، إلَّا أنْ تَرى الهِلالَ قَبلَ ذلك"، فمُدةُ صيامِ شَهرِ رَمضانَ ثَلاثينَ يومًا، وذلك إنْ لم يَظهَرْ هلالُ شَوَّالٍ ليلةَ الثلاثينَ، فإنْ ظهَرَ هلالُ شوَّالٍ يكونُ رَمضانُ تِسعًا وعِشرينَ يومًا، قال عَدِيٌّ رضِيَ اللهُ عنه: "فأخذْتُ خَيطَيْنِ من شَعرٍ أسوَدَ وأبيَضَ، فكنْتُ أنظُرُ فيهما، فلا يَتبيَّنُ لي"، أي: ظنَنْتُ أنَّ المُرادَ بالخَيطِ الأبيَضِ والأسوَدِ مَعْناهما الحَقيقيُّ، وأنَّ المَقْصودَ بهما حَبْلانِ، أحَدُهما أبيَضُ، والثَّاني أسوَدُ، "فذكَرْتُ ذلك لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فضحِكَ، وقال: يا ابنَ حاتمٍ، إنَّما ذاك بياضُ النهارِ من سَوادِ الليلِ"! فليس المَقصودُ بالخَيطِ الأبيَضِ والخَيطِ الأسوَدِ حَقيقتَهما ومَعْناهما الظَّاهريَّ، وإنَّما المَقصودُ بالخَيطِ الأسوَدِ سَوادُ اللَّيلِ، وبالخَيطِ الأبيَضِ بياضُ النَّهارِ، ونورُه وضياؤُه.
وفي الحديث: أنَّ الأصلَ الأخذُ بظاهرِ النصِّ ما لم يَرِدْ ما يُفسِّرُه أو يَصرِفُه عن هذا الظاهِرِ.
وفيه: تصحيحُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ للمفاهيمِ.
[صحيح البخاري] (3/ 28) 1916- حدثنا حجاج بن منهال: حدثنا هشيم قال: أخبرني حصين بن عبد الرحمن، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: ((لما نزلت: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال: إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار)).
[صحيح مسلم] (2/ 766 ) ((33- (1090) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة.
حدثنا عبد الله بن إدريس عن حصين، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم رضي الله عنه.
قال
لما نزلت: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} [2 / البقرة / الآية 187].
قال له عدي بن حاتم: يا رسول الله! إني أجعل تحت وسادتي عقالين: عقالا أبيض وعقالا أسود.
أعرف الليل من النهار.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن وسادتك لعريض.
إنما هو سواد الليل وبياض النهار)).