- أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ حين افتَتَحَ خَيبَرَ، فذَكَرَ نَحوَ حَديثِ زَيدُ، قال: فحَزَرَ النَّخلَ، وقال: فأنا أَلِي جِذاذَ النَّخلِ ، وأُعطيكم نِصفَ الذي قُلتُ.
أخرجه أبو داود (3412) واللفظ له.
عُرِفَ اليَهودُ مُنذُ القِدَمِ بأنَّهم ليس لهم عَهدٌ، وبمُماطَلَتِهم في الحَقِّ، وجَورِ بَعضِهم على حَقِّ بَعضٍ، وعلى حُقوقِ غَيرِهم، وقد كانَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أبصَرَ النَّاسِ بهم وبمَكرِهم.
وهذا المَتنُ جُزءٌ مِن رِوايةٍ طَويلةٍ يَرويها عَبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما، وفيها: "أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حين افتَتَحَ خَيبَرَ" وهي قَريةٌ على طَريقِ الشَّامِ، تَبعُدُ عنِ المَدينةِ 264 كم تَقريبًا، وكان يَسكُنُها اليَهودُ حينَئِذٍ، وكانَ فَتْحُها سَنةَ سَبعٍ مِنَ الهِجرةِ "فذَكَرَ نَحوَ حَديثِ زَيدٍ"، وهو زَيدُ بنُ أبِي الزَّرقاءِ، أحَدُ رُواةِ الحَديثِ، وفيه: "واشتَرَطَ أنَّ له الأرضَ"، أيْ أنَّ لِلنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ زُروعَها وثِمارَها مِلكًا له، "وكُلَّ صَفراءَ وبَيضاءَ"، يَعني الذَّهَبَ والفِضَّةَ.
"قال أهلُ خَيبَرَ: نَحنُ أعلَمُ بالأرضِ منكم"، فنحن أعلَمُ بالزِّراعةِ والفِلاحةِ، "فأعْطِناها على أنَّ لكم نِصْفَ الثَّمرةِ، ولنا نِصْفٌ"، بمعنى: أعْطِ لنا الأرضَ نَزرَعُها على أنْ يَكونَ لِلرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نِصفُ الثِّمارِ، ولِليهودِ نِصفُها، فوافَقَهمُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على ذلك، "فلَمَّا كان حينَ يُصرَمُ النَّخلُ"، أي: فلَمَّا حانَ وَقتُ قِطافِ النَّخلِ وجَنْيِ ثِمارِه، بَعَثَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى خَيبَرَ عَبدَ اللهِ بنَ رَواحةَ رَضيَ اللهُ عنه، "فحَزَرَ النَّخلَ"، وذلك بأنْ قدَّرَهُ وصَنَّفَهُ.
وقال لهم عَبدُ اللهِ بنُ رَواحةَ حين قَدَّرَ الثِّمارَ وصَنَّفَها: "في ذِهْ"، يعني: في هذه النَّخلاتِ، "كذا وكذا"، مُوزِّعًا لِلثِّمارِ التي جُمِعتْ، فقالتِ اليَهودُ مُماطِلينَ لِقِسمةِ عَبدِ اللهِ بنِ رَواحةَ: "أكثَرْتَ علينا يا ابنَ رَواحةَ"! في العَدَدِ والتَّقديرِ، وهو أقَلُّ مِن ذلك، فقال عَبدُ اللهِ بنُ رَواحةَ: "فأنا ألِي جُذاذَ النَّخلِ، وأُعطيكم نِصفَ الذي قُلتُ"، أي: فرُدُّوا علَيَّ الثِّمارَ كُلَّها، وأُعطيكم نِصفَ الذي قَدَّرتُه لكم؛ لِمَا تَقولونَ: إنَّ الحَزرَ أقَلُّ مِن ذلك! فلَمَّا عَلِموا أنَّهم يُماطِلونَ، وأنَّ ابنَ رَواحةَ غَلَبَهم في مَكرِهم، وأنَّهم سيَخسَرونَ بما قَدَّروه هم، "قالوا" له: "هذا الحَقُّ"، أيْ: قِسمَتُكَ وتَقديرُكَ الأوَّلُ الذي قَدَّرتَ هذا هو العَدْلُ الذي "تَقومُ به السَّماءُ والأرضُ"، فرَضُوا بما قاله ابنُ رَواحةَ، وبتَقديرِه وقِسمَتِه.
وفي الحديثِ: مَشروعيَّةُ الخرصِ، بشَرْطِ أنْ يكونَ الخارصُ مِن أهلِ النَّظرِ والخِبرةِ والمعرفةِ.
وفيه: بيانٌ لقوَّةِ الصحابةِ في قِيامِهم بالعدلِ وإثباتِ الحقِّ وانتصارِهم على اليهودِ في مَيدانَيِ الحربِ والسِّلمِ.
سنن أبي داود (3/ 263) 3412 - حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، حدثنا كثير يعني ابن هشام، عن جعفر بن برقان، حدثنا ميمون، عن مقسم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر فذكر نحو حديث زيد [[" افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر واشترط أن له الأرض، وكل صفراء، وبيضاء، قال: أهل خيبر نحن أعلم بالأرض منكم، فأعطناها على أن لكم نصف الثمرة، ولنا نصف فزعم أنه أعطاهم على ذلك، فلما كان حين يصرم النخل بعث إليهم عبد الله بن رواحة فحزر عليهم النخل وهو الذي يسميه أهل المدينة الخرص، فقال: في ذه كذا وكذا قالوا: أكثرت علينا يا ابن رواحة، فقال: فأنا ألي حزر النخل، وأعطيكم نصف الذي قلت: قالوا: هذا الحق وبه تقوم السماء والأرض قد رضينا أن نأخذه بالذي قلت "]]، قال: فحزر النخل، وقال: فأنا ألي جذاذ النخل وأعطيكم نصف الذي قلت