جاءتِ الجَدَّةُ إلى أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسألُه ميراثَها، فقال: ما لكِ في كتابِ اللهِ تعالى شيءٌ، وما عَلِمتُ لك في سُنَّةِ نبيِّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شيئًا، فارجِعي حتى أَسأَلَ الناسَ، فسأَل الناسَ، فقال المُغيرةُ بنُ شُعبةَ: حضَرتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أَعطاها السُّدسَ، فقال أبو بَكْرٍ: هل معك غيرُك؟ فقامَ محمَّدُ بنُ مَسلَمةَ، فقال مِثلَ ما قال المُغيرةُ بنُ شُعبةَ، فأَنفَذَه لها أبو بَكْرٍ، ثمَّ جاءتِ الجَدَّةُ الأُخرى إلى عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضِي اللهُ عنه تَسألُه ميراثَها، فقال: ما لكِ في كتابِ اللهِ تعالى شيءٌ، وما كان القضاءُ الذي قُضِيَ به إلَّا لغيرِك، وما أنا بزائدٍ في الفرائضِ، ولكنْ هو ذلك السُّدسُ، فإنِ اجتمَعتُما فيه فهو بينَكما، وأيَّتُكما خلَتْ به فهو لها.
أخرجه الترمذي (2100)، وابن ماجه (2724)، وأحمد (17980) باختلاف يسير
لقدْ حدَّدَ الشَّرعُ أنصِبةَ المَواريثِ، وحَدَّدَ نصيبَ كلِّ وارثٍ، وشُروطَ استِحقاقِهم لِلميراثِ، ولكِنْ وُجِدَتْ بعضُ الحالاتِ التي لم يَنُصَّ عليها الشَّرعُ صَراحةً، فاجتَهَدَ الصَّحابةُ في تَطبيقِ قَواعِدِ المَواريثِ؛ لإعطائِها حَقَّها.
وفي هذا الحَديثِ يَقولُ قَبيصةُ بنُ ذُؤَيْبٍ: "جاءَتِ الجَدَّةُ" وهي: أُمُّ الأُمِّ، أو أُمُّ الأبِ "إلى أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ تَسألُه ميراثَها، فقال: ما لكِ في كِتابِ اللهِ تَعالى شَيءٌ"! يعني: لم يُذكَرْ لكِ في القُرآنِ فَرضٌ مَعلومٌ صَريحٌ، "وما عَلِمتُ لكِ في سُنَّةِ نَبيِّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شَيئًا"، ولا أجِدُ فيما أعلَمُ مِنَ السُّنَّةِ شَيئًا في حَقِّ الجَدَّةِ في الميراثِ؛ "فارْجِعي حتى أسألَ الناسَ"، وأستَشيرَ أصحابَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فإنَّ مَن حَفِظَ حُجَّةٌ على مَن لم يَحفَظْ، "فسألَ الناسَ، فقالَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ: حَضَرتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أعطاها السُّدُسَ، فقال أبو بَكرٍ: هل معك غَيرُكَ؟"؛ فهذا مِن مقاماتِ التَّثَبُّتِ عِندَ الصَّحابةِ في حَقِّ بَعضِهمُ البَعضَ، وليس طَعنًا أو رَدًّا لِحَديثِه، وأيضًا تَعليمًا لِمَن بَعدَهم أنَّ التَّثَبُّتَ والأحكامَ تأتي مع خَبَرِ الاثنَيْنِ العُدولِ، "فقامَ محمدُ بنُ مَسلَمةَ، فقالَ مِثلَ ما قال المُغيرةُ بنُ شُعبةَ، فأنفَذَهُ لها أبو بَكرٍ"، أي: أنفَذَ الحُكمَ بالسُّدُسِ لِلجَدَّةِ، وأعطاه إيَّاها، "ثم جاءَتِ الجَدَّةُ الأُخرى"، وهي الجَدَّةُ الأُخرى لهذا المَيِّتِ مِن جِهةِ الأبِ، إذا كانتِ الأُولى مِنَ الأُمِّ، أو مِن جِهةِ الأُمِّ إذا كانتِ الأُولى مِنَ الأبِ، "إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه تَسألُه مِيراثَها، فقالَ: ما لكِ في كِتابِ اللهِ تَعالى شَيءٌ، وما كان القَضاءُ الذي قُضيَ به إلَّا لِغَيرِكِ"؛ فكانَ الحُكمُ الذي حَكَمَ به أبو بَكرٍ خاصًّا بالجَدَّةِ الأُخرى، "وما أنا بزائِدٍ في الفَرائِضِ"، فلن أزيدَ فَرضًا من عند نفْسي في المَواريثِ لأحدٍ دونَ المنصوصِ عليه، "ولكنْ هو ذلك السُّدُسُ، فإنِ اجتَمَعتُما فيه فهو بَينَكما، وأيَّتُكما خَلَتْ به"، أي: انفَرَدَتْ بالسُّدُسِ وَحدَها "فهو لها" كامِلًا، وكان ذلك بمَحضَرٍ مِنَ الصَّحابةِ، ولم يُنكِرْ عليه أحَدٌ؛ فكانَ إجماعًا، فأبو بَكرٍ إنما حَكَمَ بالسُّدُسِ لها أوَّلًا؛ لأنَّه لم يَقِفْ على الشَّرِكةِ، أمَّا الفاروقُ عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه فإنَّه لَمَّا وَقَفَ على الاجتِماعِ حَكَمَ بالاشتِراكِ بيْنَ الجَدَّتَينِ في السُّدُسِ.
وفي الحَديثِ: مَشروعيَّةُ الاجتِهادِ فيما لم يَرِدْ فيه نَصٌّ صَريحٌ على وَفْقِ قَواعِدِ الشَّرعِ.
وفيه: تَوَقُّفُ الصَّحابةِ رضِيَ اللهُ عنهم عِندَ حُدودِ اللهِ وحُدودِ ما وَرَدَ في القُرآنِ والسُّنَّةِ.
سنن أبي داود (3/ 81 ط مع عون المعبود) :
2894 - حدثنا القعنبي ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة ، عن قبيصة بن ذؤيب أنه قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه تسأله ميراثها، فقال: ما لك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة نبي الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة : حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة، فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر رضي الله عنه، ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب تسأله ميراثها فقال: ما لك في كتاب الله شيء، وما كان القضاء الذي قضي به إلا لغيرك، وما أنا بزائد في الفرائض، ولكن هو ذلك السدس، فإن اجتمعتما فيه فهو بينكما، وأيتكما ما خلت به فهو لها.
[سنن الترمذي] (4/ 419) :
2100 - حدثنا ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا الزهري، قال مرة: قال قبيصة، وقال مرة: عن رجل، عن قبيصة بن ذؤيب ، قال: جاءت الجدة أم الأم، وأم الأب إلى أبي بكر، فقالت: إن ابن ابني، أو ابن بنتي مات، وقد أخبرت أن لي في كتاب الله حقا، فقال أبو بكر: ما أجد لك في الكتاب من حق، وما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى لك بشيء وسأسأل الناس، قال: فسأل فشهد المغيرة بن شعبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطاها السدس قال: ومن سمع ذلك معك؟ قال: محمد بن مسلمة، قال: فأعطاها السدس ثم جاءت الجدة الأخرى التي تخالفها إلى عمر، قال سفيان: وزادني فيه معمر، عن الزهري، ولم أحفظه عن الزهري ولكن حفظته من معمر، أن عمر قال: إن اجتمعتما فهو لكما، وأيتكما انفردت به فهو لها
سنن ابن ماجه (2/ 909 ت عبد الباقي) :
2724 - حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح المصري قال: أنبأنا عبد الله بن وهب قال: أنبأنا يونس، عن ابن شهاب، حدثه عن قبيصة بن ذؤيب، ح وحدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، عن قبيصة بن ذؤيب قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها، فقال لها: أبو بكر ما لك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس .
فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر، ثم جاءت الجدة الأخرى من قبل الأب إلى عمر تسأله ميراثها، فقال: ما لك في كتاب الله شيء، وما كان القضاء الذي قضي به إلا لغيرك، وما أنا بزائد في الفرائض شيئا، ولكن هو ذاك السدس، فإن اجتمعتما فيه، فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها
مسند أحمد (29/ 499 ط الرسالة) :
* 17980 - حدثنا إسحاق بن سليمان - يعني الرازي -، قال: سمعت مالك بن أنس.
وإسحاق بن عيسى، قال: أخبرني مالك، عن الزهري، عن عثمان بن خرشة.
وقال إسحاق بن عيسى: عن عثمان بن إسحاق بن خرشة .
قال عبد الله: وحدثنا مصعب الزبيري، عن مالك مثله، فقال عثمان بن إسحاق بن خرشة، من بني عامر بن لؤي، ولم يسنده عن الزهري أحد إلا مالك، عن قبيصة بن ذؤيب ، قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر تسأله ميراثها، فقال: ما أعلم لك في كتاب الله شيئا، ولا أعلم لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من شيء حتى أسأل الناس.
فسأل، فقال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل لها السدس.
فقال: من يشهد معك؟ - أو من يعلم معك؟ - فقام محمد بن مسلمة، فقال: مثل ذلك.
فأنفذه لها.
وقال إسحاق بن عيسى: هل معك غيرك .