الحَياءُ خيرٌ كلُّه، قال بَشيرُ بنُ كَعبٍ: إنَّ منه ضَعفًا، فغَضِبَ عِمرانُ فقال: لا أُراني أُحدِّثُ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: الحَياءُ خيرٌ كلُّه، وتقولُ: إنَّ منه ضَعفًا؟! قال: فجَفاه، فأرادَ ألَّا يُحدِّثَه، فقيلَ له: إنَّه كما تُحِبُّ.
أخرجه البخاري (6117)، ومسلم (37)، وأبو داود (4796)، وأحمد (19957) واللفظ له
كان الصَّحابةُ رِضْوانُ اللهِ عليهم يَتمَسَّكونَ بسُنةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويُعلِّمونَها للناسِ، ويُرَبُّونَهم على تَبْجيلِها والتوقُّفِ عندَ مَعانيها، وعدمِ التجَرُّؤِ عليها، كما يُبيِّنُ هذا الأثرُ، فقد رَوى عِمْرانُ بنُ حُصَينٍ رضِيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: "الحَياءُ" وهو: صِفةٌ في النَّفْسِ تَحمِلُ على فِعْلِ ما يُحمَدُ وتَركِ ما يُذَمُّ عليه ويُعابُ، "خيرٌ كلُّه"؛ فإنَّه يَجلِبُ لصاحِبه الخيرَ كلَّه، أو يَجعَلُ صاحِبَه في خيرٍ دائمٍ؛ فهو مُكمِّلٌ لخُلقِ الإنسانِ ويَزِينُه، ويُجِلُّ النفوسَ عن صَغائرِها، فقال التابِعيُّ بَشيرُ بنُ كَعبٍ مُعقِّبًا على هذا المَعنى: "إنَّ منه ضَعفًا"، وفي رِوايةِ أبي داودَ: "إنَّا نَجِدُ في بعضِ الكتُبِ أنَّ منه سَكينةً، ووَقارًا، ومنه ضَعفًا" ولعلَّه يَقصِدُ بالضعفِ التحَرُّجَ في الحقِّ في بعضِ المواقِفِ، وهذا يكونُ ضَعفًا في الإنسانِ، وهذا غلَطٌ واستِشْكالٌ عندَ صاحِبِه في تَوْصيفِ المَعنى؛ فتَركُ نُصرةِ الحقِّ والمَظلومِ بالقَولِ والفِعلِ تحتَ مُسمَّى الحياءِ هو خَطأٌ من صاحبِه، "فغضِبَ عِمرانُ فقال: لا أُراني أُحدِّثُ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: الحياءُ خَيرٌ كلُّه، وتقولُ: إنَّ منه ضعفًا؟!" فإذا عدَّه البعضُ مَنْقَصةً وضَعفًا في بعضِ المَواطنِ، إلَّا أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أطلَقَه، ولم يَستَثْنِ منه شيئًا؛ وعليهِ فعَلى المَرءِ التزامُ الحياءِ في كلِّ شيءٍ، وجَعْلُه مِنهاجَ حياةٍ، ومواطنُ الضَّعفِ التي يَقصِدُها بَشيرُ بنُ كَعبٍ إنْ حثَّ الإسْلامُ في نُصوصٍ كَثيرةٍ منه أنْ يكونَ المُسلمُ فيها قويًّا، قال ثابتٌ البُنانيُّ: "فجَفاه" هجَرَ عِمْرانُ بَشيرًا وابتعَدَ عنه، "فأرادَ ألَّا يُحدِّثَه" بعدَ مَوقِفِه هذا وتَجَرُّئِه بالتعْقيبِ على قولِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، "فقيلَ له: إنَّه كما تُحِبُّ"، يعني أنَّ الناسَ أوْضَحوا لعِمْرانَ بنِ حُصَينٍ أنَّ بَشيرَ بنَ كَعبٍ على دِينٍ وخُلقٍ، وليس على بِدْعةٍ وضَلالةٍ، وأنَّه لم يَقصِدِ التجَرُّؤَ على السُّنةِ، ولكنَّه أرادَ التوْضيحَ له، وأنْ يَفهَمَ بعضَ ما غمُضَ عليه .
[صحيح البخاري] (8/ 29) 6117- حدثنا آدم: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي السوار العدوي قال: سمعت عمران بن حصين قال: ((قال النبي صلى الله عليه وسلم: الحياء لا يأتي إلا بخير، فقال بشير بن كعب مكتوب في الحكمة: إن من الحياء وقارا، وإن من الحياء سكينة، فقال له عمران: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن صحيفتك)).
[صحيح مسلم] (1/ 64 ) ((61- (37) حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي حدثنا حماد بن زيد، عن إسحاق؛ (وهو ابن سويد) أن أبا قتادة حدث؛ قال: كنا عند عمران بن حصين في رهط منا.
وفينا بشير بن كعب.
فحدثنا عمران يومئذ قال: قال رسول الله عليه وسلم: ((الحياء خير كله)) قال أنه قال: ((الحياء كله خير)) فقال بشير بن كعب: إنا لنجد في بعض الكتب أو الخدمة أن منه سكينة ووقارا للهز ومنه ضعف.
قال فغضب عمران حتى احمرتا عيناه.
وقال ألا أراني أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارض فيه؟ قال فأعاد عمران الحديث.
قال فأعاد بشير.
فغضب عمران.
قال، فمازلنا نقول فيه: إنه منا يا أبا نجيد! إنه لا بأس به)).
[سنن أبي داود] (4/ 399 ط مع عون المعبود) 4796- حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد، عن إسحاق بن سويد، عن أبي قتادة قال: ((كنا مع عمران بن حصين وثم بشير بن كعب فحدث عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحياء خير كله أو قال: الحياء كله خير فقال بشير بن كعب: إنا نجد في بعض الكتب أن منه سكينة ووقارا ومنه ضعفا.
فأعاد عمران الحديث، فأعاد بشير الكلام، قال: فغضب عمران حتى احمرت عيناه، وقال: ألا أراني أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحدثني عن كتبك.
قال: قلنا: يا أبا نجيد، إيه إيه)).
[مسند أحمد] (33/ 175 ط الرسالة) ((19957- حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا ثابت، أن عمران بن حصين حدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( الحياء خير كله)) قال بشير بن كعب: إن منه ضعفا، فغضب عمران فقال: لا أراني أحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( الحياء خير كله)) وتقول: إن منه ضعفا! قال: فجفاه فأراد أن لا يحدثه، فقيل له: إنه كما تحب)).