مِن أصحابي مَن لا أَراه ولا يَراني بعدَ أنْ أَموتَ أبدًا.
قالَ: فبلَغَ ذلك عُمرَ، قال: فأتاها يَشتَدُّ، أو يُسرِعُ -شكَّ شاذَانُ- قالَ لها: أَنشُدُكِ باللهِ، أنا منهم؟ قالتْ: لا، ولن أُبرِّئَ بعدَكَ أحدًا أبدًا.
أخرجه أحمد (26549) واللفظ له، وأبو يعلى (7003)، والطبراني (23/317) (719)
هذا الحديثُ له قِصةٌ كما جاء عندَ أحمَدَ في المسندِ، وفيه: أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ عَوفٍ رضِيَ اللهُ عنه دخَلَ على أُمِّ سَلَمةَ زَوجِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال: "يا أُمَّهْ، قد خِفْتُ أنْ يُهلِكَني كثرةُ مالي" خَشيةَ أنْ أكونَ لا أُؤدِّيَ حقَّه، "أنا أكثَرُ قُريشٍ مالًا"، وأكثَرُهم غِنًى وتَملُّكًا للمالِ، "قالت: يا بُنَيَّ، فأنفِقْ"، أي: من مالِكَ في سَبيلِ اللهِ وفي وُجوهِ الخَيرِ؛ فإنَّ الإنْفاقَ يُطهَّرُ المالُ به، ويُؤدِّي المَرءُ ما عليه منَ الحُقوقِ.
ثم قالتْ: "فإنِّي سمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: "مِن أصْحابي مَن لا أَراه ولا يَراني بعدَ أنْ أموتَ أبدًا"، ولعلَّ المُرادَ أنَّ منهم مَن يَتغيَّرُ حالُه بعدَ موتِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتى يقَعَ في الشرِّ الذي يَمنَعُه عن رُؤيةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعدَ مَوتِه أبدًا، ولا يَرِدُ عليه يومَ القيامةِ فيَراه، ومن ضِمنِ هذا الشرِّ إمْساكُ المالِ وعَدمُ إنْفاقِه، وقد حذَّرَ منه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ومن عَواقبِه كما في صحيحِ مُسلمٍ، فقال: "واتَّقوا الشُّحَّ، فإنَّ الشُحَّ أهلَكَ مَن كان قَبلَكم، حمَلَهم على أنْ سَفَكوا دِماءَهم واستَحَلُّوا مَحارمَهم"، فشُحُّ النفْسِ يَحمِلُ على كلِّ ما يُهلِكُ صاحبَه منَ القَتلِ، والسرقةِ، والزِّنى، والكَذِبِ، والخِيانةِ، وخُلفِ الوَعدِ، وإضاعةِ الأمانةِ، ويَجعَلُ الرجُلَ يقَعُ في الكبائرِ التي تورِدُ صاحبَها النارَ، وهو ما يَمنَعُ منَ الوُرودِ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومَ القِيامةِ.
"قال: فبلَغَ ذلك عُمَرَ"، أي: علِمَ بالحَديثِ وأثَرِه، "فأَتاها يَشتَدُّ، أو يُسرِعُ -شكَّ شاذانُ-" وهو أسوَدُ بنُ عامرٍ، أحَدُ رُواةِ الحَديثِ، قال عُمَرُ لأمِّ سَلَمةَ رضِيَ اللهُ عنهما: "أَنشُدُكِ باللهِ أنا منهم؟"، يعني أَقسَمَ عليها أنْ تُخبِرَه إنْ كان عُمَرُ منهم؟ فقالتْ أُمُّ سَلَمةَ رضِيَ اللهُ عنهما: "لا، ولنْ أُبَرِّئَ بعدَكَ أحدًا أبدًا"؛ مِن التَّبرئةِ، ومعنى "بعْدَك"، أي: بعد سُؤالِكَ؛ فلنْ أذْكُرَ بَراءةَ أحدٍ ممَّنْ يَسأَلُني عن هذا، تُريدُ أنَّ مِثلَكَ إذا كان في شَكٍّ من أمْرِه حتى جاء يَسأَلُني، فمَنِ الذي يَستحِقُّ أنْ يُبرَّأَ ويُنزَّهَ عنِ السُّوءِ، ويُشهَدَ له بالخيرِ؛ فإنَّه لو كان أحدٌ كذلك لكُنْتَ أنتَ وأمثالُكَ أحقَّ بذلك.
وفي الحديثِ: الحضُّ على الإنفاقِ والبَذلِ في سَبيلِ اللهِ.
وفيه: فَضيلةٌ ظاهرةٌ لعُمرَ رضِيَ اللهُ عنه .
[مسند أحمد] (44/ 172 ط الرسالة) ((26549- حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبي وائل، عن مسروق، عن أم سلمة ، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من أصحابي من لا أراه ولا يراني بعد أن أموت أبدا)).
قال: فبلغ ذلك عمر، قال: فأتاها يشتد، أو يسرع- شك شاذان- قال لها: أنشدك بالله أنا منهم؟ قالت: لا، ولن أبرئ بعدك أحدا أبدا)).
[مسند أبي يعلى] (12/ 436 ت حسين أسد) 7003- حدثنا أبو خيثمة، حدثنا محمد بن خازم، عن الأعمش، عن شقيق، عن أم سلمة ، دخل عليها عبد الرحمن بن عوف فقال: يا أمه قد خفت أن يهلكني كثرة مالي، أنا أكثر قريش مالا، قالت: يا بني أنفق، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن من أصحابي من لم يرني بعد أن أفارقه)) فخرج عبد الرحمن فلقي عمر فأخبره بالذي قالت أم سلمة، فجاء عمر فدخل عليها فقال: بالله منهم أنا؟ قالت: لا، ولن أبرئ أحدا بعدك.
[المعجم الكبير – للطبراني]- دار إحياء التراث (23/ 317) 719- حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبي وائل، عن مسروق، عن أم سلمة ، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أصحابي من لا يراني بعد أن أموت أبدا، فجاء عمر فدخل عليها فقال: أنشدك الله أنا منهم؟ قالت: لا ولا أزكي أحدا بعدك أبدا، فبكى عمر رضي الله عنه.