أنَّ قَومًا من أهلِ مِصرَ أتَوْا عُمَرَ بنَ الخطَّابِ، فقالوا: إنَّا قد أصَبْنا كُراعًا ورَقيقًا، وإنَّا نُحِبُّ أنْ نُزَكِّيَه، قال: ما فعَلَه صاحِبايَ قَبْلي، ولا أفعَلُه حتى أستَشيرَ؛ فشاوَرَ أصحابَ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالوا: حَسَنٌ، وسكَتَ علِيٌّ، فقال: ألَا تكَلَّمُ يا أبا الحَسَنِ؟ فقال: قد أشاروا عليكَ وهو حَسَنٌ إنْ لم يكنْ جِزْيةً راتِبةً يُؤخَذونَ بها بَعدَكَ، قال: فأخَذَ منَ الرَّقيقِ عَشَرةَ دَراهِمَ، ورزَقَهُم جَريبَينِ من بُرٍّ كُلَّ شَهرٍ، وأخَذَ منَ الفَرَسِ عَشَرةَ دَراهِمَ، ورزَقَه عَشَرةَ أجْرِبةٍ من شَعيرٍ كُلَّ شَهرٍ، وأخَذَ منَ المَقاريفِ ثَمانيةَ دَراهِمَ، ورزَقَها ثَمانيةَ أجْرِبةٍ من شَعيرٍ كُلَّ شَهرٍ، وأخَذَ منَ البَراذينِ خَمسةَ دَراهِمَ، ورزَقَها خَمسةَ أجْرِبةٍ من شَعيرٍ كُلَّ شَهرٍ.

الدلالات الموضوعية:# زكاة - زكاة الخيل والرقيق# رقائق وزهد - ما جاء في بذل النصح والمشورة# خلافة وإمامة - ما جاء في عمر بن الخطاب# زكاة - ما تجب فيه الزكاة# خيل - أحكام الخيل
المصدر: تخريج سنن الدارقطني
الراوي: حارثة بن مضرب
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه الدارقطني (2020) واللفظ له، والطحاوي في ((معاني الآثار)) (3045) باختلاف يسير، وأحمد (82) بنحوه.

الشرح والتوضيح

في هذا الحَديثِ يَرْوي التَّابعيُّ حارِثةُ بنُ مُضرِّبٍ: "أنَّ قَومًا من أهْلِ مِصْرَ أتَوْا عُمَرَ بنَ الخطَّابِ"، وكانَ حِينئذٍ خَليفةَ المُسلِمينَ، "فقالوا: إنَّا قد أصَبْنا كُراعًا ورَقيقًا"، والكُراعُ اسْمٌ يُطلَقُ على جَميعِ الخَيلِ، والرَّقيقُ هُم العَبيدُ المَمْلوكونَ لِغَيرِهِم، والمَعْنى أنَّهم اشْتَرَوْا هذه الأشياءَ للتِّجارةِ، قالوا: "وإنَّا نُحِبُّ أنْ نُزكِّيَهُ" نُطهِّرُهُ بإخْراجِ الزَّكاةِ منه، ولعلَّهم تأوَّلُوا عُمومَ قَولِهِ تَعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] "قال: ما فَعَلَهُ صاحِبايَ قَبْلي، ولا أفعَلُهُ حتى أستَشيرَ"، يَعني: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَفا عن الزَّكاةِ في الخَيلِ والرَّقيقِ، وسارَ أبو بَكرٍ على ذلِكَ -وقد أجمَعَ العُلَماءُ على أنْ لا زَكاةَ على أحَدٍ في رَقيقِهِ إلَّا أنْ يكونَ اشْتَراهُم للتِّجارةِ، فإنِ اشْتَراهُم للقُنْيةِ، فلا زكاةَ في شَيءٍ منهم- "فشاوَرَ أصْحابَ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" ممَّن كانوا مَوْجودينَ عِندَه في المدينةِ المُنوَّرةِ "فقالوا: حَسَنٌ"، أي: إنَّ أخْذَك الصَّدَقةِ منهم شَيءٌ حَسَنٌ تَطهُرُ بها أمْوالُهُم، "وسَكَتَ علِيٌّ" لم يَتكلَّمْ، ولم يُدلِ برَأيِهِ، فقالَ له عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه: "ألَا تَكلَّمُ يا أبا الحَسَنِ؟" تُدْلي برَأيِكَ ومَشورَتِكَ؟ فقال علِيٌّ رضِيَ اللهُ عنه: "قد أشاروا عليكَ وهو حَسَنٌ، إنْ لم يكُنْ جِزْيةً راتِبةً يُؤخَذونَ بها بَعدَك"، وهذه مُوافَقةٌ منه على ما قاله جَمعُ الصَّحابةِ، ولكِنَّه أضافَ حِرْزًا، وهو أنْ يُبيِّنَ عُمَرُ أنَّ هذا من بابِ التَّطوُّعِ غَيرِ المُلزِمِ حتى لا يَفرِضَهُ عليهم الوُلاةُ بعدَ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه، "قالَ: فأخَذَ مِنَ الرَّقيقِ عَشَرةَ دَراهِمَ" على كُلِّ رَأسٍ "ورزَقَهُم جَريبَينِ من بُرٍّ كُلَّ شَهرٍ"، والجَريبُ من الطَّعامِ والأرْضِ مِقْدارٌ مَعْلومٌ من الطَّعامِ، وهو يُساوي بالمَكايِيلِ الحَديثةِ 97.92 كيلو جِرامًا، أو 156 كيلو جِرامًا على اختِلافِ التَّقْديرِ بيْنَ المَذاهِبِ.

"وأخَذَ مِنَ الفَرَسِ عَشَرةَ دَراهِمَ"، والفَرَسُ مَقْصودٌ بها ما كان أصيلًا من الخَيلِ العَرَبيِّ، "ورزَقَهُ عَشَرةَ أجْرِبةٍ من شَعيرٍ كُلَّ شَهرٍ" لِعَلَفِهم وطَعامِهِم "وأخَذَ من المَقاريفِ ثَمانيةَ دَراهِمَ"، والمَقاريفُ جَمعُ مُقرِفٍ، وهو الهَجينُ الَّذي أُمُّه عَرَبيَّةٌ، وأبوه ليس كذلِكَ؛ وهو من الخَيلِ دُونَ الجَوادِ والفَرَسِ "ورزَقَها ثَمانيةَ أجْرِبةٍ من شَعيرٍ كُلَّ شَهرٍ، وأخَذَ من البَراذِينِ خَمْسةَ دَراهِمَ" والبَراذينُ جَمعُ البِرْذَوْنِ، ويُطلَقُ على غَيرِ العَرَبيِّ من الخَيلِ والبِغالِ، وهو عَظيمُ الخِلْقةِ، غَليظُ الأعْضاءِ، قَويُّ الأرجُلِ، عَظيمُ الحَوافِرِ "ورزَقَها خَمْسةَ أجْرِبةٍ من شَعيرٍ كُلَّ شَهرٍ"، فيكونُ بذلِكَ قد صنَّفَ هذه الحَيَواناتِ بحسَبِ أصْلِها وقُوَّتِها وقيمَتِها ونَفعِها في الحَربِ وغَيرِهِ، وحدَّدَ قيمةَ ما يُؤخَذُ عليها من صَدَقاتِ التَّطوُّعِ، وحدَّدَ ما يُعْطى لها من بَيتِ مالِ المُسلِمينَ.

وفي الحَديثِ: بَيانُ ما كان عليه الصَّحابةُ رِضْوانُ اللهِ عليهم من التِزامٍ بالسُّنَّةِ النَّبويَّةِ وعَدَمِ الحَيدِ عنها.

وفيه: أنَّ للإمامِ أنْ يُقرِّرَ ما فيه مَصْلَحةٌ للنَّاسِ بما لا يَتَعارَضُ مع النُّصوصِ الصَّحيحةِ.

وفيه: بَيانُ ما كان عليه أصْحابُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من الأخْذِ بالشُّورى والاهتِمامِ بها .

الأصول والأحكام

سنن الدارقطني (3/ 36) 2020 - حدثنا محمد بن المعلى الشونيزي , ثنا محمد بن عبد الله المخرمي , ثنا يحيى بن آدم , ثنا إسرائيل , عن أبي إسحاق , عن حارثة بن مضرب , أن قوما من أهل مصر أتوا عمر بن الخطاب , فقالوا: إنا قد أصبنا كراعا ورقيقا وإنا نحب أن نزكيه , قال: ما فعله صاحباي قبلي ولا أفعله حتى أستشير فشاور أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم , فقالوا: أحسن، وسكت علي , فقال: ألا تكلم يا أبا الحسن؟ , فقال: " قد أشاروا عليك وهو حسن إن لم يكن جزية راتبة يؤخذون بها بعدك , قال: فأخذ من الرقيق عشرة دراهم ورزقهم جريبين من بر كل شهر , وأخذ من الفرس عشرة دراهم ورزقه عشرة أجربة من شعير كل شهر , وأخذ من المقاريف ثمانية دراهم ورزقها ثمانية أجربة من شعير كل شهر , وأخذ من البراذين خمسة دراهم ورزقها خمسة أجربة من شعير كل شهر ".

قال أبو إسحاق: فلقد رأيتها جزية تؤخذ من أعطياتنا زمان الحجاج وما نرزق عليها.

قال الشيخ: المقرف من الخيل: دون الجواد

شرح معاني الآثار (2/ 27) 3045 - حدثنا فهد , قال: ثنا محمد بن القاسم المعروف بسحيم الحراني , قال: ثنا زهير بن معاوية , قال: ثنا أبو إسحاق , عن حارثة بن مضرب , قال: حججت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنهما , فأتاه أشراف من أشراف أهل الشام، فقالوا: يا أمير المؤمنين , إنا قد أصبنا دواب وأموالا , فخذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها , وتكون لنا زكاة.

فقال: هذا شيء لم يفعله اللذان كانا قبلي , ولكن انتظروا حتى أسأل المسلمين , فسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , فيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقالوا: حسن , وعلي رضي الله عنه ساكت لم يتكلم معهم.

فقال: ما لك يا أبا الحسن لا تتكلم قال: قد أشاروا عليك , ولا بأس بما قالوا , إن لم يكن أمرا واجبا ولا جزية راتبة يؤخذون بها.

قال: فأخذ من كل عبد عشرة , ومن كل فرس عشرة , ومن كل هجين ثمانية , ومن كل برذون أو بغل , خمسة دراهم في السنة , ورزقهم كل شهر , وللفرس عشرة دراهم , والهجين ثمانية , والبغل خمسة خمسة , والمملوك جريبين كل شهر

فدل هذا الحديث على أن ما أخذ منهم عمر رضي الله عنه من أجله , ما كان أخذ منهم في ذلك , أنه لم يكن زكاة ولكنها صدقة غير زكاة.

وقد قال لهم عمر رضي الله عنه إن هذا لم يفعله اللذان كانا قبلي , يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه.

فدل ذلك على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه لم يأخذا , مما كان بحضرتهما , من الخيل صدقة , ولم ينكر على عمر ما قال من ذلك , أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ودل قول علي لعمر رضي الله عنهما: قد أشاروا عليك , إن لم يكن جزية راتبة , وخراجا واجبا ".

وقبول عمر ذلك منه , أن عمر إنما كان أخذ منهم بسؤالهم إياه أن يأخذ منهم , فيصرفه في الصدقات , وأن لهم منع ذلك منه , متى أحبوا , ثم سلك عمر بالعبيد أيضا في ذلك , مسلك الخيل , ولم يكن ذلك بدليل على أن العبيد الذين لغير التجارة , يجب فيهم صدقة وإنما كان ذلك على التبرع من مواليهم بإعطاء ذلك

[مسند أحمد] (1/ 244) 82 - حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة، قال: جاء ناس من أهل الشام إلى عمر فقالوا: إنا قد أصبنا أموالا وخيلا ورقيقا نحب أن يكون لنا فيها زكاة وطهور، قال: ما فعله صاحباي قبلي فأفعله.

واستشار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وفيهم علي فقال علي : هو حسن، إن لم يكن جزية راتبة يؤخذون بها من بعدك

أحاديث ذات صلة