- عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ رحمه اللهُ، قال: دخلتُ مسجدَ دِمَشْقَ، فإذا فتًى برَّاقُ الثنايا ، وإذا الناسُ معه، فإذا اختلَفوا في شيءٍ أسندوه إليه، وصدَروا عن رأيِه؛ فسألتُ عنه، فقيل: هو معاذُ بنُ جبلٍ رَضِيَ اللهُ عنه، فلمَّا كان مِنَ الغَدِ هجَّرْتُ ، فوجدتُه قد سبَقَني بالتَّهجيرِ، ووجدتُه يُصلِّي، فانتظرتُه حتَّى قضى صلاتَه، ثم جئتُه من وجهِه، فسلَّمْتُ عليه، ثم قلتُ: والله، إني لَأُحِبُّكَ، فقال: آللهِ، فقلتُ: اللهِ، فقال: آللهِ، فقلتُ: اللهِ؛ فأخذني بحَبْوَةِ ردائي، فجَبَذَني إليه، فقال: أَبْشِرْ ؛ فإنِّي سمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: قال اللهُ تعالى: وجبَتْ محبَّتي للمتحابِّينَ فيَّ، والمتجالِسينَ فيَّ، والمتزاوِرينَ فيَّ، والمتباذِلين فيَّ .
أخرجه أحمد (22030)، ومالك في ((الموطأ)) (2/953)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (3890) باختلاف يسير.
دَخَلتُ مسجدَ دِمَشقَ بالشَّامِ، فإذا أنا بفَتًى بَرَّاقِ الثَّنايا، وإذا النَّاسُ حَولَه، إذا اختلَفوا في شيءٍ أسنَدوه إليه، وصَدَروا عن رَأيِه، فسَأَلتُ عنه، فقيلَ: هذا مُعاذُ بنُ جَبلٍ، فلمَّا كان الغَدُ هَجَّرتُ، فوَجَدتُه قد سَبَقَني بالهَجيرِ -وقال إسحاقُ: بالتَّهجيرِ- ووَجَدتُه يُصلِّي، فانتَظَرتُه حتى إذا قَضى صَلاتَه جِئتُه مِن قِبلِ وَجهِه، فسَلَّمتُ عليه فقُلتُ له: واللهِ إنِّي لأُحِبُّكَ للهِ، فقال: آللهِ؟ فقُلتُ: آللهِ، فقال: آللهِ؟ فقُلتُ: آللهِ، فأخَذَ بحُبْوةِ رِدائي فجَبَذَني إليه وقال: أبشِرْ؛ فإنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: قال اللهُ عزَّ وجلَّ: وَجَبَتْ مَحبَّتي للمُتحابِّينَ فيَّ، والمُتجالِسينَ فيَّ، والمُتزاوِرينَ فيَّ، والمُتباذِلينَ فيَّ.
الراوي : معاذ بن جبل المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج المسند لشعيب الصفحة أو الرقم: 22030 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه أحمد (22030) واللفظ له، ومالك (2/953)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (3890) مِن الصِّفاتِ العَظيمةِ الَّتي تُرضِي اللهَ المحبَّةُ فيه، والمحبَّةُ في اللهِ تَكونُ خالِصةً مِن الأغْراضِ الدُّنيَويَّةِ، فهي تَكونُ لِوَجهِ اللهِ تَعالى.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ التَّابعيُّ أبو إدْريسَ الخَوْلانيُّ: "دَخَلتُ مَسجِدَ دِمَشْقَ بالشَّامِ" يُقصَدُ بها البِلادُ المَعْروفةُ الآنَ، وهي الَّتي تقَعُ إلى الشَّمالِ مِن الجزيرةِ العربيَّةِ، وتضمُّ سُوريَةَ والأُرْدُنَّ وفِلَسطينَ ولُبنانَ.
ودِمَشقُ المَذْكورةُ تقَعُ بالأراضي السُّوريَّةِ، "فإذا أنا بفَتًى برَّاقِ الثَّنايا" شَديدِ أبيَضِ الثَّغْرِ، وقيلَ مَعْناهُ: كَثيرُ التَّبسُّمِ، طَلْقُ الوَجهِ، وإذا النَّاسُ حَولَهُ، إذا اختَلَفوا في شَيءٍ أسنَدوهُ إليه" يَرجِعونَ لِرَأيِهِ ومَشورَتِهِ، "وصَدَروا عن رَأيِهِ" رَجَعوا عن خِلافِهِم، واتَّبَعوا رَأيَهُ، "فسَأَلتُ عنه" يَستَعلِمُ مَن هو؟"فقيلَ: هذا مُعاذُ بنُ جَبَلٍ، فلمَّا كان الغَدُ هجَّرتُ، فوَجَدتُهُ قد سَبَقَني بالهَجيرِ -وقال إسْحاقُ: بالتَّهْجيرِ-"، ومَعْنى ذلِكَ أنَّه وَقتٌ يَبعُدُ عن صَلاةِ فَرضٍ قَبلَهُ، ووَقتُ نَومِ النَّاسِ غالِبًا؛ فالمُرادُ بالهَجيرِ: التَّبكيرُ إلى الصَّلاةِ أيَّ صَلاةٍ كانت، "ووَجَدتُهُ يُصلِّي" نَفْلًا، "فانتَظَرتُهُ حتى إذا قَضى صَلاتَهُ جِئتُهُ من قِبَلِ وَجهِهِ" من أمامِهِ، "فسَلَّمتُ عليه؛ فقُلتُ له: واللهِ إنِّي لأُحِبُّكَ للهِ، فقالَ: آللهِ؟فقُلتُ: آللهِ، فقالَ: آللهِ؟ فقُلتُ: آللهِ" كُلُّ هذا يَتحقَّقُ مُعاذٌ رضِيَ اللهُ عنه ويتأكَّدُ من قَولِهِ، وأنَّ حُبَّه له إنَّما هو للهِ، فأخَذَ بحَبْوةِ رِدائي فجَبَذني إليه" شدَّهُ نَحوَهُ من وَسَطِ ثَوبِهِ ومَعقِدِهِ، "وقال: أبْشِرْ؛ فإنِّي سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: وَجَبَتْ مَحَبَّتي" حقَّتْ مَحَبَّةُ اللهِ "للمُتَحابِّينَ فيَّ"، وهُم الَّذين كانتْ قُلوبُهم مُجتمِعةً على المَحبَّةِ في إجْلالِ اللهِ وتَعْظيمِهِ، فلا يُحِبُّون إلَّا ما يُحِبُّه اللهُ، ويُبغِضونَ ما يُبغِضُهُ اللهُ، "والمُتَجالِسينَ فيَّ"، وهُم الَّذين اجتَمَعوا على ذِكْرِهِ وعِبادَتِهِ، "والمُتَزاوِرينَ فيَّ"، وهُم الَّذين يَزورُ بعضُهُم بَعضًا لِصِلةِ رَحِمٍ وعِيادةِ مَريضٍ ونَحوِهِ، زيارةً خالِصةً لِوَجهِ اللهِ"والمُتَباذِلينَ فيَّ" وهُم الَّذين بَذَلوا أنفُسَهم، وأنْفَقوا أمْوالَهم فيما أمَرَ اللهُ عزَّ وجلَّ وحَضَّ عليه؛ فكلُّ هؤلاءِ ثَبَتَتْ لهم مَحَبَّةُ اللهِ عزَّ وجلَّ.
وفي الحَديثِ: بيانُ صِفةِ مُعاذِ بنِ جَبلٍ رضِيَ اللهُ عنه وبيانُ عِلمِه وفَضْلِه ورُجوعِ الناسِ إليه فيما اختَلفوا فيه.
وفيه: الحَثُّ على التَّحابِّ والتَّزاوُرِ وبَذْلِ النَّفْسِ والمالِ للهِ عزَّ وجلَّ.
وفيه: البشاشةُ عِندَ اللِّقاءِ، والتبشيرُ بالخَيرِ وفضائِلِ الأعمالِ( ).
[مسند أحمد] (36/ 359 ط الرسالة) ((22030- حدثنا روح، حدثنا مالك، وإسحاق- يعني: ابن عيسى-، أخبرني مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن أبي إدريس الخولاني قال: دخلت مسجد دمشق بالشام، فإذا أنا بفتى براق الثنايا، وإذا الناس حوله إذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه، وصدروا عن رأيه، فسألت عنه فقيل: هذا معاذ بن جبل .
فلما كان الغد هجرت، فوجدته قد سبقني بالهجير- وقال إسحاق: بالتهجير- ووجدته يصلي، فانتظرته حتى إذا قضى صلاته جئته من قبل وجهه، فسلمت عليه، فقلت له: والله إني لأحبك لله.
فقال: آلله؟ فقلت: آلله.
فقال: آلله؟ فقلت: آلله.
فأخذ بحبوة ردائي، فجبذني إليه، وقال: أبشر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( قال الله عز وجل: وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في)).
[موطأ مالك- رواية يحيى] (2/ 953 ) ((16- وحدثني عن مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن أبي إدريس الخولاني، أنه قال: دخلت مسجد دمشق فإذا فتى شاب براق الثنايا، وإذا الناس معه إذا اختلفوا في شيء أسندوا إليه، وصدروا عن قوله، فسألت عنه، فقيل هذا معاذ بن جبل ، فلما كان الغد هجرت فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجدته يصلي، قال: فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قبل وجهه، فسلمت عليه، ثم قلت: والله إني لأحبك لله، فقال: أالله؟ فقلت: أالله، فقال: أالله؟ فقلت: أالله، فقال: أالله؟ فقلت: أالله.
قال: فأخذ بحبوة ردائي فجبذني إليه، وقال: أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في)).
[شرح مشكل الآثار] (10/ 33) ((3890- حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن أبي حازم بن دينار، عن أبي إدريس الخولاني أنه قال: دخلت مسجد دمشق فإذا فتى براق الثنايا، وإذا الناس معه إذا اختلفوا في شيء، أسندوا إليه، وصدروا عن رأيه، فسألت عنه؟ فقيل: هذا معاذ بن جبل ، فلما كان الغد هجرت، فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجدته يصلي، فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قبل وجهه، فسلمت عليه، ثم قلت: والله إني لأحبك لله عز وجل، فقال: آلله؟ فقلت: والله، فقال: آلله؟ فقلت: والله، فأخذ بحبوة ردائي، فجبذني إليه، وقال: أبشر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( قال الله:)) وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في (()).
[شرح مشكل الآثار] (10/ 37)
((3895- وحدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، قال: سمعت الوليد بن عبد الرحمن، يحدث عن أبي إدريس العائذي، قال: ذكرت لعبادة بن الصامت حديث معاذ بن جبل في المتحابين، فقال: لا أحدثكم إلا ما سمعت على لسان محمد صلى الله عليه وسلم:)) حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتصافين في، أو المتلاقين في (( قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديث في إسناده، فوجدنا فيه ذكر لقاء أبي إدريس معاذ بن جبل، وسماعه منه بما ذكر من سماعه إياه منه في هذا الحديث، وقد وجدنا عنه ما قد ظن بعض الناس أنه قد خالف ذلك، ودفع أن يكون أبو إدريس لقي معاذا وهو ما قد حدثنا يونس، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، قال:)) أدركت عبادة بن الصامت ووعيت عنه، وأدركت شداد بن أوس، ووعيت عنه، وعد نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفاتني معاذ، فأخبرت أنه كان لا يجلس مجلسا إلا قال: الله عز وجل حكم قسط، تبارك اسمه، هلك المرتابون (( وما قد حدثنا عبيد بن رجال، قال: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، ثم ذكر بإسناده مثله، غير أنه قال:)) وفاتني معاذ بن جبل، فحدثني يزيد بن عميرة عنه، ثم ذكر بقية الحديث.
قال أبو جعفر: فكان ما توهم من حكينا عنه ما حكينا من دفعه لقاء أبي إدريس معاذا بما في هذا الحديث لا يوجب ما توهم من ذلك؛ لأن هذا الحديث إخبار أبي إدريس بلقائه عبادة ووعيه عنه، ولقائه شداد بن أوس ووعيه عنه، ثم قال: وفاتني معاذ، فاحتمل أن يكون أراد بقوله: فاتني، أي: فاتني أن أعي كما وعيت عن اللذين ذكرهما قبله، لا أنه لم يلقه، وكيف يجوز أن يظن ذلك به مع عدله رحمه الله في نفسه، ومع ضبطه في روايته، ومع جلالة من حدث بذلك عنه، وهم أبو حازم بن دينار، وعطاء بن عبد الله الخراساني، ويونس بن ميسرة بن حلبس، والوليد بن عبد الرحمن، وهؤلاء جميعا أئمة مقبولة روايتهم غير مدفوعين عن العدل فيها، والضبط لها، والثبت فيها، وإنه ليجب علينا أن نحمل رواية من هذه سبيله على ما ينفي عنها التضاد، ما وجدنا إلى ذلك سبيلا ثم تأملنا متن هذا الحديث، فوجدناه مما قد جاء على ضربين، أحدهما: (( وجبت محبتي)) والآخر: (( حقت محبتي)) فأما (( وجبت محبتي)) فقد يكون ذلك الوجوب، وهناك وجوب آخر من المحبة هو أعلى منه، وفي مرتبة فوق مرتبته من المحبة كما يقول الرجل: أنا أحب فلانا لرجل يقصد بذلك إليه، ثم يقول بعد ذلك، وأنا أحب فلانا لرجل غيره محبة فوق تلك المحبة، فمثل ذلك قوله عز وجل: (( وجبت محبتي)) للذين ذكرهم لا يمنع ذلك أن تكون محبته تجب لغيرهم وجوبا فوق ذلك الوجوب، وفي مرتبة أعلى من مرتبته وأما (( حقت محبتي)) فعلى فوق ذلك، وهو أعلى مراتب الوجوب، وقد بين ذلك عبادة بن الصامت لأبي إدريس لما حدثه عن معاذ بن جبل بما حدثه به، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الله عز وجل: (( وجبت محبتي))، بقوله له: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو أفضل منه، سمعته يأثر عن الله عز وجل: (( حقت محبتي)) فعقلنا بذلك أن الذي حدثه عبادة مما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم فوق الذي حدثه به أبو إدريس عن معاذ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ومما يحقق ذلك أنا وجدنا الرجل يقول: فلان عالم، فيوجب له العلم، وقد يكون في العلماء من مرتبته فيه فوق مرتبته فيه، ويقول: فلان عالم حقا، فيرفعه بذلك إلى أعلى مراتب العلم، فمثل ذلك: (( حقت محبتي)) على الرفعة لمن حقت له إلى أعلى مراتب محبته ومثل ذلك ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قد رويناه فيما تقدم منا في كتابنا هذا من قوله لأهل نجران لما سألوه أن يبعث معهم رجلا أمينا، فقال: (( لأبعثن معكم رجلا أمينا، حق أمين، حق أمين)) فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح وكان ذلك إخبارا منه إياهم أنه قد بعث معهم من هو في أعلى مراتب الأمانة، ثم وكد ذلك بقوله: (( لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)) وقد ذكرنا ذلك أيضا بأسانيده فيما تقدم منا في كتابنا هذا، والله نسأله التوفيق)).