- دَخَلتُ مسجدَ حِمصَ فإذا فيه نحوٌ مِن ثلاثينَ كَهلًا مِن أصحابِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فإذا فيهم شابٌّ أكحلُ العَينَينِ، بَرَّاقُ الثَّنايا ، ساكتٌ، فإذا امتَرى القَومُ في شيءٍ أقبَلوا عليه فسَأَلوه، فقُلتُ لجَليسٍ لي: مَن هذا؟ قال: هذا مُعاذُ بنُ جَبلٍ، فوَقَعَ له في نَفْسي حُبٌّ، فكنتُ معهم حتى تَفرَّقوا، ثُمَّ هَجَّرتُ إلى المسجدِ، فإذا مُعاذُ بنُ جَبلٍ قائمٌ يُصلِّي إلى ساريةٍ، فسَكَتَ لا يُكلِّمُني فصَلَّيتُ، ثُمَّ جَلَستُ فاحتَبَيتُ برِدائي، ثُمَّ جَلَسَ فسَكَتَ لا يُكلِّمُني، وسَكَتُّ لا أُكلِّمُه، ثُمَّ قُلتُ: واللهِ إنِّي لأُحِبُّكَ، قال: فيمَ تُحِبُّني؟ قال: قُلتُ: في اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فأخَذَ بحُبوَتي فجَرَّني إليه هُنيَّةً، ثُمَّ قال: أبشِرْ إنْ كنتَ صادقًا؛ سَمِعتُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: المُتحابُّونَ في جَلالي لهم مَنابرُ مِن نورٍ يَغبِطُهم النَّبيُّونَ والشُّهَداءُ، قال: فخَرَجتُ فلَقيتُ عُبادةَ بنَ الصَّامتِ فقُلتُ: يا أبا الوَليدِ، ألَا أُحدِّثُكَ بما حَدَّثَني مُعاذُ بنُ جَبلٍ في المُتحابِّينَ؟ قال: فأنا أُحدِّثُكَ عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَرفَعُه إلى الرَّبِّ عزَّ وجلَّ، قال: حَقَّتْ مَحبَّتي للمُتحابِّينَ فيَّ، وحَقَّتْ مَحبَّتي للمُتزاوِرينَ فيَّ، وحَقَّتْ مَحبَّتي للمُتباذِلينَ فيَّ، وحَقَّتْ مَحبَّتي للمُتواصِلينَ فيَّ.

الدلالات الموضوعية:# صدقة - الحث على المعروف وإعانة الملهوف وإغاثته# رقائق وزهد - الحب في الله# مناقب وفضائل - معاذ بن جبل# إيمان - الحب في الله والبغض فيه من الإيمان# إيمان - كلام الله
المصدر: تخريج المسند لشعيب
الراوي: معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه الترمذي (2390) مختصراً، وأحمد (22080) واللفظ له

الشرح والتوضيح

دَخَلتُ مسجدَ دِمَشقَ بالشَّامِ، فإذا أنا بفَتًى بَرَّاقِ الثَّنايا، وإذا النَّاسُ حَولَه، إذا اختلَفوا في شيءٍ أسنَدوه إليه، وصَدَروا عن رَأيِه، فسَأَلتُ عنه، فقيلَ: هذا مُعاذُ بنُ جَبلٍ، فلمَّا كان الغَدُ هَجَّرتُ، فوَجَدتُه قد سَبَقَني بالهَجيرِ -وقال إسحاقُ: بالتَّهجيرِ- ووَجَدتُه يُصلِّي، فانتَظَرتُه حتى إذا قَضى صَلاتَه جِئتُه مِن قِبلِ وَجهِه، فسَلَّمتُ عليه فقُلتُ له: واللهِ إنِّي لأُحِبُّكَ للهِ، فقال: آللهِ؟ فقُلتُ: آللهِ، فقال: آللهِ؟ فقُلتُ: آللهِ، فأخَذَ بحُبْوةِ رِدائي فجَبَذَني إليه وقال: أبشِرْ؛ فإنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: قال اللهُ عزَّ وجلَّ: وَجَبَتْ مَحبَّتي للمُتحابِّينَ فيَّ، والمُتجالِسينَ فيَّ، والمُتزاوِرينَ فيَّ، والمُتباذِلينَ فيَّ.

الراوي : معاذ بن جبل المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج المسند لشعيب الصفحة أو الرقم: 22030 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه أحمد (22030) واللفظ له، ومالك (2/953)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (3890) مِن الصِّفاتِ العَظيمةِ الَّتي تُرضِي اللهَ المحبَّةُ فيه، والمحبَّةُ في اللهِ تَكونُ خالِصةً مِن الأغْراضِ الدُّنيَويَّةِ، فهي تَكونُ لِوَجهِ اللهِ تَعالى.

وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ التَّابعيُّ أبو إدْريسَ الخَوْلانيُّ: "دَخَلتُ مَسجِدَ دِمَشْقَ بالشَّامِ" يُقصَدُ بها البِلادُ المَعْروفةُ الآنَ، وهي الَّتي تقَعُ إلى الشَّمالِ مِن الجزيرةِ العربيَّةِ، وتضمُّ سُوريَةَ والأُرْدُنَّ وفِلَسطينَ ولُبنانَ.

ودِمَشقُ المَذْكورةُ تقَعُ بالأراضي السُّوريَّةِ، "فإذا أنا بفَتًى برَّاقِ الثَّنايا" شَديدِ أبيَضِ الثَّغْرِ، وقيلَ مَعْناهُ: كَثيرُ التَّبسُّمِ، طَلْقُ الوَجهِ، وإذا النَّاسُ حَولَهُ، إذا اختَلَفوا في شَيءٍ أسنَدوهُ إليه" يَرجِعونَ لِرَأيِهِ ومَشورَتِهِ، "وصَدَروا عن رَأيِهِ" رَجَعوا عن خِلافِهِم، واتَّبَعوا رَأيَهُ، "فسَأَلتُ عنه" يَستَعلِمُ مَن هو؟"فقيلَ: هذا مُعاذُ بنُ جَبَلٍ، فلمَّا كان الغَدُ هجَّرتُ، فوَجَدتُهُ قد سَبَقَني بالهَجيرِ -وقال إسْحاقُ: بالتَّهْجيرِ-"، ومَعْنى ذلِكَ أنَّه وَقتٌ يَبعُدُ عن صَلاةِ فَرضٍ قَبلَهُ، ووَقتُ نَومِ النَّاسِ غالِبًا؛ فالمُرادُ بالهَجيرِ: التَّبكيرُ إلى الصَّلاةِ أيَّ صَلاةٍ كانت، "ووَجَدتُهُ يُصلِّي" نَفْلًا، "فانتَظَرتُهُ حتى إذا قَضى صَلاتَهُ جِئتُهُ من قِبَلِ وَجهِهِ" من أمامِهِ، "فسَلَّمتُ عليه؛ فقُلتُ له: واللهِ إنِّي لأُحِبُّكَ للهِ، فقالَ: آللهِ؟فقُلتُ: آللهِ، فقالَ: آللهِ؟ فقُلتُ: آللهِ" كُلُّ هذا يَتحقَّقُ مُعاذٌ رضِيَ اللهُ عنه ويتأكَّدُ من قَولِهِ، وأنَّ حُبَّه له إنَّما هو للهِ، فأخَذَ بحَبْوةِ رِدائي فجَبَذني إليه" شدَّهُ نَحوَهُ من وَسَطِ ثَوبِهِ ومَعقِدِهِ، "وقال: أبْشِرْ؛ فإنِّي سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: وَجَبَتْ مَحَبَّتي" حقَّتْ مَحَبَّةُ اللهِ "للمُتَحابِّينَ فيَّ"، وهُم الَّذين كانتْ قُلوبُهم مُجتمِعةً على المَحبَّةِ في إجْلالِ اللهِ وتَعْظيمِهِ، فلا يُحِبُّون إلَّا ما يُحِبُّه اللهُ، ويُبغِضونَ ما يُبغِضُهُ اللهُ، "والمُتَجالِسينَ فيَّ"، وهُم الَّذين اجتَمَعوا على ذِكْرِهِ وعِبادَتِهِ، "والمُتَزاوِرينَ فيَّ"، وهُم الَّذين يَزورُ بعضُهُم بَعضًا لِصِلةِ رَحِمٍ وعِيادةِ مَريضٍ ونَحوِهِ، زيارةً خالِصةً لِوَجهِ اللهِ"والمُتَباذِلينَ فيَّ" وهُم الَّذين بَذَلوا أنفُسَهم، وأنْفَقوا أمْوالَهم فيما أمَرَ اللهُ عزَّ وجلَّ وحَضَّ عليه؛ فكلُّ هؤلاءِ ثَبَتَتْ لهم مَحَبَّةُ اللهِ عزَّ وجلَّ.

وفي الحَديثِ: بيانُ صِفةِ مُعاذِ بنِ جَبلٍ رضِيَ اللهُ عنه وبيانُ عِلمِه وفَضْلِه ورُجوعِ الناسِ إليه فيما اختَلفوا فيه.

وفيه: الحَثُّ على التَّحابِّ والتَّزاوُرِ وبَذْلِ النَّفْسِ والمالِ للهِ عزَّ وجلَّ.

وفيه: البشاشةُ عِندَ اللِّقاءِ، والتبشيرُ بالخَيرِ وفضائِلِ الأعمالِ( ).

الأصول والأحكام

[سنن الترمذي] (4/ 597) 2390- حدثنا أحمد بن منيع قال: حدثنا كثير بن هشام قال: حدثنا جعفر بن برقان قال: حدثنا حبيب بن أبي مرزوق، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي مسلم الخولاني قال: حدثني معاذ بن جبل ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( قال الله عز وجل: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء)) وفي الباب عن أبي الدرداء، وابن مسعود، وعبادة بن الصامت، وأبي هريرة، وأبي مالك الأشعري: (( هذا حديث حسن صحيح، وأبو مسلم الخولاني اسمه: عبد الله بن ثوب))

[مسند أحمد] (36/ 399 ط الرسالة) 22080- حدثنا كثير بن هشام، حدثنا جعفر- يعني ابن برقان- حدثنا حبيب بن أبي مرزوق، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي مسلم الخولاني، قال: دخلت مسجد حمص، فإذا فيه نحو من ثلاثين كهلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا فيهم شاب أكحل العينين، براق الثنايا، ساكت، فإذا امترى القوم في شيء أقبلوا عليه فسألوه، فقلت لجليس لي: من هذا؟ قال: هذا معاذ بن جبل.

فوقع له في نفسي حب، فكنت معهم حتى تفرقوا، ثم هجرت إلى المسجد، فإذا معاذ بن جبل قائم يصلي إلى سارية، فسكت لا يكلمني، فصليت، ثم جلست فاحتبيت بردائي، ثم جلس فسكت لا يكلمني، وسكت لا أكلمه، ثم قلت: والله إني لأحبك.

قال: فيم تحبني؟ قال: قلت: في الله تبارك وتعالى.

فأخذ بحبوتي فجرني إليه هنية، ثم قال: أبشر إن كنت صادقا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء)).

قال: فخرجت فلقيت عبادة بن الصامت، فقلت: يا أبا الوليد لا أحدثك بما حدثني معاذ بن جبل في المتحابين.

قال: فأنا أحدثك عن النبي صلى الله عليه وسلم، يرفعه إلى الرب عز وجل، قال: (( حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين في، وحقت محبتي للمتواصلين في))

أحاديث ذات صلة