كان رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يعتَكِفُ العشرَ الوُسطَ من رمضانَ فاعتَكَفَ عامًا حتَّى إذا كانَ ليلةَ إحدى وعشرينَ وَهيَ اللَّيلةُ الَّتي يخرجُ فيها من صبحتِها منِ اعتِكافِهِ قالَ من كانَ اعتَكَفَ معي فليعتَكِفِ العشرَ الأواخرَ وقد رأيتُ هذِهِ اللَّيلةَ ثمَّ أنسيتُها وقد رأيتُني أسجدُ من صُبحتِها في ماءٍ وطينٍ فالتمِسوها في العشرِ الأواخرِ والتمِسوها في كلِّ وترٍ قالَ أبو سعيدٍ فأمطرتِ السَّماءُ تلكَ اللَّيلةَ وَكانَ المسجدُ على عريشٍ فوَكَفَ المسجدُ قالَ أبو سعيدٍ فأبصَرَت عينايَ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ انصرفَ وعلى جبهتِهِ وأنفِهِ أثرُ الماءِ والطِّينِ من صبيحةِ إِحدى وعِشرينَ
أخرجه البخاري (2027)، ومسلم (1167) باختلاف يسير
تَذاكَرْنا ليلةَ القَدرِ، فقال بعضُ القومِ: إنَّها تَدورُ منَ السَّنةِ، فمشَيْنا إلى أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قُلتُ: يا أبا سعيدٍ، سمِعْتَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يذكُرُ ليلةَ القَدرِ؟ قال: نَعمْ، اعتَكَف رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ العَشْرَ الوَسَطَ من رمضانَ، واعتَكَفْنا معه، فلمَّا أَصبَحْنا صَبيحةَ عِشرينَ رجَع ورجَعْنا معه، وأُرِيَ ليلةَ القَدرِ، ثُم أُنْسيَها فقال: "إنِّي رأيْتُ ليلةَ القَدرِ، ثُم أُنْسيتُها، فأُراني أَسجُدُ في ماءٍ وطينٍ، فمَنِ اعتَكَف معي، فلْيَرجِعْ إلى مُعتَكَفِه، ابْتَغوها في العَشْرِ الأواخِرِ في الوِترِ منها"، وهاجتْ علينا السَّماءُ آخِرَ تلك العَشيَّةِ، وكان نِصفُ المسجِدِ عَريشًا من جَريدٍ، فوكَف، فوالذي هو أَكرَمه وأَنزَل عليه الكتابَ، لَرَأيْتُه يُصلِّي بنا صلاةَ المَغرِبِ ليلةَ إحدى وعِشرينَ، وإنَّ جَبهَتَه وأَرنَبةَ أَنْفِه لَفي الماءِ والطينِ.
الراوي : أبو سعيد الخدري المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج المسند لشعيب الصفحة أو الرقم: 11186 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه البخاري (813)، ومسلم (1167)، والنسائي (1356)، وأحمد (11186) واللفظ له أكرَمَ اللهُ تَعالى هذه الأُمَّةَ بلَيلةِ القَدْرِ، فجَعَلَها خيرًا مِنْ ألْفِ شَهْرٍ، وبيَّنَ لنا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَلاماتِ هذه اللَّيلةِ والأوْقاتَ التي تَكونُ فيها؛ حتَّى يُدْرِكَها المُسلِمُ، ويَنالَ هذا الخَيرَ العَظيمَ.
وفي هذا الحَديثِ يَرْوي التَّابعيُّ أبو سَلَمةَ بنُ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ: "تَذاكَرْنا لَيْلةَ القَدْرِ" ذَكرَ بَعضُنا لِبَعضٍ لَيْلةَ القَدْرِ؛ فذَكَرْنا فَضْلَها ووَقْتَها، وفي أيِّ يَومٍ تَقَعُ؟ "فقالَ بَعضُ القَومِ: إنَّها تَدورُ من السَّنةِ" يَتغيَّرُ مَوعِدُها سَنةً بعدَ أُخرى دُونَ تَحْديدِ لِلَيْلةٍ بعَينِها، وسُمِّيَتْ (لَيْلةَ القَدْرِ)؛ لعَظيمِ قَدْرِها وشَرَفِها، وقيلَ: لأنَّ للطَّاعاتِ فيها قَدْرًا، وقيلَ غيرُ ذلِكَ، "فمَشَيْنا إلى أبي سَعيدٍ الخُدريِّ" صاحِبِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان هذا عادةَ التَّابِعينَ أنْ يرُدُّوا العِلمَ لِصَحابةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِمَا له من الحقِّ بتِلك الصُّحْبةِ، "قُلتُ: يا أبا سَعيدٍ، سَمِعتَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَذكُرُ لَيْلةَ القَدْرِ؟" بمَعْنى: هل حدَّدَها في أيِّ الأيَّامِ تَقَعُ من العَشرِ الأواخِرِ من رَمَضانَ؟ فقالَ أبو سَعيدٍ رضِيَ اللهُ عنه: "نَعَمْ، اعتَكَفَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم العَشْرَ الوَسَطَ من رَمَضانَ"، والاعْتِكافُ هو لُزومُ المَسجِدِ للطَّاعَةِ، وكانت بِدايةُ اعتِكافِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في هذا العامِ من لَيْلةِ الحادي عَشَرَ إلى نِهايةِ اليَومِ العَشْرينَ ولَيْلَتِهِ "واعتَكَفْنا معه" في المَسجِدِ النَّبويِّ، "فلمَّا أصْبَحْنا صَبيحةَ عِشْرينَ رجَعَ ورَجَعْنا معه" عاوَدْنا الاعتِكافَ مرَّةً أُخْرى "وأُرِيَ لَيْلةَ القَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيَها فقالَ: إنِّي رَأيتُ لَيْلةَ القَدْرِ، ثُمَّ أُنسيتُها" عَلِمتُ عَينَها في أيِّ يَومٍ، ثُمَّ رُفِعَ عَنِّي عِلمُ عَينِها، "فأُراني أسجُدُ في ماءٍ وطِينٍ" بمَعْنى: أنَّ عَلامَتَها أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رأى كأنَّه يَسجُدُ في مَاءٍ وَطينٍ، "فمَنِ اعتَكَفَ معي، فلْيَرجِعْ إلى مُعتَكَفِهِ" يُواصِلُ اعتِكافَهُ، ثُمَّ قالَ: "ابتَغوها في العَشرِ الأواخِرِ في الوِترِ منها" اطْلُبوها وتَحَرُّوها في اللَّيالي الوِتْريَّةِ من العَشْرِ الأواخِرِ من رَمَضانَ، ثُمَّ قال أبو سَعيدٍ الخُدريُّ رضِيَ اللهُ عنه: "وهاجَتْ علينا السَّماءُ آخِرَ تِلك العَشيَّةِ"، فأمْطَرَتْ مَطَرًا شَديدًا، وكأنَّ المطَرَ عَلامةٌ من اللهِ على أنَّها تِلك اللَّيلةُ، "وكان نِصفُ المَسجِدِ عَريشًا من جَريدٍ"، وكان جُزءٌ من سَقفِ المَسجِدِ مُغطًّى بجَريدِ النَّخلِ، "فوكَفَ"، فنزَلَ منه ماءُ المَطَرِ على مَن في المَسجِدِ، "فوالَّذي هو أكرَمَهُ وأنزَلَ عليه الكِتابَ، لرَأيتُهُ يُصلِّي بنا صَلاةَ المَغرِبِ لَيْلةَ إحْدى وعِشرينَ، وإنَّ جَبهَتَهُ وأرْنَبةَ أنْفِهِ لَفي الماءِ والطِّينِ"، بمَعْنى أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَسجُدُ ومُقدِّمةُ رَأسِهِ وطَرَفُ أنْفِهِ يُغطِّيهما الماءُ والطِّينُ من أثَرِ المَطَرِ، وكان في ذلِكَ اكتِمالُ العَلامةِ الَّتي أراها اللهُ له على أنَّ لَيْلةَ الحادي والعِشْرينَ من رَمَضانَ هي لَيْلةُ القَدْرِ في هذا العامِ، وَهذا تَصْديقُ رُؤياهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وقد ورَدَتْ رِواياتٌ مُتعدِّدةٌ في تَحْديدِ وَقتِ لَيْلةِ القَدْرِ، وللعُلَماءِ كَلامٌ طَويلٌ في الجَمْعِ أو التَّرْجيحِ بيْنَ هذه الرِّواياتِ، ومن ذلِكَ: أنَّ لَيلةَ القَدْرِ تَنتقِلُ كُلَّ سَنةٍ في العَشرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، فيَنبَغي الاجتِهادُ في الْتِماسِها في اللَّيالي، والإكْثارِ فيها مِن العِبادةِ؛ لنَيلِ هذا الأجْرِ العظيمِ .
[صحيح البخاري] (3/ 48) 2027- حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاما، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه، قال: من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، وقد أريت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر، فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد، فبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبهته أثر الماء والطين، من صبح إحدى وعشرين)).
[صحيح مسلم] (2/ 825 ) 215- (1167) وحدثني محمد بن عبد الأعلى.
حدثنا المعتمر.
حدثنا عمارة بن غزية الأنصاري.
قال سمعت محمد بن إبراهيم يحدث عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان.
ثم اعتكف العشر الأوسط.
في قبة تركية على سدتها حصير.
قال: فأخذ الحصير بيده فنحاها في ناحية القبة.
ثم أطلع رأسه فكلم الناس.
فدنوا منه.
فقال
((إني اعتكفت العشر الأول.
ألتمس هذه الليلة.
ثم اعتكفت العشر الأوسط.
ثم أتيت.
فقيل لي: إنها في العشر الأواخر.
فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف)) فاعتكف الناس معه.
قال: ((وإني أريتها ليلة وتر، وإني أسجد صبيحتها في طين وماء)) فأصبح من ليلة إحدى وعشرين، وقد قام إلى الصبح.
فمطرت السماء.
فوكف المسجد.
فأبصرت الطين والماء.
فخرج حين فرغ من صلاة الصبح، وجبينه وروثة أنفه فيهما الطين والماء.
وإذا هي ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر