قُلْتُ لأبي سعيدٍ الخُدريِّ : أسمِعْتَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ في هذه الآيةِ: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} [الحجر: 2] فقال : نَعم سمِعْتُه يقولُ : ويُخرِجُ اللهُ أُناسًا مِن المؤمِنينَ مِن النَّارِ بعدَما يأخُذُ نِقمتَه منهم قال : لَمَّا أدخَلهم اللهُ النَّارَ مع المُشرِكينَ قال المُشرِكونَ : أليس كُنْتُم تزعُمونَ في الدُّنيا أنَّكم أولياءُ فما لكم معنا في النَّارِ ؟ فإذا سمِع اللهُ ذلكَ منهم أذِن في الشَّفاعةِ فيتشفَّعُ لهم الملائكةُ والنَّبيُّونَ حتَّى يُخرَجوا بإذنِ اللهِ فلمَّا أُخرِجوا قالوا : يا ليتَنا كنَّا مِثْلَهم فتُدرِكَنا الشَّفاعةُ فنخرُجَ مِن النَّارِ فذلكَ قولُ اللهِ جلَّ وعلا : {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} [الحجر: 2] قال : فيُسمَّوْنَ في الجنَّةِ الجَهنَّميِّينَ مِن أجلِ سوادٍ في وجوهِهم فيقولونَ : ربَّنا أذهِبْ عنَّا هذا الاسمَ قال : فيأمُرُهم فيغتسِلونَ في نهرٍ في الجنَّةِ فيذهَبُ ذلكَ منهم )
أخرجه ابن حبان (7432)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (8110) بلفظه.
أَعطى اللهُ عزَّ وجلَّ نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ منزلةً رَفيعةً، ومِن ذلك مَقامُ الشَّفاعةِ لأُمَّتِه، وشَفاعتُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنواعٌ، ومنها الشفاعةُ في خروجِ بعضِ المُسلِمينَ مِن النارِ بعدَما دخَلوها.
وفي هذا الحديثِ يقولُ التابعيُّ صالحُ بنُ أبي طريفٍ: "قلتُ لأبي سعيدٍ الخُدْريِّ: أسَمِعتَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ في هذه الآيةِ: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} [الحجر: 2] ؟ فقال: نَعَمْ، سَمِعتُه يقولُ: ويُخرِجُ اللهُ أُناسًا مِن المؤمنينَ مِن النارِ بعدَما يأخُذُ نِقمتَه منهم"؛ وذلك أنَّ عذابَهم تمحيصٌ وتطهيرٌ لِما اقترَفوا مِن ذُنوبٍ في الدُّنيا، "قال: لمَّا أدخَلَهم اللهُ النارَ مع المُشرِكينَ، قال المشرِكونَ: أليس كنتُم تزعُمونَ في الدُّنيا أنَّكم أولياءُ، فما لكم معنا في النارِ؟" يُحاجُّونَهم ويَسْخَرونَ منهم على ما هم فيه مِن عذابٍ رغمَ أنَّهم كانوا مسلِمينَ في الدُّنيا، "فإذا سَمِع اللهُ ذلك منهم" اطَّلَعَ اللهُ عزَّ وجلَّ على تلك المُحاجَّةِ التي بينَ المسلِمينَ والكافرينَ، "أَذِنَ في الشَّفاعةِ، فيَشفع لهم الملائكةُ والنبيُّونَ حتى يخرُجوا بإذنِ اللهِ" وفي روايةٍ: "فأمَرَ بمَن كان مِن أهلِ القِبلةِ فأُخرِجوا"، قال: "فلمَّا أُخرِجوا قالوا"؛ أي: الكافرونَ: "يا ليتَنا كنَّا مِثلَهم فتُدرِكَنا الشَّفاعةُ فنخرُجَ مِن النارِ! فذلك قولُ اللهِ جلَّ وعلا: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} [الحجر: 2] "، استَشهَدَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بتلك الآياتِ؛ توضيحًا لحالِ الكافرينَ في الآخرةِ وهم يَندَمونَ ويَتباكَوْنَ أنَّهم لم يكونوا مسلمينَ في الدُّنيا؛ اتِّقاءً لِما هم فيه مِن عذابٍ وخلودِهم فيه، "قال: فيُسَمَّوْنَ في الجنَّةِ الجَهنَّميِّينَ"؛ نسبةً إلى جَهنَّمَ؛ "مِن أجْلِ سوادٍ في وُجوهِهم"، وهو أثرُ ما كانوا فيه مِن العذابِ في جهنَّمَ، "فيقولونَ: ربَّنا، أَذْهِبْ عنَّا هذا الاسمَ، قال: فيأمُرُهم فيَغتسِلونَ في نهرٍ في الجنَّةِ يُسمَّى نَهَرَ الحَياةِ، فيَنبُتونَ في حافَتِه بسُرعةٍ كما تَنبُتُ الحَبَّةُ فيما جاء به السَّيلُ من طِينٍ، فيَذهَبُ ذلك منهم"، وهذا مِن تمامِ نعمتِه عزَّ وجلَّ على عبادِه الموحِّدينَ في الآخرةِ( ).
صحيح ابن حبان - مخرجا (16/ 457) 7432 - أخبرنا محمد بن الحسين بن مكرم، قال: حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح، قال: حدثنا أبو أسامة، عن أبي روق، قال: حدثنا صالح بن أبي طريف، قال: قلت لأبي سعيد الخدري : أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذه الآية: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [[الحجر: 2]]؟ فقال: نعم سمعته، يقول: يخرج الله أناسا من المؤمنين من النار بعدما يأخذ نقمته منهم، قال: لما أدخلهم الله النار مع المشركين، قال المشركون: أليس كنتم تزعمون في الدنيا أنكم أولياء فما لكم معنا في النار، فإذا سمع الله ذلك منهم أذن في الشفاعة، فيتشفع لهم الملائكة والنبيون حتى يخرجوا بإذن الله، فلما أخرجوا، قالوا: يا ليتنا كنا مثلهم، فتدركنا الشفاعة، فنخرج من النار، فذلك قول الله جل وعلا: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [[الحجر: 2]]، قال: فيسمون في الجنة الجهنميين من أجل سواد في وجوههم، فيقولون: ربنا أذهب عنا هذا الاسم، قال: فيأمرهم فيغتسلون في نهر في الجنة فيذهب ذلك منهم
[المعجم الأوسط للطبراني] (8/ 106) :
8110 - حدثنا موسى بن هارون، نا إسحاق بن راهويه قال: قلت لأبي أسامة: أحدثكم أبو روق؟، واسمه: عطية بن الحارث، حدثني صالح بن أبي طريف قال: سألت أبا سعيد الخدري ، فقلت له: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذه الآية: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [[الحجر: 2]] ؟ قال: نعم، سمعته يقول: يخرج الله ناسا من المؤمنين من النار، وبعدما يأخذ نقمته منهم .
وقال: لما أدخلهم الله النار مع المشركين قال لهم المشركون: تزعمون أنكم أولياء الله في الدنيا، فما بالكم معنا في النار؟ فإذا سمع الله ذلك منهم أذن في الشفاعة لهم، فيشفع الملائكة والنبيون، ويشفع المؤمنون حتى يخرجوا بإذن الله، فإذا رأى المشركون ذلك، قالوا: ليتنا كنا مثلهم فتدركنا الشفاعة، فنخرج معهم .
قال: فذلك قول الله: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [[الحجر: 2]] ، فيسمون في الجنة الجهنميين من أجل سواد في وجوههم، فيقولون: يا رب، أذهب عنا هذا الاسم فيأمرهم فيغتسلون في نهر الجنة، فيذهب ذلك الاسم عنهم .
فأقر به أبو أسامة، وقال: نعم