أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِن كَلْبٍ يُقالُ لها: أُمُّ بَكْرٍ، فَلَمَّا هاجَرَ أبو بَكْرٍ طَلَّقَها، فَتَزَوَّجَها ابنُ عَمِّها، هذا الشَّاعِرُ الذي قالَ هذِه القَصِيدَةَ رَثَى كُفَّارَ قُرَيْشٍ: وَماذا بالقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ ...
مِنَ الشِّيزَى تُزَيَّنُ بالسَّنامِ وَماذا بالقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ ...
مِنَ القَيْناتِ والشَّرْبِ الكِرامِ تُحَيِّينا السَّلامَةَ أُمُّ بَكْرٍ ...
وهلْ لي بَعْدَ قَوْمِي مِن سَلامِ يُحَدِّثُنا الرَّسُولُ بأَنْ سَنَحْيا ...
وكيفَ حَياةُ أصْداءٍ وهامِ
أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (2891) باختلاف يسير، وابن حيويه في ((من وافقت كنيته كنية زوجه)) (صـ47)، وابن الحداد في ((جامع الصحيحين)) (3105) بنحوه.
الشِّعرُ نَوعٌ مِن الكَلامِ المُنمَّقِ المَوْزونِ المُقَفَّى، أي: له قافيةٌ وهي توافُقٌ علَى الحَرْفِ الأخيرِ مِن البَيتِ الشِّعريِّ، يُؤثِّرُ في النُّفوسِ، وحُكْمُه في الشَّرْعِ يكونُ بحسَبِ ما فيه مِن المَعاني؛ فقدْ يكونُ شرًّا وسُوءًا فيُنْهى عنه، وقد يكونُ حِكْمةً وأخْلاقًا فيُباحُ أو يُؤمَرُ به.
وفي هذا الحَديثِ تَحْكي أمُّ المؤمِنينَ عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّ أباها أبا بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه تَزوَّجَ امْرأةً مِن بَني كَلْبِ بنِ عَوفِ بنِ عامِرِ بنِ لَيثٍ، وكان يُقالُ لها: أمُّ بَكرٍ، فلمَّا هاجَر أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه إلى المَدينةِ طلَّقَها، فتَزوَّجَها ابنُ عمِّها أبو بَكرٍ شدَّادُ بنُ الأسوَدِ بنِ عَبدِ شَمسِ بنِ مالكِ بنِ جَعونةَ، وهو الشَّاعرُ الَّذي قال قَصيدةً رَثَى بها كُفَّارَ قُرَيشٍ الَّذين قُتِلوا يومَ بَدرٍ في العامِ الثَّاني مِن الهِجْرةِ وألْقاهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالقَليبِ، فبَكاهم هذا الشَّاعرُ، وعدَّدَ مَحاسِنَهم، ونظَم فيهم شِعرًا قبْلَ إسْلامِه، وقيلَ: إنَّه أسلَمَ ثمَّ ارتَدَّ بعْدَ ذلك.
فقال في رِثائِه لهم: وماذا بالقَليبِ قَلِيبِ بَدْرٍ ** مِنَ الشِّيزَى تُزَيَّنُ بالسَّنامِ والقَليبُ: البِئرُ قبْلَ أنْ تُبْنَى بالحِجارةِ ونَحْوِها.
والشِّيزَى: شَجرٌ تُصنَعُ مِن أخْشابِها الجِفانُ، وهي: آنيةُ الطَّعامِ، وأراد أصحابَها الَّذين كانوا يُطْعِمُون فيها وقُتِلوا ببَدْرٍ وأُلْقوا في القَليبِ.
أي: وماذا بقَليبِ بَدرٍ مِن أصْحابِ الجِفانِ والقِصاعِ المصنوعةِ مِنَ الشِّيزى للثَّريدِ حالَ كَونِها تُزيَّنُ بالسَّنامِ، أي: بلُحومِ سَنامِ الإبِلِ، وأرادَ أنَّ الَّذين رُدِموا بقَليبِ بَدرٍ كانوا ممَّن يُطعِمونَ الأضْيافَ.
ثمَّ قال: وماذا بالقَلِيبِ قَليبِ بَدرٍ ** مِن القَيْناتِ والشَّرْبِ الكِرامِ القَيناتُ: المغنِّياتُ، والشَّرْبُ -بفتْحِ الرَّاءِ-: جمْعُ شاربٍ، وهمُ الَّذين يَجتَمِعونَ للشَّرابِ.
أي: وماذا به مِن أصْحابِ المُغنِّياتِ والقومِ الكِرامِ الَّذين يَجتَمِعونَ للشَّرابِ.
والمَعنى: إنَّ هؤلاء كانوا ممَّن تُغَنِّيهمُ القِيانُ، وتَحضُرُهمُ شارِبو الخمْرِ، وأنَّ بمَوْتِهم قدْ ذهَبَت تلك المَكارِمُ، فكأنَّها دُفِنَت معَهم.
تُحَيِّينا السَّلامَةَ أُمُّ بَكرٍ ** وهَلْ لي بَعْدَ قَوْمِي مِن سَلامِ تُحيِّي بالسَّلامةِ، أي: تُلْقي عليهمُ التَّحيَّةَ بالسَّلامِ، فالمُرادُ بالسَّلامةِ السَّلامُ.
أو هو دُعاءٌ بالسَّلامةِ، يَعني: تَدْعو لنا أُمُّ بَكرٍ بالسَّلامةِ، وهل لي بعْدَ مَوتِ قَوْمي وإلْقائِهم في القَليبِ مِن تَحيَّةٍ، أو مِن سَلامةٍ؟! يُحدِّثُنا الرَّسولُ بأنْ سَنَحْيا ** بعدَ المَوتِ، وكيفَ حَياةُ أصْداءٍ وهامِ أصْداءٌ جَمعُ صَدًى، وهو ذكَرُ البُومِ.
وهامٌ: جَمعُ هامَةٍ، وهي جُمْجُمةُ الرَّأسِ، وقيلَ: هي اسمٌ لطائرٍ يَطيرُ باللَّيلِ كانوا يَتَشاءَمونَ بهِ، وكانتِ العرَبُ تَعتَقِدُ أنَّ رُوحَ القَتيلِ الَّذي لم يُؤخَذْ بثَأْرِه تَصيرُ هامَةً، فتَزْقو -أي تَصِيحُ- عندَ قَبرِه وتَقولُ: اسْقُوني اسْقُوني مِن دَمِ قاتِلي، فإذا أُخِذَ بثَأْرِه طارَتْ، وقيلَ: كانوا يَزعُمونَ أنَّ عِظامَ الميِّتِ تَصيرُ هامَةً، ويُسمُّونَها الصَّدى.
وأرادَ الشَّاعرُ إنْكارَ البَعثِ بهذا الكَلامِ؛ فإنَّه يقولُ: إذا صارَ الإنْسانُ كهذا الطَّائرِ، كيف يَصيرُ مرَّةً أُخْرى إنْسانًا؟! وفي الحَديثِ: إنْكارُ كُفَّارِ قُرَيشٍ للبَعثِ بعْدَ المَوتِ.
[صحيح البخاري] (5/ 65) 3921 - حدثنا أصبغ، حدثنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة : أن أبا بكر رضي الله عنه، تزوج امرأة من كلب يقال لها أم بكر، فلما هاجر أبو بكر طلقها، فتزوجها ابن عمها، هذا الشاعر الذي قال هذه القصيدة رثى كفار قريش:
[البحر الوافر]
وماذا بالقليب قليب بدر ...
من الشيزى تزين بالسنام
وماذا بالقليب قليب بدر ...
من القينات والشرب الكرام
تحيينا السلامة أم بكر ...
وهل لي بعد قومي من سلام
يحدثنا الرسول بأن سنحيا ...
وكيف حياة أصداء وهام "
شرح مشكل الآثار (7/ 330) [2891] حدثنا يونس قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه تزوج امرأة من بني كلاب يقال لها أم بكر، فلما هاجر أبو بكر طلقها فتزوجها ابن عمها هذا الشاعر الذي قال هذه القصيدة رثى بها كفار أهل بدر:
[البحر الوافر]
وماذا بالقليب قليب بدر ...
من الشيزى يزين بالسنام
وماذا بالقليب قليب بدر ...
من القينات، والشرب الكرام
تحيي بالسلامة أم بكر ...
وهل لي بعد قومي من سلام
يحدثنا الرسول بأن سنحيا ...
وكيف حياة أصداء وهام
فبان بحمد الله ونعمته أن لا تضاد في شيء مما ظن هذا الجاهل أنه قد تضاد من أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرف كل واحد من الهامة ومن الهام الذي صرفنا وجه كل واحد منهما إلى ما صرفناه إليه في هذا الباب , والله عز وجل نسأله التوفيق
من وافقت كنيته كنية زوجه لابن حيويه (ص: 47) أخبرنا العباس بن محمد بن العباس، ثنا أحمد بن صالح، ثنا عنبسة، ثنا يونس، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أنها كانت تدعو على من يزعم أن أبا بكر قال هذه الأبيات قالت عائشة: والله ما قال أبو بكر بيت شعر في جاهلية، ولا في إسلام، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية، ولكن أبا بكر تزوج امرأة، يقال لها: أم بكر، فطلقها، فتزوجها ابن عمها، هذا الشاعر الذي قال هذه الأبيات:
[البحر الوافر]
وماذا بالقليب قليب بدر ...
من الشيزى تزين بالسنام
وماذا بالقليب قليب بدر ...
من القينات والشرب الكرام
تحيا بالسلامة أم بكر ...
وهل لي بعد قومي من سلام
يخبرنا الرسول بأن سنحيا ...
وكيف حياة أصداء وهام
في هذه الرواية وفي رواية غيرها، لم نذكرها استغناء بما ذكرناه عنها دليل على أن أم بكر هذه المذكورة في هذا الحديث كانت زوج أبي بكر في الجاهلية، لا في الإسلام، فإن ثبت ذلك، وما أخلقه أن يكون ثابتا، فليست داخلة في المعنى الذي قصدناه، بل هي خارجة من جملة ما ذكرناه، وعلى هذا الحد ذكرناها، لا على أنه صح عندنا إسلامها
جامع الصحيحين لابن الحداد (4/ 118) 3105 - (خ) - حدثنا محمد بن أحمد بن علي، قال: أنا أحمد بن موسى، قال: ثنا دعلج، قال: أنا محمد بن علي بن زيد، قال: ثنا أحمد بن شبيب بن سعيد، قال: ثنا أبي، عن يونس، عن الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة: أنها كانت تدعو على من كان يقول: إن أبا بكر قال هذه القصيدة:
يحدثنا الرسول بأن سنحيا ...
وكيف حياة أصداء وهام
وتقول عائشة : والله ما قال أبو بكر بيت شعر في جاهلية ولا إسلام قط، وما ارتاب في الله منذ أسلم، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية، ولكن قال هذه القصيدة رجل من بني كلاب بن عوف؛ كان أبو بكر تزوج امرأة من بني كلاب يقال لها: أم بكر، فلما هاجر أبو بكر طلقها، فتزوجها ابن عمها هذا الكلابي الذي قال هذه القصيدة، رثى بها أهل بدر حين قتلوا، فقال:
وماذا بالقليب قليب بدر ...
من القينات والشرب الكرام
وماذا بالقليب قليب بدر ...
من الشيزى تزين بالسنام
تحيى بالسلامة أم بكر ...
وهل لي بعد قومي من سلام
يحدثنا الرسول بأن سنحيا ...
وكيف حياة أصداء وهام؟!