نزَلَت في عذابِ القَبرِ [يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ]
شهدتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ جنازةً فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : أيُّها الناسُ إنَّ هذه الأمةَ تُبتلى في قبورها فإذا الإنسانُ دُفِنَ فتفرقَ عنه أصحابُه جاءَه مَلَكُ الموتِ في يدِه مطراقٌ فأقعدَه قال : ما تقولُ في هذا الرجلِ ؟ فإن كان مؤمنًا قال : أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ، فيقولُ له : صدقتَ ، ثم يُفتحُ له بابٌ إلى النارِ فيقول : هذا كان منزِلُك لو كفرتَ بربِّكَ ، فأما إذا آمنتَ فهذا منزلُك فيُفتحُ له بابٌ إلى الجنةِ فيريدُ أن ينهضَ إليه فيقول له : اسكن ، ويُفسحُ له في قبرِه ، وإن كان كافرًا أو منافقًا فقيل له : ما تقولُ في هذا الرجلِ ؟ فيقول لا أدري سمعتُ الناسَ يقولون شيئًا ، فيقول : لا دريتَ ولا تليتَ ولا اهتديتَ ، ثم يُفتحُ له بابٌ إلى الجنةِ فيقول : هذا منزلُك لو آمنتَ بربِّكَ ، فأما إذا كفرتَ به فإنَّ اللهَ أبدلَك به هذا ويُفتحُ له بابٌ إلى النارِ ثم يقمَعُه قمعةً بالمطراقِ يسمعُها خلقُ اللهِ كلُّهم غيرُ الثَّقليْنِ .
فقال بعضُ القومِ : يا رسولَ اللهِ ما أحدٌ يقومُ مَلَكٌ في يدِه مطراقٌ إلا هِيلَ عِندَ ذلك .
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوْا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [ إبراهيم : 27 ] الآيةُ الراوي : أبو سعيد الخدري المحدث : السيوطي المصدر : شرح الصدور الصفحة أو الرقم: 184 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه أحمد (11000)، والبزار كما في ((كشف الأستار)) للهيثمي (872)، والبيهقي في ((إثبات عذاب القبر)) (32) باختلاف يسير مِن أركانِ الإيمانِ: الإيمانُ باليَومِ الآخِرِ، وذلك يَتَضَمَّنُ الإيمانَ بنَعيمِ القَبرِ وعَذابِه؛ فقد جاءَتِ النُّصوصُ مِنَ القُرآنِ والسُّنَّةِ أنَّ الشَّخصَ إذا ماتَ فإنَّه إمَّا أن يُنَعَّمَ في قَبرِه أو يُعَذَّبَ حتَّى تَقومَ السَّاعةُ، والإيمانُ بنَعيمِ القَبرِ وعَذابِه هو مِنَ الإيمانِ بالغَيبِ الذي لا نَعلَمُ كَيفيَّتَه إلَّا عن طَريقِ الوَحيِ، وقد جاءَ بَعضُ تَفاصيلِ نَعيمِ القَبرِ وعَذابِه في السُّنَّةِ، ومِن ذلك حَديثُ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رَضِيَ اللهُ عنه؛ حَيثُ يَقولُ: شَهِدتُ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جِنازةً، أي: حَضَرتُ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وكُنتُ مَعَه في جِنازةِ أحَدِ الصَّحابة، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّها النَّاسُ، إنَّ هذه الأمَّةَ -المُرادُ بالأمَّةِ هنا كُلُّ من بَلَغَته دَعوةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، سَواءٌ أكان مُسلِمًا أم كافِرًا- تُبتَلى، أي: تُختَبَرُ وتُمتَحَنُ في قُبورِها، ثُمَّ تُنَعَّمُ أو تُعَذَّبُ، فإذا الإنسانُ دُفِن فتَفرَّقَ عنه أصحابُه، أي: انصَرَفوا عنه بَعدَ دَفنِهم له، جاءَه مَلَكُ المَوتِ -أي: تُعادُ له رُوحُه، كما جاءَ موضَّحًا في الرِّواياتِ الأخرى، ثُمَّ يُسأَلُ في قَبرِه، فيَأتيه مَلَكُ المَوتِ، كما في هذه الرِّوايةِ، وفي رِوايةٍ أخرى أنَّهما مَلَكانِ، فيُحتَمَلُ أنَّهما مَلَكانِ وخُصَّ أحَدُهما بالذِّكرِ؛ لكَونِه يَحمِلُ المِطراقَ- في يَدِه مِطراقٌ، أي: آلةٌ يَضرِبُ بها، كالعَصا ونَحوِها، فأقعَدَه، أي: يُقعِدُ المَلَكُ هذا الإنسانَ الذي ماتَ، ثُمَّ يَقولُ له: ما تَقولُ في هذا الرَّجُلِ؟ أي: ما اعتِقادُك في الرَّسولِ الذي أرسَلَه اللهُ لَكُم، وهو مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإن كان مُؤمِنًا، أي: إذا كان المَيِّتُ مُؤمِنًا، فإنَّه يُجيبُ المَلَكَ فيَقولُ له: أشهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُه ورَسولُه، أي: أنا مُصَدِّقٌ باللهِ وبِرَسولِه وقد آمَنتُ.
فيَقولُ له المَلَكُ: صَدَقتَ، أي: في إخبارِك باعتِقادِك؛ فإنَّك كُنتَ مُؤمِنًا في الدُّنيا، ونَطَقتَ باعتِقادِك الصَّحيحِ.
ثُمَّ يُفتَحُ له بابٌ إلى النَّارِ، أي: يُفتَحُ لهذا المَيِّتِ بابٌ إلى النَّارِ، ويَقولُ له المَلَكُ: هذا كان مَنزِلَك لَو كَفَرتَ برَبِّك، أي: انظُرْ إلى مَنزِلِك في النَّارِ لَو كُنتَ كَفَرتَ، فأمَّا إذ آمَنتَ، فهذا مَنزِلُك، فيُفتَحُ له بابٌ إلى الجَنَّةِ، أي: لَكِن لكَونِك آمَنتَ فلَك مَنزِلٌ في الجَنَّةِ، ويُريه مَنزِلَه مِنَ الجَنَّةِ.
فلمَّا يَرى المَيِّتُ هذا الفَضلَ والنَّعيمَ فيَستَبشِرُ ويُريدُ أن يَنهَضَ إلى مَنزِلِه في الجَنَّةِ.
فيَقولُ له المَلَكُ: اسكُن، أي: اجلِسْ في مَحَلِّك حتَّى يَجيءَ وقتُ دُخولِ ذلك المَنزِلِ، وذلك أنَّه لَم يَحِنْ بَعدُ أن تَدخُلَ هذا المَنزِلَ، ويُفسَحُ له في قَبرِه، أي: يوسَّعُ له في القَبرِ.
وإن كان كافِرًا أو مُنافِقًا، أي: إذا كان المَيِّتُ مِن أهلِ الكُفرِ أوِ النِّفاقِ، فإنَّ المَلَكَ يَسألُه ويَقولُ له: ما تَقولُ في هذا الرَّجُلِ؟ أي: النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فيَقولُ الكافِرُ أوِ المُنافِقُ: لا أدري، أي: لَيسَ لي به عِلمٌ، وإنَّما سَمِعتُ النَّاسَ يَقولونَ شَيئًا، أي: فتَبِعتُهم ولَم أتَّبِعِ الرَّسولَ، ويُريدُ أنَّه كان مُقَلِّدًا لغَيرِه، فلا يَسألُ عن حَقيقةِ الأمرِ.
فيَقولُ له المَلَكُ: لا دَرَيتَ، أي: لا فَهِمتَ، ولا تَلَيتَ، أي: ولا قَرَأتَ القُرآنَ، ولا اهتَدَيتَ، أي: ولا اتَّبَعتَ أهلَ الحَقِّ، والمَعنى: أنَّك لَم تَكُنْ مُحَقِّقًا للأمرِ ولا مُقَلِّدًا لأهلِه ولا مُهتَديًا إلى مَعرِفتِهم، ثُمَّ يُفتَحُ لهذا الكافِرِ أوِ المُنافِقِ بابٌ إلى الجَنَّةِ، ويَقولُ له: هذا مَنزِلُك لَو آمَنتَ برَبِّك، أي: إنَّ هذا كان سيَكونُ مَكانَك لَو أنَّك آمَنتَ وصَدَّقتَ واتَّبَعتَ الرَّسولَ، وهذا زيادةٌ له في التَّحَسُّرِ والعَذابِ، فأمَّا إذ كَفَرتَ به فإنَّ اللَّهَ أبدَلَك به هذا، ويُفتَحُ له بابٌ إلى النَّارِ، أي: أنَّه ما دامَ أنَّك كَفرتَ بالرَّسولِ فإنَّ اللَّهَ قد أعطاك بَدَلَ المَنزِلِ مِنَ الجَنَّةِ مَنزِلًا في النَّارِ.
ثُمَّ يَقمَعُه قَمعةً بالمِطراقِ، أي: يَضرِبُه بالحَديدِ الذي مَعَه ضَربةً قَويَّةً شَديدةً، ومِن شِدَّتِها أنَّه يَسمَعُ صَوتَها خَلقُ اللهِ كُلُّهم مِن مَلائِكةٍ وحَيَوانٍ، غَيرَ الثَّقَلَينِ، أي: الإنسِ والجِنِّ؛ فإنَّهم لا يَسمَعونَ شِدَّةَ صَوتِ الضَّربةِ.
فقال بَعضُ القَومِ مِنَ الصَّحابةِ: يا رَسولَ اللهِ، ما أحَدٌ يَقومُ مَلَكٌ في يَدِه مِطراقٌ إلَّا هِيلَ عِندَ ذلك! أي: أنَّه إذا وقفَ مَلَكٌ على رَأسِ الواحِدِ وفي يَدِه هذه الآلةُ التي يَضرِبُ بها، وقَعَ في الهَولِ، وهو الفزَعُ والخَوفُ الشَّديدُ.
فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] ، أي: أنَّ المُؤمِنَ يُثَبِّتُه اللهُ، فلا خَوفٌ عليه مِن ذلك.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ تَشييعِ الجِنازةِ.
وفيه خُروجُ كَبيرِ القَومِ مَعَ أصحابِه لتَشييعِ الجِنازةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ المَوعِظةِ عِندَ القَبرِ.
وفيه الإيمانُ بفِتنةِ القَبرِ والسُّؤالِ في القَبرِ.
وفيه إثباتُ نَعيمِ القَبرِ.
وفيه إثباتُ عَذابِ القَبرِ.
وفيه أنَّ أحوالَ البَرزَخِ في القَبرِ تَختَلِفُ عَمَّا نُشاهِدُه في الدُّنيا.
وفيه فرَحُ المُؤمِنِ بما يُلاقيه في قَبرِه.
وفيه شِدَّةُ عَذابِ الكافِرِ في قَبرِه.
وفيه مَشروعيَّةُ تَأييدِ الأحاديثِ والِاستِشهادِ لها مِنَ القُرآنِ .