- لم يكُنْ أحَدٌ منَ الناسِ أبغَضَ إليَّ من عليِّ بنِ أبي طالبٍ حتى أحبَبْتُ رَجلًا من قُرَيشٍ لا أُحِبُّه إلَّا على بُغضِ عليٍّ، فبُعِثَ ذلك الرَّجلُ على خَيلٍ، فصَحِبْتُه، وما أصحَبُه إلا على بَغْضاءِ عليٍّ، فأصابَ سَبْيًا، فكتَبَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَبعَثَ له مَن يُخَمِّسُه ، فبعَثَ إلينا عليًّا رضيَ اللهُ عنه، وفي السبْيِ وَصيفةٌ من أفضَلِ السبْيِ، فلمَّا خمَّسَه صارَتِ الوَصيفةُ في الخُمُسِ، ثُم خمَّسَ فصارَتْ في أهْلِ بيتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثُم خمَّسَ فصارَتْ في آلِ عليٍّ، فأَتانا ورأسُه تَقطُرُ، فقُلْنا: ما هذا؟ فقال: ألم تَرَوْا إلى الوَصيفةِ، صارَتْ في الخُمُسِ، ثُم صارَتْ في آلِ بيتِ النَّبيِّ عليه السلامُ، ثُم صارَتْ في آلِ عليٍّ، وقَعْتُ عليها، فكتَبَ وبعَثَني مُصدِّقًا لكتابِه إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بما قال عليٌّ، فجعَلْتُ أقولُ عليه، ويقولُ: صدَقَ، وأقولُ ويقولُ: صدَقَ، فأمسَكَ بيَدي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: أتُبغِضُ عليًّا؟ فقُلْتُ: نَعم، فقال: لا تُبغِضْه، وإنْ كُنْتَ تُحِبُّه فازْدَدْ له حُبًّا، فوالذي نفْسي بيَدِه لَنَصيبُ آلِ عليٍّ في الخُمُسِ أفضَلُ من وَصيفةٍ، فما كان أحَدٌ بعدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحَبَّ إليَّ من عليٍّ.
قال عبدُ اللهِ بنُ بُرَيدةَ: واللهِ ما في الحديثِ بَيْني وبيْنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ غيرُ أبي.
أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (3051)، والنسائي في ((الكبرى)) (8428) واللفظ لهما، وأحمد في ((فضائل الصحابة)) (1180) باختلاف يسير.
بَعَثَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَلِيًّا إلى خَالِدٍ لِيَقْبِضَ الخُمُسَ، وكُنْتُ أُبْغِضُ عَلِيًّا، وقَدِ اغْتَسَلَ، فَقُلتُ لِخَالِدٍ: ألَا تَرَى إلى هذا! فَلَمَّا قَدِمْنَا علَى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذَكَرْتُ ذلكَ له، فَقالَ: يا بُرَيْدَةُ، أتُبْغِضُ عَلِيًّا؟ فَقُلتُ: نَعَمْ، قالَ: لا تُبْغِضْهُ؛ فإنَّ له في الخُمُسِ أكْثَرَ مِن ذلكَ.
الراوي : بريدة بن الحصيب الأسلمي المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4350 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه أحمد (23036)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (1256)، وابنحزم في ((المحلى)) (5/ 390) واللفظ لهم جميعا.
أصْحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَيرُ هذه الأُمَّةِ بعْدَ نَبيِّنا محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وبرَغمِ فَضلِهم، ومَكانَتِهم، وجِهادِهم؛ إلَّا أنَّهم كانوا بشَرًا يَعْتَريهم ما يَعْتَري البشَرَ مِن الخَطأِ، والنِّسْيانِ، وفِعلِ ما لا يَنبَغي أحْيانًا، إلَّا أنَّهم تَميَّزوا بأنَّهم كانوا أسرَعَ النَّاسِ للتَّوبةِ والاسْتِجابةِ لأمرِ اللهِ ورَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
وفي هذا الحَديثِ يَحْكي بُرَيْدةُ بنُ الحَصيبِ الأسْلَميُّ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه كان في جَيشٍ معَ خالِدِ بنِ الوَليدِ رَضيَ اللهُ عنه، فبعَثَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَليَّ بنَ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه إلى خالِدِ بنِ الوليدِ رَضيَ اللهُ عنه؛ ليَقْبِضَ خُمُسَ الغَنيمةِ الَّتي حصَلَ عليها مِن أمْوالِ أهلِ اليمَنِ، كما بيَّنَتْ رِوايةٌ أُخْرى للبُخاريِّ، وكان بُرَيْدةُ رَضيَ اللهُ عنه يُبغِضُ عَليًّا رَضيَ اللهُ عنه، ويَكرَهُ منه بعضَ الأُمورِ؛ لأنَّه رَآه قدِ اغتَسَلَ، فظَنَّ أنَّه اغتَسَلَ بعْدَ أنْ جامَعَ جاريةً قدِ اخْتارَها لنَفْسِه منَ الغَنيمةِ قبْلَ أنْ تُقسَّمَ، أو جامَعَها دونَ استِبْراءٍ لرَحِمِها، فأخَذَ عليه ذلك وكرِهَه.
وقد أُجيبَ عن ذلك بأنَّ عَليًّا رَضيَ اللهُ عنه إنَّما بعَثَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ ليُقسِّمَ الغَنائمَ، ويأخُذَ الخُمُسَ، وقدْ فَعَلَ ذلك، فخرَجَتِ الجاريةُ مِن نَصيبِه، فعلى هذا فهو قدْ تصَرَّفَ في نَصيبِه رَضيَ اللهُ عنه، وأمَّا اغْتِسالُه رَضيَ اللهُ عنه مِن جِماعِها دونَ استِبْراءِ رَحِمِها؛ فقيلَ: لعلَّ الجاريةَ كانت بِكرًا، والبِكرُ لا يُشتَرَطُ استِبْراؤُها، وقيلَ: لعلَّه اغتَسَلَ لسبَبٍ آخَرَ، ولم يُجامِعِ الجاريةَ، فوقَعَ الظَّنُّ أنَّ غُسلَه كان مِن جِماعِها.
وبُغضُ بُرَيْدةَ رَضيَ اللهُ عنه لعَليٍّ رَضيَ اللهُ عنه بسَببِ ذلك يُعذَرُ فيه؛ فإنَّ الإنْسانَ إذا رَأى مَن يَفعَلُ شَيئًا لا يَفهَمُه أبْغَضَه لذلك، وهذا مَنْسوبٌ إلى سُوءِ الفَهمِ أيضًا، فكأنَّه كان يَرى مِن أفْعالِه ما لا يَعلَمُ مَعْناه، فيُبغِضُه لذلك، ولكنْ زالَ هذا البُغضُ لمَّا زالَ الإشْكالُ، ووضَّحَ له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ عَليًّا لم يُخْطئْ، وهذا ما أخبَرَ به بُرَيْدةُ رَضيَ اللهُ عنه، حيث حَكى أنَّه حدَّثَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بذلك لَمَّا رجَعَ إليه، وذكَرَ له ما كان مِن عَليٍّ رَضيَ اللهُ عنه، فسَأَلَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قائلًا: «أتُبغِضُ عَليًّا؟» فأقَرَّ بُرَيْدةُ ببُغضِه إيَّاه؛ وذلك لِمَا ظَنَّه مِن أنَّ عَليًّا رَضيَ اللهُ عنه أخَذَ ما ليس مِن حَقِّه، فنَهاهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن بُغضِه، وأخْبَرَه أنَّ عَليًّا رَضيَ اللهُ عنه له في الخُمُسِ أكثرُ مِمَّا أخَذَ، فعندَها زالَ الإشْكالُ الَّذي كان عندَ بُرَيْدةَ رَضيَ اللهُ عنه، وقال بعْدَ ذلك -كما ثبَتَ في مُسنَدِ أحمَدَ-: «فمَا كان مِن النَّاسِ أحدٌ أحَبَّ إلَيَّ مِن عَليٍّ»، رَضيَ اللهُ تعالَى عنِ الصَّحابةِ أجْمَعينَ.
وفي الحَديثِ: بَيانُ مَنقَبةٍ لعَليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه.
وفيه: النَّهيُ عن بُغضِ عَليٍّ رَضيَ اللهُ عنه.
شرح مشكل الآثار (8/ 58) 3051 - حدثنا أحمد بن شعيب قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم يعني ابن راهويه قال: حدثنا النضر بن شميل قال: حدثنا عبد الجليل بن عطية، عن عبد الله بن بريدة قال حدثني أبي قال: لم يكن أحد من الناس أبغض إلي من علي بن أبي طالب حتى أحببت رجلا من قريش لا أحبه إلا على بغض علي، فبعث ذلك الرجل على خيل فصحبته، وما أصحبه إلا على بغضاء علي، فأصاب سبيا، فكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث له من يخمسه، فبعث إلينا عليا رضي الله عنه، وفي السبي وصيفة من أفضل السبي، فلما خمسه صارت الوصيفة في الخمس، ثم خمس فصارت في أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خمس فصارت في آل علي، فأتانا ورأسه تقطر، فقلنا: ما هذا؟ فقال: " ألم تروا إلى الوصيفة صارت في الخمس، ثم صارت في آل بيت النبي عليه السلام، ثم صارت في آل علي، وقعت عليها "، فكتب وبعثني مصدقا لكتابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بما قال علي، فجعلت أقول عليه ويقول: صدق، وأقول ويقول: صدق، فأمسك بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أتبغض عليا؟ " فقلت: نعم، فقال: " لا تبغضه، وإن كنت تحبه فازدد له حبا، فوالذي نفسي بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة " فما كان أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي من علي ".
قال عبد الله بن بريدة: " والله ما في الحديث بيني وبين النبي صلى الله عليه وسلم غير أبي.
حدثنا محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا علي بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد قال: حملت حديث علي بن سويد يعني ابن منجوف، عن ابن بريدة في علي، فلما كتبته ذهب مني لغير شك بقي منه فيه "، وقد حدثنا به يحيى , عن عبد الجليل بن عطية , عن ابن بريدة.
قال أبو جعفر: فعاد هذا الحديث إلى رواية النضر بن شميل , ويحيى بن سعيد إياه , عن عبد الجليل بن عطية.
فقال قائل: وكيف يجوز أن تقبلوا هذا الحديث إذ كان فيه أن عليا رضي الله عنه قسم بينه وبين أهل الخمس ما ذكرت قسمته فيه وهو شريك في ذلك، ولا يجوز أن يكون الرجل يقاسم نفسه لنفسه ولغيره.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن ما يقسم بالولاية من الأشياء التي من هذا الجنس يجوز أن يكون ممن هو شريك في ذلك، كما يقسم الإمام بالإمامة الغنائم بين أهلها وهو منهم , وإذا كان الإمام كذلك فيما ذكرنا كان من يقسمه لذلك سواه يقوم فيه مقامه، فبان بحمد الله ونعمته صحة هذا المعنى من هذا الحديث.
ثم عاد هذا القائل سائلا لنا فقال: فإن في هذا الحديث أيضا ما لا يجوز لكم قبوله عن علي رضي الله عنه في الوصيفة المذكورة فيه من وقوعه عليها ; لأنها إنما كانت صارت في آله، وآله غيره، فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن المراد بآله هو نفسه عليه السلام، بمعنى أنها وقعت في نصيبه، فكان منه فيها ما كان ; لأن العرب تجعل آل الرجل الرجل، وتجعل آله صلبه.
ومنه ما قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما خاطب به عبد الله بن أبي أوفى لما جاء بصدقة أبيه.
السنن الكبرى للنسائي (7/ 443) 8428 - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا النضر بن شميل قال: حدثنا عبد الجليل بن عطية قال: حدثنا عبد الله بن بريدة قال: حدثني أبي قال: لم يكن أحد من الناس أبغض إلي من علي بن أبي طالب، حتى أحببت رجلا من قريش لا أحبه إلا على بغضاء علي، فبعث ذلك الرجل على خيل، فصحبته، وما أصحبه إلا على بغضاء علي، فأصاب سبيا، فكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه من يخمسه، فبعث إلينا عليا، وفي السبي وصيفة من أفضل السبي، فلما خمسه صارت الوصيفة في الخمس، ثم خمس فصارت في أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خمس فصارت في آل علي، فأتانا ورأسه يقطر فقلنا: ما هذا؟ فقال: ألم تروا الوصيفة؟ صارت في الخمس، ثم صارت في أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم صارت في آل علي، فوقعت عليها، فكتب وبعثني مصدقا لكتابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مصدقا لما قال علي: فجعلت أقول عليه: ويقول: صدق وأقول: ويقول: صدق، فأمسك بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أتبغض عليا؟ فقلت: نعم فقال: لا تبغضه، وإن كنت تحبه فازدد له حبا، فوالذي نفسي بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة فما كان أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي من علي قال عبد الله بن بريدة: والله ما في الحديث بيني وبين النبي صلى الله عليه وسلم غير أبي
فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل (2/ 690) 1180 - حدثنا عبد الله قال: حدثني أبي، نا يحيى بن سعيد قثنا عبد الجليل قال: انتهيت إلى حلقة فيها أبو مجلز وابنا بريدة، فقال عبد الله بن بريدة: حدثني أبي بريدة قال: أبغضت عليا بغضا لم أبغضه أحدا قط، قال: وأحببت رجلا من قريش لم أحبه إلا على بغضه عليا، قال: فبعث حيال الرجل على خيل، فصحبته ما أصحبه إلا على بغضه عليا، فأصبنا سبيا، قال: فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابعث إلينا من يخمسه، قال: فبعث إلينا عليا، وفي السبي وصيفة هي من أفضل السبي، فخمس وقسم، فخرج ورأسه يقطر، فقلنا يا أبا الحسن، ما هذا؟ قال: ألم تروا إلى الوصيفة التي كانت في السبي، فإني قسمت وخمست، فصارت في الخمس، ثم صارت في أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم صارت في آل علي، فوقعت بها، قال: وكتب الرجل إلى نبي الله، فقلت: ابعثني مصدقا، قال: فجعلت أقرأ الكتاب وأقول: صدق، قال: فأمسك يدي والكتاب قال: أتبغض عليا؟ قال: قلت: نعم، قال: فلا تبغضه، وإن كنت تحبه فازدد له حبا، فوالذي نفس محمد بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة ، قال: فما كان من الناس أحد بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي من علي.