أنَّ رجُلًا قال: يا رسولَ اللهِ، الحَجُّ كلَّ عامٍ؟ فقال: بل حَجَّةٌ على كلِّ إنسانٍ، ولو قلتُ: نعَمْ، كلَّ عامٍ، لكان كلَّ عامٍ.
أخرجه أبو داود (1721)، والنسائي (2620)، وابن ماجه (2886) بنحوه، وأحمد (2741) واللفظ له
قام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الناسِ ، فقال : كُتِبَ عليكمُ الحجَّ ! فقام رجلٌ من الأعرابِ ، فقال : أفي كلِّ عامٍ ؟ قال : فغَلِقَ كلامُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأسكتَ واستَغْضَبَ ، فمكثَ طويلًا ، ثم تكلَّمَ فقال : من السائلُ ؟ فقال الأعرابيُّ : أنا ذا ، فقال : ويحكَ ماذا يُؤْمِنُكَ أن أقولَ : نعم ، ولو قلتُ : نعم لوجبتْ ، ولو وجبتْ لكفرتم ! ألا إنَّهُ إنَّما أهلك الذين قبلكم أئمةُ الحرجِ ، واللهِ لو أني أحللتُ لكم جميعَ ما في الأرضِ ، وحَرَّمْتُ عليكم منها موضعَ خُفٍّ لوقعتم فيهِ ! قال : فأنزل اللهُ تعالى عند ذلك : ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوْا لَا تَسْأَلُوْا عَنْ أَشْيَاءَ? .
.
.
إلى آخرِ الآيةِ الراوي : أبو أمامة الباهلي المحدث : ابن جرير الطبري المصدر : تفسير الطبري الصفحة أو الرقم: 5/1/109 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه الطبري في ((التفسير)) (12807) واللفظ له، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (1474)، والطبراني (8/186) (7671) أمَر الشَّرعُ المُطهَّرُ بالوُقوفِ عندَ توجيهاتِ اللهِ ورَسولِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكَرِهَ كثْرَةَ الأسئلةِ التي قد يكونُ في جوابُها حَرَجٌ للأُمَّةِ وتَشْديدٌ عليها، كما حَدَثَ مع الأُمَمِ السابقةِ.
وفي هذا الحَديثِ يقولُ أبو أُمامَةَ الباهِليُّ رضِي اللهُ عنه: "قامَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الناسِ"، أي: قامَ فيهم خَطيبًا، "فقال: كُتِبَ عليكم الحَجُّ"، أي: فَرَضَ اللهُ عليكم الحجَّ بِقَولِهِ تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] ، "فقامَ رَجُلٌ من الأعْرابِ"، والأعْرابيُّ: ساكِنُ الصَّحْراءِ من العَرَبِ، "فقال: أَفِي كلِّ عامٍ؟"، أي: هل فرَضه اللهُ علينا في كلِّ عامٍ؟ قياسًا على الزَّكاةِ والصِّيامِ، "فغَلِقَ كلامُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأسْكَتَ واسْتَغْضَبَ"، أي: امْتنعَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن الكلامِ، وسكَتَ غضبًا من سؤالِ الأعْرابيِّ؛ لِمَا يُسبِّبُه من تَشْديدِ على الأُمَّةِ في هذا الرُّكْنِ، "فمَكَثَ طويلًا"، أي: طالَ سُكوتُهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، "ثم تكَلَّم فقال: مَنِ السائِلُ؟ فقال الأعْرابيُّ: أنا ذا"، أي: أنا هذا الذي سَأَلَ السؤالَ، "فقال: وَيْحَكَ!" وهي كلمةُ ترحُّمٍ وتوجُّعٍ تُقال لِمَن وقَعَ في هَلَكَةٍ لا يستحِقُّها، "ماذا يُؤَمِّنُك أنْ أقولَ: نعم؟"، أي: ما الذي يَضْمنُ لك أنَّني لنْ أقولَ: نعمْ؟ "ولو قُلْتُ: نعمْ، لوَجَبَتْ"، أي: لو أجَبْتُك بقولِ: نعَمْ لأصبَحَ الأمرُ فَرْضًا واجبًا لازمًا أن يَحُجَّ المسلِمُ كلَّ عامٍ، "ولو وَجَبَتْ لكَفَرْتُم" يعني: بتَرْكِ ما فَرَضَ اللهُ عليكم، وإطلاقُ الكُفْرِ إمَّا على مَنْ جَحَدَ الوُجوبَ؛ فهو على ظاهِرِهِ، وإمَّا على مَنْ تَرَكَ مع الإقْرارِ، فهو على سَبيلِ الزَّجْرِ والتَّغْليظِ.
قالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "أَلَا إنَّه إنَّما أهْلَكَ الذين قبلَكم أَئِمَّةُ الحَرَجِ"، أي: من أسْبابِ هَلَكَةِ الأُمَمِ قَبْلنا أنَّهم كان فيهم أُناسٌ يُكْثِرون الأسئلةَ فيما لا يُفيدُ ممَّا يتَرتَّب عليه فرْضُ أمورٍ شاقَّةٍ وصَعبةٍ عليهم، فصاروا أئِمَّةً غيْرَ مَسْبوقين في إحْراجِ الأئِمَّةِ كلِّها.
ثم قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "واللهِ لو أنِّي أحْلَلْتُ لكم جميعَ ما في الأرضِ، وحَرَّمْتُ عليكم منها مَوْضِعَ خُفِّ"، أي: قدْرَ مِساحةِ خُفِّ الجَمَلِ أو قدْرَ مِساحَةِ خُفٍّ يَلْبَسُهُ الإنسانُ في قَدَمِهِ "لوقعْتُم فيه"؛ وذلك لأنَّ الممنوعَ مرغوبٌ، والشَّيْطانُ يُوسْوِسُ للإيقاعِ في المحظورِ، وقد أقْسَمَ النَّبيُّ على ذلك لعِلْمِهِ بشِدَّةِ وَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، قال أبو أُمامَةَ رضِي اللهُ عنه: "فأَنْزَلَ اللهُ تعالى عندَ ذلك"، أي: كانت هذه القِصَّةُ سببًا في نُزولِ قوْلِهِ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [المائدة: 101] ، فنَهى اللهُ عزَّ وجلَّ عن كثْرَةِ السؤالِ في غيرِ حاجةٍ أو الذي قد يكونُ سببًا في التَّشْديدِ على المُسْلِمين.
وفي الحديثِ: أنَّ سُكوتَ الشَّرْعِ عن أشْياءَ، إنَّما هو رحْمةٌ من اللهِ بنا، ورفْعٌ للحَرَجِ وليس نِسْيانًا أو نقصًا( ).
[سنن أبي داود] (2/ 139) 1721- حدثنا زهير بن حرب، وعثمان بن أبي شيبة المعنى، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي سنان، عن ابن عباس ، أن الأقرع بن حابس، سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، الحج في كل سنة أو مرة واحدة قال: ((بل مرة واحدة، فمن زاد فهو تطوع)).
قال أبو داود: هو أبو سنان الدؤلي، كذا قال: عبد الجليل بن حميد، وسليمان بن كثير، جميعا عن الزهري، وقال عقيل، عن سنان.
[سنن النسائي] (5/ 111) 2620- أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله النيسابوري، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أنبأنا موسى بن سلمة، قال: حدثني عبد الجليل بن حميد، عن ابن شهاب، عن أبي سنان الدؤلي، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام، فقال: ((إن الله تعالى كتب عليكم الحج)) فقال الأقرع بن حابس التميمي كل عام يا رسول الله؟ فسكت، فقال: ((لو قلت نعم، لوجبت، ثم إذا لا تسمعون، ولا تطيعون، ولكنه حجة واحدة))
[سنن ابن ماجه] (2/ 963) 2886- حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: أنبأنا سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي سنان، عن ابن عباس ، أن الأقرع بن حابس، سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله الحج في كل سنة، أو مرة واحدة؟ قال: ((بل مرة واحدة، فمن زاد، فتطوع))
[مسند أحمد] (4/ 471) 2741- حدثنا سليمان بن داود أبو داود، قال: أخبرنا شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ، أن رجلا قال: يا رسول الله، الحج كل عام؟ فقال: ((بل حجة على كل إنسان، ولو قلت: نعم، كل عام، لكان كل عام))