قدِم عليَّ معاذٌ ، وأنا باليمنِ ، ورجلٌ كان يهوديًّا فأسلم ، فارتدَّ عن الإسلامِ ، فلمَّا قدِم معاذٌ قال : لا أنزلُ عن دابَّتي حتَّى يُقتَلَ : فقُتِل ! قال أحدُهما : وكان قد استُتِيب قبل ذلك
أخرجه أبو داود (4355)، والبيهقي (17336)
بَعَثَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أبَا مُوسَى ومُعَاذَ بنَ جَبَلٍ إلى اليَمَنِ، قالَ: وبَعَثَ كُلَّ واحِدٍ منهما علَى مِخْلَافٍ، قالَ: واليَمَنُ مِخْلَافَانِ، ثُمَّ قالَ: يَسِّرَا ولَا تُعَسِّرَا، وبَشِّرَا ولَا تُنَفِّرَا، فَانْطَلَقَ كُلُّ واحِدٍ منهما إلى عَمَلِهِ، وكانَ كُلُّ واحِدٍ منهما إذَا سَارَ في أرْضِهِ كانَ قَرِيبًا مِن صَاحِبِهِ أحْدَثَ به عَهْدًا، فَسَلَّمَ عليه، فَسَارَ مُعَاذٌ في أرْضِهِ قَرِيبًا مِن صَاحِبِهِ أبِي مُوسَى، فَجَاءَ يَسِيرُ علَى بَغْلَتِهِ حتَّى انْتَهَى إلَيْهِ، وإذَا هو جَالِسٌ وقَدِ اجْتَمع إلَيْهِ النَّاسُ، وإذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ قدْ جُمِعَتْ يَدَاهُ إلى عُنُقِهِ، فَقالَ له مُعَاذٌ: يا عَبْدَ اللَّهِ بنَ قَيْسٍ، أيُّمَ هذا؟ قالَ: هذا رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ، قالَ: لا أنْزِلُ حتَّى يُقْتَلَ، قالَ: إنَّما جِيءَ به لِذلكَ، فَانْزِلْ، قالَ: ما أنْزِلُ حتَّى يُقْتَلَ، فأمَرَ به فَقُتِلَ، ثُمَّ نَزَلَ، فَقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ، كيفَ تَقْرَأُ القُرْآنَ؟ قالَ: أتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقًا، قالَ: فَكيفَ تَقْرَأُ أنْتَ يا مُعَاذُ؟ قالَ: أنَامُ أوَّلَ اللَّيْلِ، فأقُومُ وقدْ قَضَيْتُ جُزْئِي مِنَ النَّوْمِ، فأقْرَأُ ما كَتَبَ اللَّهُ لِي، فأحْتَسِبُ نَوْمَتي كما أحْتَسِبُ قَوْمَتِي.
الراوي : أبو موسى الأشعري المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4341 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (1733) مختصراً باختلاف يسير كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُوَلِّي أصْحابَه على البُلدانِ، وكان يُوصِيهم بما يَنفَعُهم في الحُكمِ بيْن النَّاسِ، وبما يُقيمُ العَدْلَ فيهم، وكان يُوصِيهم بالتَّشاوُرِ في المُعضِلاتِ حتَّى يَصْدُروا عنِ اجْتِهادٍ، ورَأيِ الجَماعةِ.
وفي هذا الحَديثِ يَحْكي التَّابِعيُّ أبو بُرْدةَ عامرُ بنُ أبي مُوسى الأشْعَريِّ، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أرسَلَ أبا مُوسى الأشْعَريَّ ومُعاذَ بنَ جَبَلٍ رَضيَ اللهُ عنهما إلى اليَمَنِ، وهذه الرِّوايةُ تُوحِي بأنَّهما أُرسِلا معًا، وأوْصاهما معًا في وَقتٍ واحدٍ، ولكنْ ورَدَ عندَ النَّسائيِّ عن أبي مُوسى الأشْعَريِّ: «أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعَثَه إلى اليمَنِ، ثمَّ أرسَلَ مُعاذَ بنَ جبَلٍ بعْدَ ذلك»، وفي رِوايةٍ للبُخاريِّ: «ثمَّ أتْبَعَه مُعاذَ بنَ جَبلٍ».
ثمَّ أخبَرَ أبو بُرْدةَ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ بعَثَ كُلَّ واحِدٍ منهما على «مِخْلافٍ»، أي: إقْليمٍ، وكانتِ اليَمَنُ مُقسَّمةً إلى إقْليمَينِ، وكانت جِهةُ مُعاذِ بنِ جبَلٍ رَضيَ اللهُ عنه العُلْيا إلى صَوبِ عَدَنَ، وكان مِن عَمَلِه مِنطَقةُ الجَنَدِ: بفَتحِ الجيمِ والنُّونِ، وله بها مَسجِدٌ مَشهورٌ إلى اليومِ، وجِهةُ أبي موسى رَضيَ اللهُ عنه السُّفْلى، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «يَسِّرَا ولا تُعَسِّرَا»، أي: خُذَا بما فيه اليُسرُ والسُّهولةُ، ولا تَأخُذَا بما فيه الشِّدَّةُ، أو يَسِّرَا فيما كان مِن النَّوافلِ ممَّا كان شاقًّا؛ لئلَّا يُفضِيَ بصاحبِه إلى الملَلِ، فيَترُكَه أصلًا، أو يُعْجَبَ بعَمَلِه، فيُحْبَطَ، وفيما رُخِّصَ فيه مِن الفرائضِ، كصَلاةِ الفرضِ قاعدًا للعاجزِ، والفطرِ في الفرْضِ لمَن سافَرَ فيَشُقُّ عليه، «وبَشِّرَا ولا تُنَفِّرَا»، أي: بَشِّرا، ولا تُنذِرَا، وآنِسَا، ولا تُنفِّرَا، فجمَعَ بيْنَهما؛ ليَعُمَّ البِشارةَ، والنِّذارةَ، والتَّأْنيسَ، والتَّنْفيرَ.
وفي الإتْيانِ بلفظِ البِشارةِ والتَّنفيرِ؛ للإشارةِ إلى أنَّ الإنْذارَ لا يُنْفى مُطلقًا، بخِلافِ التَّنْفيرِ، فكأنَّه قيلَ: إنْ أنذَرْتم، فليَكُنْ بغيرِ تَنْفيرٍ.
فانطَلَقَ كُلُّ واحِدٍ منهما إلى عَمَلِه، وكان كُلُّ واحِدٍ منهما إذا سارَ في أرْضِه، وكان قَريبًا مِن صاحِبِه جدَّدَ العَهدَ بزيارةِ صاحبِه، فيَزورُه، ويُسلِّمُ عليه، فسارَ مُعاذُ بنُ جبَلٍ رَضيَ اللهُ عنه يومًا في أرْضِه قَريبًا مِن صاحِبِه أبي مُوسى رَضيَ اللهُ عنه، فذهَبَ إلى أبي مُوسى رَضيَ اللهُ عنه زائرًا، وكان راكبًا على بَغْلتِه، حتَّى انْتَهى إلى أبي مُوسى رَضيَ اللهُ عنه، فرآهُ جالِسًا وقدِ اجتَمَعَ إليه النَّاسُ، ووَجَدَ عندَه رَجلًا قدْ جُمِعَتْ يَداهُ إلى عُنُقِه، فَنادى مُعاذٌ أبا مُوسى رَضيَ اللهُ عنهما باسْمِه: «يا عَبْدَ اللَّهِ بنَ قَيْسٍ»، ثمَّ قال: «أيُّمَ هذا؟» أي: أيُّ شَيءٍ هَذا؟ فأَجابَه أبو مُوسى رَضيَ اللهُ عنه: هذا رَجلٌ ارتَدَّ وكفَرَ بعْدَ إسْلامِه.
فقال مُعاذٌ رَضيَ اللهُ عنه: لا أنزِلُ عن دابَّتي حتَّى يُقتَلَ، فقال أبو مُوسى رَضيَ اللهُ عنه: إنَّما جِيءَ به لذلك، فانزِلْ، قال: ما أنزِلُ حتَّى يُقتَلَ، فأمَرَ به أبو مُوسى رَضيَ اللهُ عنه، فقُتِلَ، ثمَّ نزَلَ مُعاذٌ رَضيَ اللهُ عنه.
فقال مُعاذُ بنُ جبَلٍ لأبي مُوسى رَضيَ اللهُ عنهما: يا عَبدَ اللهِ، كيف تَقْرأُ القُرآنَ؟ فأجابَه: «أتَفوَّقُه تَفوُّقًا»، أي: أقْرَؤُه شَيئًا بعْدَ شَيءٍ في آناءِ اللَّيلِ والنَّهارِ، يَعني لا أقْرَؤُه مرَّةً واحِدةً؛ بل أُفرِّقُ قِراءتَه على أوْقاتٍ، مَأْخوذٌ مِن فَواقِ النَّاقةِ، وهو أنْ تُحلَبَ، ثمَّ تُترَكَ مدَّةً حتَّى تُدِرَّ، ثمَّ تُحلَبَ، فسَألَ أبو مُوسى مُعاذًا رَضيَ اللهُ عنهما: فكَيف تَقْرأُ أنتَ يا مُعاذُ؟ قال: أنامُ أوَّلَ اللَّيلِ، فأقومُ وقدْ قَضَيتُ جُزْئي مِن النَّومِ، فأُجزِّئُ اللَّيلَ أجْزاءً؛ جُزْءًا للنَّومِ، وجُزْءًا للقِراءةِ والقيامِ، فأقْرأُ ما كتَبَ اللهُ لي، فأحْتَسِبُ نَوْمَتي كما أحْتَسِبُ قَوْمَتي، أي: أطلُبُ الثَّوابَ في الرَّاحةِ كما أطْلُبُه في التَّعَبِ؛ لأنَّ الرَّاحةَ إذا قُصِدَ بها الإعانةُ على العِبادةِ، حصَلَ بها الثَّوابُ.
وفي الحَديثِ: أنَّ العالِمَ والواعِظَ والمَقبولَ مِن قَولِه مَأْمورٌ بألَّا يُقنِّطَ النَّاسَ، وأنْ يُيَسِّرَ على المُبتَدِئِ في الإسْلامِ، ولا يُفاجِئَه بالشِّدَّةِ.
وفيه: الأُلْفةُ والمَودَّةُ بيْن الصَّحابةِ.
وفيه: تَقْديمُ أفاضِلِ النَّاسِ على العمَلِ واخْتِصاصِ العُلماءِ منهم.
وفيه: سُؤالُ الصَّاحِبِ صاحِبَه عن عِبادَتِه وحالِه معَ ربِّه.
وفيه: أنَّ القَتلَ عُقوبةُ المُرتَدِّ عنِ الإسْلامِ إلى الكُفرِ.
[سنن أبي داود] (4/ 127) 4355- حدثنا الحسن بن علي، حدثنا الحماني، يعنى عبد الحميد ابن عبد الرحمن، عن طلحة بن يحيى، وبريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى ، قال: قدم علي معاذ، وأنا باليمن، ورجل كان يهوديا فأسلم فارتد عن الإسلام، فلما قدم معاذ، قال: ((لا أنزل عن دابتي حتى يقتل))، فقتل، قال أحدهما: وكان قد استتيب قبل ذلك.
[سنن أبي داود] (4/ 127)
((4356- حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا حفص، حدثنا الشيباني، عن أبي بردة، بهذه القصة، قال: فأتي أبو موسى برجل قد ارتد عن الإسلام، فدعاه عشرين ليلة أو قريبا منها، فجاء معاذ، فدعاه، فأبى، فضرب عنقه.
قال أبو داود: ورواه عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة، لم يذكر الاستتابة، ورواه ابن فضيل، عن الشيباني، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى، لم يذكر فيه الاستتابة)).
[سنن أبي داود] (4/ 128)
((4357- حدثنا ابن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا المسعودي، عن القاسم ، بهذه القصة قال: فلم ينزل حتى ضرب عنقه وما استتابه)).
السنن الكبرى للبيهقي- دائرة المعارف (8/ 206) 17336- أخبرنا أبو على الروذبارى أخبرنا أبو بكر بن داسة حدثنا أبو داود حدثنا الحسن بن على حدثنا الحمانى يعنى عبد الحميد بن عبد الرحمن عن طلحة بن يحيى وبريد بن عبد الله بن أبى بردة عن أبى بردة عن أبى موسى قال: قدم على معاذ رضى الله عنه وأنا باليمن ورجل كان يهوديا فأسلم فارتد عن الإسلام فلما قدم معاذ قال: لا أنزل عن دابتى حتى يقتل فقتل قال أحدهما وكان قد استتيب قبل ذلك.