توُفِّيَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ وعِندَنا شَطرٌ من شعيرٍ فأَكَلنا منهُ ما شاءَ اللَّهُ ، ثمَّ قلتُ للجاريةِ : كيليهِ ، فَكالَتهُ فلم يلبَثْ أن فَنيَ قالَت : فلو كنَّا ترَكْناهُ لأَكَلنا منهُ أَكْثرَ من ذلِكَ
أخرجه الترمذي (2467)، وهناد بن السري في ((الزهد)) (2/ 379) واللفظ لهما، والبخاري (6451)، ومسلم (2973) كلاهما بمعناه.أخرجه الترمذي (2467)، وهناد بن السري في ((الزهد)) (2/ 379) واللفظ لهما، والبخاري (6451)، ومسلم (2973) كلاهما بمعناه.
جَعَل اللهُ عزَّ وجلَّ في كثيرٍ مِن الأشياءِ برَكةً، ومِن ذلك أن يَترُكَ الإنسانُ كَيْلَ القوتِ؛ حتَّى يَكونَ هذا داعيًا إلى الإنفاقِ في سَبيلِ اللهِ سبحانه وتعالى، والتَّصدُّقِ على المُحتاجين، وعدَمِ الشُّحِّ والبُخلِ.
وفي هذا الحديثِ تقولُ أمُّ المؤمِنين عائشةُ رَضِي اللهُ عَنها: "تُوفِّي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم وعِندَنا شَطرٌ"، أي: في بَيتِنا جزءٌ وبعضٌ مِن شعيرٍ، وقيل: نِصفُ وَسْقٍ منه أو نصفُ صاعٍ، "مِن شعيرٍ" كان مِن باقي نفَقتِها الَّتي كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم يُعْطيها لها، "فأكَلْنا"، أي: كانتْ عائشةُ رضِيَ اللهُ عنها ومَن معَها مِن أهلِ بيتِها يأكُلون "مِنه"، أي: مِن شَطْرِ الشَّعيرِ، "ما شاء اللهُ"، أي: ظَلُّوا يأكُلون منه زمنًا طويلًا، "ثمَّ قلتُ"، أي: قالت عائشةُ "للجاريةِ"، أي: الخادمةِ: "كِيليه" أمرٌ مِن الكيلِ، أي: كيلي ما تبَقَّى مِن الشَّعيرِ، "فكالَتْه" الجاريةُ، "فلَم يَلبَثْ" هذا الشَّعيرُ، "أن فَنِي" وانتَهى بعدَ أنْ كِلْناه، "قالت" أمُّ المؤمنين عائشةُ رَضِي اللهُ عَنها: "فلو كنَّا ترَكْناه"، أي: ترَكْنا هذا الشَّعيرَ ولم نَكِلْه، "لأَكَلْنا"، أي: ظَلِلْنا نَأكُلُ، "منه"، أي: مِن الشَّعيرِ، "أكثَرَ مِن ذلك"؛ لأنَّنا عِندَما كِلْناه ذهَبَت برَكتُه بالكيلِ، ففَنِي بسُرعةٍ؛ فلعلَّ ذلك لأنَّ الباعِثَ على كيلِه يَكونُ غالِبًا الحِرْصَ، وهذا يُقلِّلُ مِن التَّوكُّلِ.
وقولُ أمِّ المؤمِنين هنا: "فلو كُنَّا ترَكْناه لأَكَلْنا منه أكثَرَ مِن ذلك" لا تَعارُضَ بينَه وبينَ الحَديثِ الذي أخرجَه البخاريُّ عن المقدامِ بنِ مَعْد يكَرِبَ: "كِيلُوا طَعامَكم يُبارَكْ لكم فيه"؛ لأنَّ هذا مَعناه مَعرفةُ المقدارِ عندَ البَيعِ والشِّراءِ؛ حتَّى لا يَكونَ مَجهولًا، أو عِندَ طَحنِه، وكذلك عند ادِّخارِ المرءِ طَعامَ سنَتِه؛ لِيَكونَ على عِلمٍ ويَقينٍ بما يدَّخِرُه على قَدْرِ كِفايةِ أهلِه، فتَحصُلَ البرَكةُ مِن اللهِ في ذلك، وهي لحِكْمةٍ نَجهَلُها في الحَقيقةِ؛ فالكيلُ في هذه الأحوالِ مأمورٌ به لإقامةِ القِسْطِ والعدلِ، وفيه البركةُ والخيرُ، أمَّا في حَديثِ عائشةَ رضِيَ اللهُ عنها فإنَّه كَيلٌ عند الإنفاقِ وهو إحصاءٌ وضبطٌ، واستكثارٌ لِمَا خرَج مِنه وهو مَنهيٌّ عنه، وقد يَبعَثُ عليه الشُّحُّ؛ وقد يكونُ الأمرُ مُرتبِطًا ببرَكةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما كان عندَها، فلمَّا كالَتْه رُفِعَت تلك البرَكةُ.
وفي الحَديثِ: تغليبُ التَّوكُّلِ على اللهِ في جميعِ الأمورِ.
سنن الترمذي (4/ 643) :
2467 - حدثنا هناد قال: أخبرنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ، قالت: " توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندنا شطر من شعير فأكلنا منه ما شاء الله، ثم قلت للجارية: كيليه، فكالته فلم يلبث أن فني " قالت: فلو كنا تركناه لأكلنا منه أكثر من ذلك: " هذا حديث صحيح ومعنى قولها شطر: تعني شيئا "
الزهد لهناد بن السري (2/ 379) :
حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: " توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندنا شطر من شعير ، فأكلنا منه ما شاء الله، ثم قلت للجارية: كيليه، فكالته فلم يلبث أن فني.
قالت: ولو كنا تركناه لأكلنا منه فيما أحسب أكثر من ذلك"
[صحيح البخاري] (8/ 96) :
6451 - حدثنا عبد الله بن أبي شيبة: حدثنا أبو أسامة: حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم وما في رفي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي، فأكلت منه حتى طال علي فكلته ففني
[صحيح مسلم] (4/ 2282 ت عبد الباقي) :
(2973) حدثنا أبو كريب، محمد بن العلاء بن كريب.
حدثنا أبو أسامة عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت:
توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في رفي من شيء يأكله ذو كبد.
إلا شطر شعير في رف لي.
فأكلت منه حتى طال علي.
فكلته ففني.