كنَّا معَ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ- فشخصَ ببصرِهِ إلى السَّماءِ ثمَّ قالَ هذا أوانٌ يُختَلَسُ العِلمُ منَ النَّاسِ حتَّى لا يقدِروا منهُ علَى شيءٍ فقالَ زيادُ بنُ لَبيدٍ الأنصاريُّ كيفَ يُختَلَسُ العِلمُ منَّا وقد قَرأنا القرآنَ فواللَّهِ لنَقرأنَّهُ ولنُقرِئنَّهُ نساءَنا وأبناءَنا فقالَ ثَكِلَتكَ أمُّكَ يا زيادُ إن كُنتُ لأعدُّكَ مِن فُقَهاءِ أهلِ المدينةِ هذهِ التَّوراةُ والإنجيلُ عندَ اليَهودِ والنَّصارَى فَماذا تُغني عَنهم قالَ جُبَيرٌ فلَقيتُ عُبادةَ بنَ الصَّامتِ قلتُ ألا تسمَعُ إلى ما يقولُ أخوكَ أبو الدَّرداءِ فأخبَرتُهُ بالَّذي قالَه أبو الدَّرداءِ قالَ صدقَ أبو الدَّرداءِ إن شئتَ لأحدِّثنَّكَ بأوَّلِ عِلمٍ يُرفَعُ منَ النَّاسِ الخشوعُ يوشِكُ أن تدخُلَ مسجدَ جماعةٍ فلا ترَى فيهِ رجلًا خاشعًا

الدلالات الموضوعية:# صلاة الجماعة والإمامة - الخشوع في الصلاة# قرآن - أقوام يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم# مناقب وفضائل - زياد بن لبيد# أشراط الساعة - قلة العلم وانتشار الجهل# علم - قبض العلم وفشو الجهل
المصدر: صحيح الترمذي
الراوي: أبو الدرداء
المحدث: الألباني
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه الترمذي (2653) واللفظ له، والدارمي (296)، والحاكم (342) باختلاف يسير

الشرح والتوضيح

الخُشوعُ الَّذي يصِلُ إلى القلْبِ هو مِن فوائدِ العِلْمِ وثَمراتِه؛ فالعَلاقَةُ قَويَّةٌ وشديدَةُ الارتِباطِ بين العِلْمِ والخُشوعِ.

وفي هذا الحديثِ يقولُ أبو الدَّرْداءِ رضِيَ اللهُ عنه: كنَّا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم "فشخَصَ ببصَرِه"، أي: جعَل يرفَعُ بصَرَه إلى السَّماءِ ثمَّ قال: "هذا أَوانُ يُختَلَسُ"، أي: هذا هو الوقْتُ الذي يُرفَعُ ويُسلَبُ فيه "العِلْمُ مِن النَّاسِ"، ورَفْعُ العلْمِ يكونُ بموْتِ العُلَماءِ، وابتعادِ النَّاسِ عن العمَلِ بالعلْمِ، وقيل: هو موْتُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم وانقِطاعُ الوحْيِ، "حتَّى لا يَقدِروا منه على شيءٍ"، يعني: حتى لا يَستطِيعوا الوصُولَ إلى شيءٍ مِن العلْمِ، فتعَجَّب رجُلٌ مِن الصَّحابةِ؛ وهو زِيادُ بنُ لَبِيدٍ الأنصارِيُّ وسأَل النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، فقال: "كيف يُختلَسُ"، أي: يُرفَعُ العِلْمُ ويَضيعُ "مِنَّا، وقد قرَأْنا القرْآنَ؟"، أي: إنَّ القرْآنَ بيْن أيدِينا وحَفِظْناه، ثمَّ أقْسَم زيادٌ: " فوَاللهِ لنَقرَأنَّه"، أي: القرْآنَ، "ولنُقرِئنَّه نِساءَنا وأبناءَنا"، أي: نعلِّمُه ونحفِّظُه أبناءَنا ونِساءَنا، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم متعجِّبًا: "ثَكِلَتْكَ أمُّك"، أي: فقَدَتْك أمُّك يا زِيادُ، "إنْ كنتُ لأَعُدُّكَ مِن فُقَهاءِ"، أي: إنْ كنتُ أحسبك مِن علَماءِ "أهْلِ المدينَةِ"، ثمَّ بيَّن له النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم فقال: "هذه التَّوراةُ والإنجِيلُ عند اليَهودِ والنَّصارَى"؛ والمقصُودُ: أنَّهم لَم يَعمَلُوا بما فيهِما، ولَم يَفهَموا معانِيَهما وحرَّفُوهما، "فماذا تُغْني عنهم؟"، أي: ما نفَعَتْهم، وما استفادوا مِن مَقصُودِهما؛ وهو العمَلُ بما عَلِموا.

فقال جُبَيرٌ -وهو ابنُ نُفَيْرٍ رَاوي الحَديثِ عن أبي الدَّرْداءِ-: فلَقِيتُ عُبادَةَ بنَ الصَّامِتِ، قلتُ: "ألَا تسَمُعُ إلى ما يَقولُ أخوك أبو الدَّرداءِ"، وكأنَّه يُريدُ أنْ يَتثبَّتَ مِن الحديثِ، فقال عُبادَةُ: "صدَق أبو الدَّرْداءِ"، أي: إنَّ الَّذي قاله كان صِدْقًا، ثمَّ قال عُبادَةُ لجُبَيرٍ: "إنْ شِئتَ" وأردْتَ "لأُحدِّثَنَّك بأوَّلِ علْمٍ يُرفَعُ مِن النَّاسِ؛ الخُشوعُ"، والخُشوعُ معناه الخشْيةُ والسَّكينَةُ والتَّواضُعُ للهِ، ثمَّ قال: "يُوشِكُ"، أي: قرُبَ وقْتُ وزَمانُ "أنْ تدخُلَ مَسجِدَ جماعَةٍ"، أي: مسجِدًا تُقامُ فيه الصَّلواتُ جماعَةً، "فلا تَرى فيه رجلًا خاشِعًا"، فيقِفُ المسلِمُ في صلاتِه لاهِيًا غيرَ متدبِّرٍ في صَلاتِه.

وفي الحديثِ: بيانُ أنَّ بَعضَ العِلمِ سيُرفَعُ، وأنَّ على المسلمِ أنْ يُسابَقَ بالعملِ.

وفيه: التحذيرُ مِن ترْكِ الخشوعِ في الصَّلاةِ، وأنَّ ترْكَه يُنذِرُ برفْعِ العِلمِ مِن الناسِ.

الأصول والأحكام

[سنن الترمذي] (5/ 31) :

‌2653 - حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن قال: أخبرنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه جبير بن نفير، عن أبي الدرداء ، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال: ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟ قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت، قلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس؟ الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى فيه رجلا خاشعا: هذا حديث حسن غريب، ومعاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدا تكلم فيه غير يحيى بن سعيد القطان، وقد روي عن معاوية بن صالح، نحو هذا وروى بعضهم هذا الحديث عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم

[مسند الدارمي - ت حسين أسد] (1/ 333) :

296 - أخبرنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه جبير بن نفير، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ‌فشخص ‌ببصره ‌إلى ‌السماء ثم قال: هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء فقال زياد بن لبيد الأنصاري: يا رسول الله، وكيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه، ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال: ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا يغني عنهم؟ قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قلت ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قال.

قال: صدق أبو الدرداء إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيه رجلا خاشعا

‌‌[[تعليق المحقق]] إسناده ضعيف عبد الله بن صالح سيئ الحفظ وفيه غفلة وباقي رجاله ثقات

المستدرك على الصحيحين للحاكم (ط التأصيل) (1/ 397)342 - حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل القارئ، وأبو الحسن أحمد بن محمد العنبري، قالا: ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه جبير، عن أبي الدرداء ، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء قال: فقال زياد بن لبيد الأنصاري: يا رسول الله وكيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن، فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال: ثكلتك أمك يا زياد، إني كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذا التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا يغني عنهم؟ .

قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت، فقلت له: ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء وأخبرته بالذي قال، قال: صدق أبو الدرداء إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيه رجلا خاشعا هذا إسناد صحيح من حديث البصريين .

وفيه شاهد رابع على صحة الحديث وهو عبادة بن الصامت، ولعل متوهما أن جبير بن نفير رواه مرة عن عوف بن مالك الأشجعي، ومرة عن أبي الدرداء فيصير به الحديث مطولا، وليس كذلك فإن رواة الإسنادين جميعا ثقات وجبير بن نفير الحضرمي من أكابر تابعي الشام، فإذا صح الحديث عنه الإسنادين جميعا فقد ظهر أنه سمعه من الصحابيين جميعا، والدليل الواضح على ما ذكرته أن الحديث قد روي بإسناد صحيح عن زياد بن لبيد الأنصاري الذي ذكر مراجعته رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديثين

أحاديث ذات صلة