خرَجنا معَ رسولِ اللَّهِ ، لخمسٍ بقينَ من ذي القعدةِ ، لا نرى إلَّا الحجَّ حتَّى إذا دنَونا من مَكَّةَ ، أمرَ رسولُ اللَّهِ من لم يَكُن معَهُ هدْيٌ إذا طافَ بالبيتِ أن يَحلَّ

الدلالات الموضوعية:# حج - فسخ الحج إلى العمرة وعكسه# حج - التمتع بالحج# حج - القران بالحج# حج - حجة النبي صلى الله عليه وسلم
المصدر: صحيح النسائي
الراوي: عائشة أم المؤمنين
المحدث: الألباني
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (1720)، ومسلم (1211)، وأبو داود (1783)، والنسائي (2650) واللفظ له، وابن ماجه (2981)، وأحمد (25660)

الشرح والتوضيح

دَخَلْنَا علَى جَابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، فَسَأَلَ عَنِ القَوْمِ حتَّى انْتَهَى إلَيَّ، فَقُلتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ حُسَيْنٍ، فأهْوَى بيَدِهِ إلى رَأْسِي، فَنَزَعَ زِرِّي الأعْلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الأسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بيْنَ ثَدْيَيَّ وَأَنَا يَومَئذٍ غُلَامٌ شَابٌّ، فَقالَ: مَرْحَبًا بكَ يا ابْنَ أَخِي، سَلْ عَمَّا شِئْتَ، فَسَأَلْتُهُ، وَهو أَعْمَى، وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَقَامَ في نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفًا بهَا، كُلَّما وَضَعَهَا علَى مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إلَيْهِ؛ مِن صِغَرِهَا، وَرِدَاؤُهُ إلى جَنْبِهِ علَى المِشْجَبِ، فَصَلَّى بنَا، فَقُلتُ: أَخْبِرْنِي عن حَجَّةِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ بيَدِهِ فَعَقَدَ تِسْعًا، فَقالَ: إنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ في النَّاسِ في العَاشِرَةِ أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ حَاجٌّ، فَقَدِمَ المَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ برَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ.

فَخَرَجْنَا معهُ، حتَّى أَتَيْنَا ذَا الحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بنَ أَبِي بَكْرٍ، فأرْسَلَتْ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: كيفَ أَصْنَعُ؟ قالَ: اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بثَوْبٍ وَأَحْرِمِي.

فَصَلَّى رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ في المَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ، حتَّى إذَا اسْتَوَتْ به نَاقَتُهُ علَى البَيْدَاءِ، نَظَرْتُ إلى مَدِّ بَصَرِي بيْنَ يَدَيْهِ، مِن رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذلكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذلكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذلكَ، وَرَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعليه يَنْزِلُ القُرْآنُ، وَهو يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَما عَمِلَ به مِن شَيءٍ عَمِلْنَا بهِ.

فَأَهَلَّ بالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لا شَرِيكَ لكَ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بهذا الذي يُهِلُّونَ به، فَلَمْ يَرُدَّ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عليهم شيئًا منه، وَلَزِمَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ تَلْبِيَتَهُ.

قالَ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: لَسْنَا نَنْوِي إلَّا الحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ العُمْرَةَ، حتَّى إذَا أَتَيْنَا البَيْتَ معهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إلى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ عليه السَّلَام، فَقَرَأَ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] ، فَجَعَلَ المَقَامَ بيْنَهُ وبيْنَ البَيْتِ، فَكانَ أَبِي يقولُ -وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إلَّا عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ-: كانَ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وَ{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}.

ثُمَّ رَجَعَ إلى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ البَابِ إلى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] ، أَبْدَأُ بما بَدَأَ اللَّهُ به، فَبَدَأَ بالصَّفَا، فَرَقِيَ عليه، حتَّى رَأَى البَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهو علَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بيْنَ ذلكَ، قالَ مِثْلَ هذا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إلى المَرْوَةِ، حتَّى إذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ في بَطْنِ الوَادِي سَعَى، حتَّى إذَا صَعِدَتَا مَشَى، حتَّى أَتَى المَرْوَةَ، فَفَعَلَ علَى المَرْوَةِ كما فَعَلَ علَى الصَّفَا، حتَّى إذَا كانَ آخِرُ طَوَافِهِ علَى المَرْوَةِ، فَقالَ: لو أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِن أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فمَن كانَ مِنكُم ليسَ معهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، فَقَامَ سُرَاقَةُ بنُ مَالِكِ بنِ جُعْشُمٍ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، أَلِعَامِنَا هذا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً في الأُخْرَى، وَقالَ: دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ –مَرَّتَيْنِ- لا، بَلْ لأَبَدِ أَبَدٍ.

وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ اليَمَنِ ببُدْنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِمَّنْ حَلَّ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكْتَحَلَتْ، فأنْكَرَ ذلكَ عَلَيْهَا، فَقالَتْ: إنَّ أَبِي أَمَرَنِي بهذا، قالَ: فَكانَ عَلِيٌّ يقولُ بالعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مُحَرِّشًا علَى فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ، مُسْتَفْتِيًا لِرَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فِيما ذَكَرَتْ عنْه، فأخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذلكَ عَلَيْهَا، فَقالَ: صَدَقَتْ صَدَقَتْ، مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الحَجَّ؟ قالَ: قُلتُ: اللَّهُمَّ إنِّي أُهِلُّ بما أَهَلَّ به رَسولُكَ، قالَ: فإنَّ مَعِيَ الهَدْيَ، فلا تَحِلُّ، قالَ: فَكانَ جَمَاعَةُ الهَدْيِ الذي قَدِمَ به عَلِيٌّ مِنَ اليَمَنِ وَالَّذِي أَتَى به النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مِائَةً.

قالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا، إلَّا النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَمَن كانَ معهُ هَدْيٌ، فَلَمَّا كانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلى مِنًى، فأهَلُّوا بالحَجِّ، وَرَكِبَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَصَلَّى بهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بقُبَّةٍ مِن شَعَرٍ تُضْرَبُ له بنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إلَّا أنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ كما كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ في الجَاهِلِيَّةِ، فأجَازَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ حتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ القُبَّةَ قدْ ضُرِبَتْ له بنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بهَا، حتَّى إذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بالقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ له، فأتَى بَطْنَ الوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ وَقالَ: إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ علَيْكُم، كَحُرْمَةِ يَومِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، أَلَا كُلُّ شَيءٍ مِن أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وإنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِن دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بنِ الحَارِثِ، كانَ مُسْتَرْضِعًا في بَنِي سَعْدٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا؛ رِبَا عَبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، فإنَّه مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ في النِّسَاءِ؛ فإنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عليهنَّ أَنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فإنْ فَعَلْنَ ذلكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ علَيْكُم رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمَعروفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ ما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إنِ اعْتَصَمْتُمْ به؛ كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَما أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قالوا: نَشْهَدُ أنَّكَ قدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقالَ بإصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إلى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إلى النَّاسِ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بيْنَهُما شيئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ حتَّى أَتَى المَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ إلى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ المُشَاةِ بيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حتَّى غَابَ القُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حتَّى إنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، ويقولُ بيَدِهِ اليُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ، كُلَّما أَتَى حَبْلًا مِنَ الحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حتَّى تَصْعَدَ، حتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بهَا المَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بأَذَانٍ وَاحِدٍ وإقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بيْنَهُما شيئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ حتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، وَصَلَّى الفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ له الصُّبْحُ بأَذَانٍ وإقَامَةٍ.

ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ حتَّى أَتَى المَشْعَرَ الحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الفَضْلَ بنَ عَبَّاسٍ، وَكانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا، فَلَمَّا دَفَعَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مَرَّتْ به ظُعُنٌ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يَدَهُ علَى وَجْهِ الفَضْلِ، فَحَوَّلَ الفَضْلُ وَجْهَهُ إلى الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ علَى وَجْهِ الفَضْلِ، يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ، حتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الوُسْطَى الَّتي تَخْرُجُ علَى الجَمْرَةِ الكُبْرَى، حتَّى أَتَى الجَمْرَةَ الَّتي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مع كُلِّ حَصَاةٍ منها، مِثْلِ حَصَى الخَذْفِ، رَمَى مِن بَطْنِ الوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى المَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ ما غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ في هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِن كُلِّ بَدَنَةٍ ببَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ، فأكَلَا مِن لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِن مَرَقِهَا.

ثُمَّ رَكِبَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فأفَاضَ إلى البَيْتِ، فَصَلَّى بمَكَّةَ الظُّهْرَ، فأتَى بَنِي عبدِ المُطَّلِبِ، يَسْقُونَ علَى زَمْزَمَ، فَقالَ: انْزِعُوا بَنِي عبدِ المُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ علَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ معكُمْ، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ منه.

الراوي : جابر بن عبدالله المحدث : مسلم المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 1218 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه أبو داود (1905)، وابن ماجه (3074)، والدارمي (1892) جميعهم مطولا.

الحجُّ الرُّكنُ الخامسُ مِن أَركانِ الإِسْلامِ، وهوَ عِبادةٌ لمَنِ استَطاعَ إليها سَبيلًا، وتُؤخَذُ جميعُ أَعمالِه مِن سُنَّةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، وكان التَّابعونَ يَذهَبونَ إلى أصْحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليَسْألوهم ويَتعلَّموا منهم حديثَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأفْعالَه وأقْوالَه في العِباداتِ.

وفي هذا الحَديثِ يَرْوي التَّابِعيُّ محمَّدُ بنُ عليِّ بنِ الحُسَينِ المعروفُ بالباقِرِ -وهو من نَسلِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- أنَّه دخَلَ هو وآخَرونَ على جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضيَ اللهُ عنهما، فسأَلَ عنِ الدَّاخِلينَ عليه واحدًا واحدًا، وكان جابرٌ رَضيَ اللهُ عنه حينَئذٍ أعْمَى؛ حيث عَمِيَ في آخرِ عُمرِه، فلمَّا وصَلَ بالسُّؤالِ إلى محمَّدِ بنِ عليِّ بنِ حُسَينٍ، وقد أعلَمَه باسْمِه، مدَّ يدَه إلى رأسِ محمَّدٍ، فنزَعَ زِرَّه الأعْلى الَّذي يوضَعُ في القَميصِ، ثمَّ نزَعَ زِرَّه الأسْفلَ، أي: أخرَجَه مِن عُرْوتِه ليَكشِفَ صَدرَه عنِ القَميصِ ويضَعَ يدَه عليه؛ لكمالِ الشَّفَقةِ عليه؛ لكَونِه مِن أهْلِ بيتِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ورحَّبَ به، وفعَلَ جابرٌ معَه ذلك تأْنيسًا له لصِغَرِه، حيث كان محمَّدٌ يومَئذٍ غلامًا شابًّا، وقال له: «مَرحَبًا بكَ يا ابْنَ أَخِي» أرادَ به أُخوَّةَ الدِّينِ لا النَّسبِ، وكلُّ فِعلِ جابرٍ هذا هو من بابِ تَعظيمِ أهْلِ البَيتِ ومَعرفةِ قَدْرِهم، وتَمييزِهم على غيرِهم وإنْزالِهم مَنازلَهمُ اللَّائقةَ بهم.

وطلَبَ منه جابرٌ رَضيَ اللهُ عنه أنْ يسأَلَه عمَّا يَشاءُ، فسأَلَه، وجاء وقتُ الصَّلاةِ، فقامَ جابرٌ رَضيَ اللهُ عنه في مِلحَفةٍ أو بُردةٍ مَنسوجةٍ، مُلتَفًّا بها، كلَّما وضَعَها على مَنكِبِه -وهو مُجتَمَعُ أوَّلِ الذِّراعِ معَ الكَتِفِ- سقَطَ عن كَتِفِه طرَفاها مِن صِغَرِها، ورِداؤُه -وهو الثَّوبُ الَّذي يستُرُ النِّصفَ الأعْلى منَ الجسَدِ- موضوعٌ إلى جَنبِه على «المِشْجَبِ»، وهو عِيدانٌ أو خَشَباتٌ تُضَمُّ رؤوسُها، ويُفرَّجُ بينَ قَوائمِها توضَعُ عليها الثِّيابُ، فصلَّى بهم جابرٌ رَضيَ اللهُ عنه إمامًا في تلك الصَّلاةِ الَّتي حضَرَتْ، وبعدَ الصَّلاةِ طلَبَ منه مُحمَّدُ بنُ عليِّ بنِ الحُسَينِ أنْ يُخبِرَه عن حَجَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقد حجَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مرَّةً واحدةً، وتُسَمَّى حَجَّةَ الوَداعِ، فأشارَ جابرٌ رَضيَ اللهُ عنه بيدِه وضمَّ تِسعًا من أصابِعِه، حيث كان العربُ يَستَعمِلونَ الأصابعَ في الحسابِ، فكأنَّه أرادَ عدَّ الأرْقامِ من واحدٍ إلى تسعةٍ، ثُمَّ أخبَرَ جابرٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ظلَّ تِسعَ سِنينَ في المدينةِ بعدَ الهِجرةِ لم يحُجَّ، ثمَّ في السَّنةِ العاشرةِ بعدَ الهجرةِ أمَرَ بالنِّداءِ في النَّاسِ وإعْلامِهم أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ سيَحُجُّ هذا العامَ، وذلك حِرصًا منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يجمَعَ أكبَرَ عددٍ من أصْحابِه رَضيَ اللهُ عنهم؛ ليَتأهَّبوا للحَجِّ معَه، ويَتعلَّموا المناسِكَ والأحْكامَ، ويَشهَدوا أقْوالَه وأفْعالَه، ويُوصيَهم؛ ليُبلِّغَ الشَّاهدُ الغائبَ، وتَشيعَ دعوةُ الإسْلامِ، ولم يَقتصِرِ النِّداءُ على أهلِ المدينةِ، بل تَعدَّى إلى جميعِ أنْحاءِ الأمْصارِ والبُلدانِ، وعلى إثْرِ هذا النِّداءِ، جاء المدينةَ الكثيرُ مِنَ النَّاسِ، كلُّهم يَبتَغي ويُريدُ أنْ يَقتديَ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويعمَلَ مِثلَ عمَلِه في الحجِّ؛ لأنَّه القُدوةُ الحَسَنةُ.

ويُخبِرُ جابرٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّهم خَرَجوا معَه وقدْ بَقِيَت خَمسُ لَيالٍ مِن شَهْرِ ذي القَعْدةِ كما في رِوايةِ النَّسائيِّ، وفي الصَّحيحَينِ من حديثِ عائشةَ رَضيَ اللهُ عنها أنَّه قد خرَجَ منَ المدينةِ نَهارًا بعدَ أنْ صلَّى الظُّهرَ أربعًا بالمدينةِ، وخرَجَ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ، حتَّى نزَلَ بذي الحُلَيفةِ، وهي مِيقاتُ أهلِ المدينةِ ومَن مرَّ بها مِن غيرِ أهْلِها، وهي قريةٌ بينَها وبينَ المدينةِ سِتَّةُ أميالٍ أو سَبعةٌ (10 كم تقريبًا)، وتُسمَّى اليومَ عندَ العامَّةِ أبيارَ عليٍّ أو آبارَ عليٍّ، وتَبعُدُ عن مكَّةَ حَوالَيْ 420 كيلومترًا.

وفي هذا المكانِ ولَدَتْ أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ زوجةُ أبي بَكرٍ الصِّديقِ ابنَها مُحمَّدَ بنَ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنهم، فأرسلَتْ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تَسألُه: كيف تصنَعُ في إحْرامِها بعدَ أنْ نُفِسَتْ؟ فأمَرَها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ تَغتسِلَ للنَّظافةِ؛ لأنَّ دمَ النِّفاسِ لا يَنقطِعُ إلَّا بعدَ انقِطاعِ مدَّةِ النِّفاسِ، ولذلك أمَرَها بقَولِه: «وَاسْتَثْفِرِي»، والاسْتِثْفارُ هو جَعلُ ثَوبٍ أو خِرقةٍ على محلِّ الدَّمِ -الفَرْجِ- يمنَعُ من نُزولِ الدَّمِ، وأمَرَها صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ تُحرِمَ بالنِّيَّةِ والتَّلبيةِ، وَالحائضُ والنُّفَساءُ يصِحُّ مِنهما جَميعُ أَفْعالِ الحجِّ إلَّا الطَّوافَ؛ لمَا رَواه النَّسائيُّ وابنُ ماجهْ عن أبي بكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قال: «وتصنَعَ ما يصنَعُ النَّاسُ» منَ الذِّكْرِ والتَّلبيةِ، وتقِفَ بمِنًى وعَرَفاتٍ والمُزدَلِفةِ، «إلَّا أنَّها لا تطوفُ بالبيتِ»، أي: لا تَطوفُ بالكَعبةِ المُشرَّفةِ طوافَ الرُّكنِ إلَّا بعدَ أنْ تطهُرَ منَ النِّفاسِ، ثمَّ تَطوفَ.

ثُمَّ صلَّى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ركَعتينِ للظُّهرِ، وتلك الصَّلاةُ كانت قبلَ انْصِرافِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ منَ الميقاتِ وبعدَ الإحْرامِ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومَ وُصولِه ذي الحُلَيفةِ صلَّى فيها العَصرَ ركَعَتينِ، ثُمَّ صلَّى فيها المغرِبَ والعِشاءَ والفَجرَ والظُّهرَ، فيكونُ صلَّى فيها خَمسَ صَلَواتٍ، وجلَسَ يومًا وليلةً، ولعلَّ جُلوسَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في ذلك المكانِ حتَّى يَتوافَدَ النَّاسُ إليه، وحتَّى يَكونوا على عِلمٍ بصفةِ حَجِّه من بِدايتِه؛ لأنَّ الحجَّ يَبدأُ منَ الميقاتِ حيث يكونُ الإحْرامُ منه.

ثمَّ ركِبَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ القَصْواءَ -وهو اسمُ ناقتِه الَّتي يرتَحِلُ عليها- حتَّى إذا اسْتوَتْ -أي وقفَتْ قائمةً- به ناقتُه على «البَيْداءِ»، والبَيداءُ في اللُّغةِ هي الصَّحْراءُ لا شَيءَ بها، والمقصودُ بها هنا اسمُ مَوضعٍ مخصوصٍ بينَ مَكَّةَ والمدينةِ، وهو فوقَ عَلَمَيْ ذي الحُلَيفةِ لِمَن صَعِدَ مِنَ الوادي، وفي أوَّلِ البَيداءِ بِئرُ ماءٍ، يُخبِرُ جابرٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه نَظَرَ إلى مُنْتهى بصَرِه بينَ يدَيْه، فإذا النَّاسُ حولَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ منهمُ الراكبُ والماشي، وأمامَه ويمينَه، وشِمالَه وخَلفَه، وكلامُ جابرٍ رَضيَ اللهُ عنه كِنايةٌ عن كَثرةِ النَّاسِ وحُضورِهم، وبيانٌ لمَدى ما عندَهم من حِرصٍ أنْ يَسْتَنُّوا بسُنَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فما فعَلَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَعَلوه، فهم يُتابِعونَه ويَسيرونَ على نَهجِه، وعلى طَريقتِه، ثُمَّ بيَّنَ جابرٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ النَّاسَ يَفعَلونَ ذلك لإيمانِهم أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هو الَّذي ينزِلُ عليه القرآنُ، فهو صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الَّذي يَعلَمُ تَفسيرَه وبيانَ مَعناه ومَقاصِدَه، ومن ذلك أعْمالُ الحجِّ والعُمرةِ.

ثُمَّ أهَلَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ورفَعَ صوتَه بكلمةِ التَّوْحيدِ، فقال: «لبَّيْكَ اللَّهمَّ لبَّيْكَ، لبَّيْكَ لا شَريكَ لكَ لبَّيْكَ، إنَّ الحَمدَ والنِّعمةَ لكَ والمُلْكَ، لا شَريكَ لكَ»، ومَعْناها: أُكرِّرُ إجابَتي لكَ في امتِثالِ أمْرِكَ بالحَجِّ، فأنتَ المُستحِقُّ للشُّكرِ والثَّناءِ؛ لأنَّكَ المُتفَرِّدُ بالكَمالِ المُطلَقِ، ولأنَّكَ المُنعِمُ الحَقيقيُّ، وما مِن نِعمةٍ إلَّا وأنتَ مَصدرُها، وأنتَ المُتفَرِّدُ بالمُلكِ الدَّائمِ، وكُلُّ مُلْكٍ لِغَيرِكَ إلى زَوالٍ.

والحِكمةُ مِنَ التَّلبيةِ: هي التَّنبيهُ على إكْرامِ اللهِ تعالَى لعِبادِه؛ بأنَّ وُفودَهم على بَيتِه إنَّما كان باسْتِدعاءٍ مِنه.

وفي هذا مخالَفةٌ لما كان يقولُه المشرِكونَ في الجاهِليَّةِ في تَلبيتِها من لفظِ الشِّركِ، فكانوا يقولونَ: «لبَّيكَ لا شَريكَ لكَ إلَّا شَريكًا هو لكَ، تملِكُه وما ملَكَ» كما في حَديثِ مُسلمٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما.

قال جابرٌ رَضيَ اللهُ عنه: «وأهَلَّ النَّاسُ بهذا الَّذي يُهِلُّونَ به»، يَعني: أنَّهم لم يَلتَزِموا هذه التَّلبيةَ الخاصَّةَ الَّتي لبَّى بها صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويوضِّحُ هذا ما رُويَ في الصَّحيحَينِ عن أنسِ بنِ مالكٍ رَضيَ اللهُ عنه: «كان يُلبِّي المُلَبِّي، لا يُنكَرُ عليه، ويُكبِّرُ المكبِّرُ، فلا يُنكَرُ عليه»، وما ورَدَ في مُسلمٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّه كان يُلَبِّي بمثلِ تَلبيةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويَزيدُ فيها: «لَبَّيكَ لَبَّيكَ، وسَعْديكَ، والخيرُ بيَديكَ لبَّيكَ، والرَّغباءُ إليكَ والعملُ»، وقد ورَدَ غيرُ هذا ممَّا رُويَ عن أصْحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ إذ فَهِموا أنَّها ليسَتْ مُتعيِّنةً، ولذلك فإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لم يرُدَّ شيئًا منها، وكان يَسمَعُهم، ولا يُنكِرُ عليهم، وسكوتُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إقْرارٌ منه على ما يُلَبُّونَ به.

وأخبَرَ جابرٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَقيَ على تَلْبيتِه ولزِمَها، ثُمَّ قال جابرٌ رَضيَ اللهُ عنه: «لَسْنا نَنْوي إلَّا الحجَّ» كان هذا في أوَّلِ الأمرِ، وقتَ خُروجِهم منَ المدينةِ، وإلَّا فقدْ أحرَمَ بعضُهم بالعُمرةِ، أو هو خبرٌ عمَّا كان عليه حالُ غالِبِهم، أو أنَّ المَقصِدَ الأصْليَّ منَ الخروجِ كان الحجَّ، وإنْ نَوى بعضٌ العُمرةَ، ثُمَّ قال جابرٌ: «لَسْنا نعرِفُ العُمرةَ» هذا يَحتمِلُ أنْ يُخبِرَ به عن حالِهم الأوَّلِ قبلَ الإحْرامِ؛ فإنَّهم كانوا يرَوْنَ العُمرةَ في أشهُرِ الحجِّ من أفجَرِ الفُجورِ، فلمَّا كان عندَ الإحْرامِ بيَّنَ لهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال كما في الصَّحيحَينِ: «مَن أرادَ أنْ يُهِلَّ بحجٍّ فلْيفعَلْ، ومَن أرادَ أنْ يُهِلَّ بعُمرةٍ فلْيفعَلْ، ومَن أرادَ أنْ يُهِلَّ بحجٍّ وعُمرةٍ فلْيفعَلْ»، فارتفَعَ ذلك الوَهمُ الواقعُ بهم، وظلُّوا كذلك.

فلمَّا حَضَروا إلى مكَّةَ -وكان حُضورُهم صَبيحةَ يومِ الرَّابعِ من ذي الحِجَّةِ- أتى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصْحابُه الكَعبةَ، فاستَلَمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الرُّكنَ، ويُقصَدُ به: الحجَرُ الأسودُ، واسْتلامُه يشمَلُ مسحَه وتَقبيلَه، ثُمَّ بدأَ الطَّوافَ بالبيتِ فطافَ بالبيتِ سَبعةَ أشْواطٍ، أسرَعَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المشيَ معَ تَقارُبِ الخُطَى في أوَّلِ ثلاثةِ أشْواطٍ منهم، ومَشى مِشيتَه العاديَّةَ في الأربعةِ الأُخْرى، ويَبدأُ الشَّوطُ من أمامِ الحجَرِ الأسوَدِ ويَنتَهي عندَه.

ثمَّ بعدَ أنْ فرَغَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من طوافِه حولَ الكَعبةِ توجَّهَ إلى مَقامِ إبْراهيمَ، فقرَأَ قولَ اللهِ تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] ، أي: اتَّخِذوا أيُّها النَّاسُ مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصلًّى تُصَلُّونَ عِندَه؛ عِبادةً منكم للهِ تَعالى، وتَكْرمةً لإبْراهيمَ عليه السَّلامُ مِنَ اللهِ سُبحانَه، وذلك عَقِبَ الانْتهاءِ مِنَ الطَّوافِ بالكَعبةِ؛ فيَكونُ المَقامُ بيْنَ البَيتِ وبيْنَ المُصلِّي، ومَقامُ إبراهيمَ هو مَوضِعُ قيامِه، وهو الحَجَرُ الَّذي كان يَقِفُ عليه إبراهيمُ عليه السَّلامُ عندَ بِنائِه لِلكَعبةِ، وفيه أثَرُ قَدَمِه عليه السَّلامُ، ومَكانُه مَعروفٌ الآنَ إلى جانبِ الكَعبةِ، فجعَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المَقامَ بينَه وبينَ البيتِ، فصلَّى خلفَ المقامِ، استجابةً لأمرِ اللهِ تعالى.

ويُخبرُ جَعفرُ بنُ محمَّدٍ أنَّ أباه محمَّدًا رَوى عن جابرٍ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَرأَ في هاتَينِ الرَّكعَتَينِ سورةَ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} في الرَّكعةِ الأُولى بعدَ الفاتحةِ، وفي الرَّكعةِ الثَّانيةِ سورةَ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، كما في سُننِ التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ، فالرِّوايةُ هنا ليس مَقصودًا منها الترتيبُ.

ثمَّ رجَعَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعدَ صَلاةِ ركَعتَيِ الطَّوافِ إلى الحجَرِ الأسوَدِ مرةً أُخرى، فاستلَمَه، ثمَّ خرَجَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن بابِ بَني مَخزومٍ، وهو الَّذي يُسمَّى بابَ الصَّفا، وخُروجُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ منه؛ لأنَّه أقرَبُ الأبْوابِ إلى جبَلِ الصَّفا، ولأنَّ الصَّفا والمَروةَ كانَتَا حينَئذٍ خارجَ المسجِدِ، فلمَّا قرُبَ من جبلِ الصَّفا قرَأَ قولَ اللهِ تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] ، وقال: «أَبْدَأُ بما بَدَأَ اللَّهُ به» يعني: أنَّ اللهَ تعالى بدأَ بالصَّفا في الذِّكرِ، فنحن نبدأُ بها فعلًا وعَملًا، وسُمِّيَ الصَّفَا؛ لأنَّ حِجارتَه مِنَ الصَّفَا، وهو الحجَرُ الأملَسُ الصُّلْبُ، ويقَعُ في أصلِ جبَلِ أبي قُبَيْسٍ، فبدَأَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في سَعيِه بالصَّفَا، فصَعِدَ على جبلِ الصَّفا، حتَّى رَأى الكَعبةَ المشرَّفةَ، فاستقبَلَ القِبلةَ، فوَحَّدَ اللهَ، وكبَّرَه، وقال: «لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه» مُنفردًا بالأُلوهيَّةِ، أو مُتوحِّدًا بالذَّاتِ، «لا شريكَ له» في الأُلوهيَّةِ، ولا في الصِّفاتِ، «له المُلْكُ وله الحمدُ»، أي: كلُّ شَيءٍ مِلْكُه، وله التَّصرُّفُ في مُلكِه كيفَ يَشاءُ، وله العَظَمةُ، وله الثَّناءُ الجميلُ والشُّكرُ العَميمُ على نَعمائِه وفَضلِه، «وهو على كلِّ شَيءٍ قديرٌ» لا يُعجِزُه شيءٌ؛ فله سُبحانَه وتعالى القُدرةُ الكاملةُ، «لا إلهَ إلَّا اللهُ وحْدَه، أنْجَزَ وَعْدَه»، أي: وفَّى بما وعَدَه بإظْهارِه عزَّ وجلَّ للدِّينِ، «ونصَرَ عبْدَه» والمرادُ: نصَرَ نَبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نصْرًا عزيزًا، «وهزَمَ الأحْزابَ وحْدَه»، أي: هزَمَهم بغيرِ قتالٍ مِنَ الآدَميِّينَ، ولا بسَببٍ مِن جِهتِهم، والمرادُ بالأحْزابِ: همُ الَّذين تحَزَّبوا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومَ الخَندقِ سنةَ خَمسٍ منَ الهِجرةِ، وقال هذا الذِّكرَ ثلاثَ مرَّاتٍ، ودَعا بما فتَحَ اللهُ عليه بعدَ كلِّ مرَّةٍ.

ثمَّ نزَلَ ماشيًا إلى المَروةِ، حتَّى إذا انحدَرَتْ قَدَماه واتَّجهَتْ إلى أسفَلَ «في بطنِ الوادي»، والمرادُ به المُنخفَضُ الَّذي بينَ الجبَلَينِ، «سَعى»، أي: أسرَعَ في مِشيتِه، حتَّى إذا ارتفعَتْ قَدَماه واتَّجَهَتْ إلى أعْلى مَشى على عادةِ مَشيِه، حتَّى أتى صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وصعِدَ جبلَ المرْوةَ، وهو مكانٌ مُرتفِعٌ في أصْلِ جبَلِ قُعَيْقِعَانَ في الشَّمالِ الشَّرقيِّ للمسجدِ الحرامِ، ففعَلَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على المروةِ مثلَ ما فعَلَ على الصَّفا منِ اسْتقبالِ القِبلةِ، والذِّكرِ والدُّعاءِ، وكان سَعيُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بينَ الصَّفا والمرْوةِ سَبعةَ أشْواطٍ؛ منَ الصَّفا إلى المرْوةِ شوطٌ، ومنَ المرْوةِ إلى الصَّفا شوطٌ، فيَبدأُ بالصَّفا ويَنتَهي بالمرْوةِ.

وقد وُضِّحَ وعُلِّمَ الآنَ مكانُ سَعْيِه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بمصابيحَ خَضراءَ مُعلَّقةٍ في سَقْفِه على طولِ المسافةِ الَّتي كان يَسعَى فيها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

حتَّى إذا كان في آخِرِ طَوافِه -وهو الشَّوطُ السَّابعُ الَّذي يَنتَهي إلى المرْوةِ- قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لأصْحابِه رَضيَ اللهُ عنهم: «لو استقبَلْتُ مِن أمْري ما استَدبَرْتُ»، أي: لو عرَفْتُ في أوَّلِ الحالِ ما عرَفْتُ في آخِرِه مِن جَوازِ العُمرةِ في أشهُرِ الحجِّ، ما سُقْتُ الهدْيَ مَعي مِن خارجِ مكَّةَ ولَكُنتُ مُتَمَتِّعًا؛ أرادَ المُخالَفةَ لأهلِ الجاهليَّةِ في اعتقادِهِم وأفْعالِهِم، فوُجودُ الهَديِ مانِعٌ مِن فَسخِ الحَجِّ إلى العُمرةِ والتَّحلُّلِ منها، والأمرُ الَّذي اسْتَدبَرَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هو ما حصَلَ لأصْحابِه مِن مَشقَّةِ انفِرادِهم عنه بالفَسخِ، حتَّى إنَّهم تَوقَّفوا وتَردَّدوا وراجَعوه، بخلافِ مَن لم يسُقْ معَه هَديًا، فإنَّه يفسَخُ الحجَّ إلى عُمرةٍ.

وكان هذا القولُ: «لو استقبَلْتُ...» تَطييبًا لأصْحابِه الَّذين أمَرَهم بأنْ يَفسَخوا حجَّهم ويَجْعَلوه عُمرةً؛ لأنَّهم لم يَسوقوا معَه الهَديَ، وهو اسمٌ لكلِّ ما يُهْدَى إلى البَيتِ منَ الأنْعامِ الإبِلِ والبقَرِ والغنَمِ؛ قُربةً إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، ودلَّ أيضًا على أنَّ التَّمتُّعَ أفضَلُ منَ القِرانِ والإفْرادِ، وأنَّه في حالةِ سَوْقِ الهَديِ يَبْقى القارنُ والمفرِدُ على إحْرامِه حتَّى يومِ النَّحرِ.

وسأَلَ سُراقةُ بنُ مالكِ بن جُعْشُمٍ رَضيَ اللهُ عنه النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ألعامِنا هذا أم لأَبَدٍ؟»، أي: هل جوازُ فَسخِ الحجِّ إلى العُمرةِ، أو الإتْيانِ بالعُمرةِ في أشهُرِ الحجِّ، أو معَ الحجِّ يختَصُّ بهذه السَّنةِ أمْ للأبدِ؟ فشبَّكَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بينَ أصابعِه، وقال: «دخَلَتِ العُمرةُ في الحجِّ»، أي: حلَّتِ العُمرةُ في أشهُرِ الحجِّ، قال ذلك مرَّتَينِ، ثُمَّ قال: «لِأَبَدِ الْأَبَدِ»، فهذا حُكمٌ عامٌّ في مَشروعيَّةِ التَّمتُّعِ بالعُمرةِ إلى الحجِّ في كلِّ الأعْوامِ بدونِ اخْتصاصِ أحدِها.

وأخبَرَ جابرٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه جاء مِنَ اليمَنِ بهَدْيٍ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ أرسَلَه إلى اليَمَنِ قبلَ حَجَّتِه قاضيًا وقابضًا لِلصَّدَقاتِ، فرَجَعَ، وكان قدْ أهَلَّ في الطَّريقِ ونَوَى الدُّخولَ في النُّسُكِ، ولمَّا دخَلَ عليٌّ رَضيَ اللهُ عنه مكَّةَ -وكان لم يَعلَمْ بعدُ بالتَّمتُّعِ الَّذي أمَرَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أصْحابَه رَضيَ اللهُ عنهم- فوجَدَ زَوجتَه فاطمةَ بنتَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ممَّن حَلَّ ولَبِسَتْ ثِيابًا «صَبِيغًا»، أي: مَصبوغًا بما لا يحِلُّ للنِّساءِ لُبْسُه في الإحْرامِ، ووضَعَتِ الكُحلَ بعَينِها، وهذا كلُّه كِنايةٌ عن كاملِ زينَتِها وإحْلالِها منَ الإحْرامِ، فأنكَرَ ذلك عليها؛ ظنًّا أنَّه لا يجوزُ، فأخبَرَتْه أنَّ أباها رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هو الَّذي أمَرَها بفَسخِ الإحْرامِ، فذهَبَ علِيٌّ رَضيَ اللهُ عنه إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ «مُحرِّشًا» على فاطمةَ رَضيَ اللهُ عنها، والتَّحريشُ: الإغْراءُ، والمرادُ هنا أنْ يَذكُرَ له ما يَقتَضي عِتابَها للَّذي صنَعَتْ، مُسْتَفتيًا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيما ذكَرَتْ عنه، وأنَّه أنكَرَ عليها ما فعَلَتْه، فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «صَدَقَتْ صَدَقَتْ» يُقِرُّ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بصِدقِ ما أخبَرَتْه به فاطمةُ رَضيَ اللهُ عنها.

ثُمَّ سأَلَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ماذا قُلْتَ حينَ فرَضْتَ الحجَّ؟»، أي: بأيِّ شيءٍ نوَيْتَ حينَ أحرَمْتَ: بحجٍّ، أو عُمرةٍ، أو بهما؟ فأخبَرَه علِيٌّ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه قال: «اللَّهمَّ إنِّي أُهِلُّ بما أهَلَّ به رَسولُكَ»، أي: أُحرِمُ بما أحرَمَ به رسولُكَ، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «فإنَّ مَعي الهَدْيَ» بيانٌ لسَببِ عدَمِ إحْلالِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وعليٌّ رَضيَ اللهُ عنه أيضًا ساقَ الهَديَ، فأقرَّه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على إهْلالِه، وأمَرَه أنْ يَبْقى على إحْرامِه.

ثُمَّ أخبَرَ جابرٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ مجموعَ الهَديِ مِنَ الإبلِ الَّذي جاء به عليٌّ مِنَ اليمَنِ والَّذي أتى به صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِنَ المدينةِ؛ مائةٌ.

وقد تحلَّلَ الَّذين لم يَسوقوا الهَديَ اسْتجابةً لأمْرِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقَصَّروا شَعرَ رأسِهم، وأقاموا مُحِلِّينَ يُباشرونَ أعْمالَهمُ الَّتي حُرِّمتْ عليهم بالإحْرامِ، وقولُه: «وقَصَّروا» معَ أنَّ الحَلقَ أفضَلُ منَ التَّقصيرِ، كما ثبَتَ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قيلَ في ذلك: حتَّى يَبْقى شَعرٌ إلى نُسكِ الحجِّ يُحلَقُ يومَ النَّحرِ بعدَ رَميِ جَمرةِ العَقَبةِ.

وبَقيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ومَن كان معَه هَدْيٌ، فلم يَتحَلَّلوا من إحْرامِهم، فلمَّا كان يومُ التَّرْويةِ -وهو اليومُ الثَّامنُ مِن ذي الحِجَّةِ، وسُمِّيَ بذلك؛ لأنَّ الماءَ كان قَليلًا بمِنًى، فكانوا يَرْتَوونَ منَ الماءِ ويَحْمِلونَه لِمَا بعدَ ذلك- توجَّهَ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصْحابُه إلى مِنًى، فأمَّا المُتمتِّعونَ فإنَّهم أحْرَموا إحْرامًا جديدًا لحَجِّهم، وأمَّا الَّذين كانوا قارِنينَ -وهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ومَن معَه هَديٌ- فبَقُوا على إحْرامِهم.

والإهْلالُ يكونُ في المكانِ الَّذي ينزِلُ فيه الإنْسانُ، والصَّحابةُ كانوا نازِلينَ معَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الأبطَحِ، فأحْرَموا منه، كما في الصَّحيحَينِ.

ومِنًى وادٍ تُحيطُ به الجبالُ، تقَعُ في شَرقِ مكَّةَ، على الطَّريقِ بينَ مكَّةَ وجبلِ عَرَفةَ، وتَبعُدُ عنِ المسجِدِ الحرامِ نحوَ 6 كم تقريبًا، ومِنًى: موضِعٌ من شَعائرِ الحجِّ، ومَبيتُ الحُجَّاجِ في يومِ التَّرويةِ، ويومِ عيدِ الأضْحى وأيامِ التَّشريقِ، وفيها موقِعُ رَميِ الجَمَراتِ، والَّتي تتمُّ بينَ شُروقِ وغروبِ الشَّمسِ في تلك الأيَّامِ منَ الحجِّ ويُذبَحُ فيها الهَديُ.

وأخبَرَ جابرٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ركِبَ حِينَ طُلوعِ الشَّمسِ مِن يَومِ التَّرويةِ، فصلَّى بمِنًى الظُّهرَ والعَصرَ، وَالمَغْرِبَ والعِشاءَ، والفَجرَ، كلَّ صلاةٍ لوقتِها.

ثمَّ مكَثَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعدَ أداءِ الفَجرِ قَليلًا حتَّى طلَعَتِ الشَّمسُ، وأمَرَ بضَربِ خَيمةٍ تُصنَعُ له، وهي تُصنَعُ منَ الشَّعرِ، والمرادُ به: شَعرُ الماعِزِ وصوفُ الغنَمِ، «بنَمِرَةَ» قبلَ قُدومِه إلى عرَفةَ، وتقَعُ نَمِرةُ إلى الغربِ من مَشعَرِ عَرَفاتٍ، ويقَعُ جزءٌ من غربِ مسجِدِ نَمِرةَ في وادي عُرَنةَ.

فسارَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصْحابُه مِن مِنًى إلى جبلِ عَرفةَ، وهو جبلٌ خارجَ حدودِ الحرَمِ على الطَّريقِ الَّذي يربِطُ بينَ مكَّةَ والطَّائفِ، حيث يقَعُ شَرقيَّ مكَّةَ بنحوِ 22 كم، وعلى بُعدِ 10 كم من مِنًى، و6 كم من مُزدَلِفةَ، وإجْماليُّ مساحتِه تُقدَّرُ بحوالَيْ 10,4 كم، وكانت قُرَيشٌ لا تشُكُّ في أنَّه سيقِفُ عندَ «المَشعَرِ الحرامِ»، وهو جبلٌ في المُزدَلِفةِ، يُقالُ له: قُزَحُ، ويقَعُ فيه مسجِدِ المَشعَرِ الحرامِ في بدايةِ مُزدَلِفةَ، وكان بعضُ النَّاسِ من قُرَيشٍ يَظنُّونَ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان سيفعَلُ كما كانتْ قُرَيشٌ تصنَعُ في الجاهليَّةِ، وفي رِوايةٍ لمسلِمٍ: أنَّ العَربَ في الجاهليَّةِ كان الَّذي يَدفَعُ بهم في الحجِّ رجُلٌ يُقالُ له: "أَبو سيَّارةَ"، وهو رَجلٌ مِن بَني بَجِيلةَ يُدْعى عُمَيرةَ بنَ الأعْلَمِ، يركَبُ على حِمارٍ ليسَ عليهِ بَرْذَعةٌ، وليسَ عليه شيءٌ تحتَ الرَّاكبِ يجلِسُ عليهِ، فيدفَعُ مِنَ المزْدَلِفةِ ولا يَخرُجُ إلى عَرفاتٍ.

فجاوَزَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المُزدَلِفةَ ولم يقِفْ بها، بل توجَّهَ إلى عرَفاتٍ مباشرةً، حتَّى قارَبَها ووجَدَ القُبَّةَ قدْ ضُرِبَتْ بنَمِرةَ، فنزَلَ بها، وظلَّ بها، حتَّى إذا مالتِ الشَّمسُ وزالتْ عن كَبِدِ السَّماءِ مِن جانبِ الشَّرقِ إلى جانبِ الغربِ، أمَرَ بإحْضارِ ناقَتِه القَصْواءِ، فشُدَّ على ظَهرِها الرَّحْلُ ليركَبَها صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فركِبَها، فأَتى بطنَ الوادي، وهو وادي عُرَنةَ، وهو أحدُ أوْديةِ مكَّةَ المكَرَّمةِ، يقَعُ غربَ عَرفاتٍ، ويختَرِقُ أرضَ المُغَمَّسِ، فيَمُرُّ بطرفِ عَرفةَ من جهةِ الغربِ عندَ مسجِدِ نَمِرةَ، ثُمَّ يجتمِعُ معَ وادي نُعمانَ، ويمُرُّ جنوبَ مكَّةَ على حدودِ الحرَمِ، وفي هذا المكانِ وقَفَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وخطَبَ النَّاسَ، ووعَظَهم، وقال: «إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم»، أي: إنَّ سَفْكَ دمائِكم وأَخْذَ أموالِكم بغيرِ حقٍّ، «حرامٌ عليكم» مُتأكَّدٌ تَحريمُها، كحُرمةِ يومِ عرَفةَ، وحُرمةِ شَهرِ ذي الحِجَّةِ، وحُرمةِ مكَّةَ، وهذا مِنَ التَّشديدِ والتَّغليظِ.

ثُمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ألَا كلُّ شَيءٍ مِن أمْرِ الجاهليَّةِ» يَعني: الَّذي أحْدَثوه، والشَّرائعَ الَّتي شَرَعوها في الحجِّ وغَيرِه قبْلَ الإسْلامِ، والجاهليَّةُ: هي المدَّةُ الَّتي كان النَّاسُ فيها على الشِّركِ قبْلَ مَجيءِ الإسْلامِ، وسُمِّيَتْ بها لكَثْرةِ جَهالاتِهم.

«تحتَ قدَميَّ موضوعٌ»، أي: باطلٌ ومُهْدَرٌ، ولا يُؤخَذُ به، «ودماءُ الجاهليَّةِ موضوعةٌ»، أي: مَتْروكةٌ لا قِصاصَ ولا دِيَةَ ولا كفَّارةَ، وإنَّ أوَّلَ دمٍ أضَعُه وأترُكُه مِن دِمائِنا -كونُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَبدأُ بنفْسِه- دمُ ابنِ ربيعةَ بنِ الحارثِ بنِ عبدِ المُطَّلبِ، وربيعةُ بنُ الحارِثِ هو ابنُ عمِّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلا قِصاصَ فيه، ولا ديَةَ فهو هَدرٌ؛ لأنَّه من دماءِ الجاهليَّةِ، «وكان مُستَرْضَعًا»، أي: كان لهذا الابنِ حاضنةٌ تُرضِعُه مِن بَني سَعدٍ، فقتَلَتْه قَبيلةُ هُذَيلٍ.

ثُمَّ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ورِبَا الجاهليَّةِ»، والرِّبا حرامٌ في الجاهليَّةِ والإسْلامِ، وإنَّما نسبَه إلى الجاهليَّةِ؛ لأنَّهم أحَلُّوه لأنفُسِهم، فلمَّا جاءَ الإسْلامِ أثبَتَ حُرمتَه، والرِّبا هو التَّعامُلُ بيْنَ النَّاسِ بالزِّيادةِ على أصْلِ الدُّيونِ والإقْراضِ، سَواءٌ كانَ رِبا الزِّيادةِ والفضْلِ، أو رِبا التَّأْجيلِ والنَّسيئةِ، وقد حرَّمَه اللهُ تعالى وتوَعَّدَ عليه؛ فقال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275] ، وقولُه: «موضوعٌ»، أي: باطلٌ وهَدرٌ، فكلُّ المُعامَلاتِ الرِّبويَّةِ الَّتي سبقَتْ في الجاهليَّةِ وبَقيَ منها شيءٌ، فهو هَدرٌ، والمرادُ بوَضعِه؛ وضعُ الزائدِ منه، لا وضعُ رأسِ المالِ، فإنَّه مَردودٌ لصاحِبِه، كما قال تعالى: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ} [البقرة: 279] .

«وأوَّلُ ربًا أضَعُ رِبَانا؛ رِبَا عبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلبِ، فإنَّه مَوضوعٌ كلُّه»، وبَدأَ برِبا عمِّه العبَّاسِ رَضيَ اللهُ عنه؛ لخُصوصيَّتِه بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ ليَقتَديَ النَّاسُ به قولًا وفعلًا، فيَضَعونَ عن غُرمائِهم ما كان من ذلك.

ثُمَّ أوْصاهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالنِّساءِ، فقال: «فاتَّقوا اللهَ في النِّساءِ»، أي: خافوا عُقوبةَ اللهِ تعالى في تَركِ القِيامِ بحُقوقِ الزَّوجاتِ ومَصالحهنَّ الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّةِ، بإنْصافِهنَّ ومُراعاةِ حقِّهنَّ؛ «فإنَّكم أخَذْتُموهنَّ بأمانِ اللهِ، واستَحلَلْتُم فُروجَهنَّ بكلمةِ اللهِ»، أي: تَزوَّجْتم بهنَّ بشَرعِ اللهِ، وجعَلَ اللهُ لكم عليهنَّ حقَّ الوَطءِ، فبهذا هنَّ أماناتٌ عندَكم، فعليكم أنْ تَقوموا برِعايةِ هذه الأمانةِ، وعدمِ الإضْرارِ بهنَّ، وعدمِ الإساءةِ إليهنَّ، وإنَّما تُحسنونَ إليهنَّ، وتُعاشِرونَهنَّ بالمعروفِ، والمرادُ بكلمةِ اللهِ العقدُ الَّذي يَنشأُ مِن كَلمتَيْ إيجابٍ وقَبولٍ مِنَ الوَليِّ والزَّوجِ.

فلمَّا أوْصى بالنِّساءِ ذكَرَ ما عليهنَّ منَ الحُقوقِ، فقال: «ولكم عليهنَّ ألَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا تَكرَهونَه»، أي: تَكرَهونَ دُخولَه في بُيوتِكم، ويدخُلُ في ذلك الرِّجالُ والنِّساءُ، الأقْرباءُ والأجانبُ، وقيلَ: لا يُفهَمُ من هذا الكلامِ أنَّه النَّهيُ عنِ الزِّنا؛ فإنَّ ذلك محرَّمٌ معَ مَن يَكرَهُه الزَّوجُ ومعَ مَن لا يَكرَهُه، «فإنْ فعَلْنَ ذلك» فأدْخَلْنَ بُيوتَكمْ مَن تَكْرَهونَ دُخولَه بدونِ رِضاكم، فلكم مَعشرَ الرِّجالِ أنْ تؤَدِّبوهنَّ وإنْ تَعدَّى هذا التأديبُ إلى الضَّربِ، «فاضْرِبوهنَّ ضَربًا غيرَ مُبرِّحٍ»، أي: ليسَ بشَديدٍ ولا شاقٍّ، وأخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما على الرِّجالِ لأزْواجِهنَّ منَ الحقوقِ، فلهنَّ النَّفقةُ مِنَ المأكولِ، والمشروبِ، والسُّكْنى، والمَلْبَسِ على قَدْرِ كِفايتِهنَّ، مِن غيرِ سرَفٍ ولا تَقتيرٍ، أو باعْتبارِ حالِكم فقرًا وغنًى.

ثُمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «وقد ترَكْتُ فيكم»، أي: فيما بينَكم، وهذا الكلامُ مُوَجَّهٌ لجَميعِ المُسلِمينَ، سواءٌ لِمَن حَضَرَه في تلك الحَجَّةِ، أو مَن غابَ عنها في زَمَنِه، أو مَن سيأْتي بَعْدَه في الأزمانِ التَّاليةِ، ثمَّ بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه كتابُ اللهِ، وهو القُرآنُ العظيمُ؛ فهو سَبَبٌ رَئيسيٌّ في حِفظِ الإنْسانِ مِنَ الضَّلالِ، سواءٌ مِن ضَلالاتِ الكُفرِ والنِّفاقِ والخُروجِ مِنَ الدِّينِ، أو من ضَلالاتِ الزَّلَلِ والوُقوعِ في المعاصي واتِّباعِ الشَّهَواتِ، وذلك مَشروطٌ بقَولِه: «إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ» بمَعنى: إنْ تمسَّكْتُم به، ولم يذكُرِ السُّنَّةَ؛ لأنَّ القُرْآنَ مُشتَمِلٌ على العَمَلِ بها، وذلك في قَولِ اللهِ تعالَى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 92] ، فيلزَمُ مِنَ العملِ بالكتابِ العملُ بالسُّنَّةِ.

ثُمَّ وجَّهَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الخطابَ لأصْحابِه رَضيَ اللهُ عنهم: «وأنتم تُسأَلونَ عنِّي»، أي: عن تَبْليغي رسالاتِ اللهِ وشَرعَه ودَعْوتي فيكم يومَ القِيامةِ، «فما أنتم قائلونَ؟» استَنطَقَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن إجابَتِهم للهِ عزَّ وجلَّ يومَ القِيامةِ؛ قال تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 6] ، فقال الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم: «نَشهَدُ أنَّكَ قد بلَّغْتَ»، أي: رِسالاتِ ربِّكَ وجميعَ ما أمرَكَ به وما أنزَلَه عليكَ، «وأدَّيْتَ» الأمانةَ، «ونصَحْتَ» الأمَّةَ، فأشارَ بإصبَعِه السَّبَّابةِ، يَرفَعُها إلى السَّماءِ «ويَنكُتُها إلى النَّاسِ» وفي رِوايةِ أبي داودَ: «يَنكُبُها»، والمرادُ يُميلُها إليهم، يُريدُ بذلك أنْ يُشهِدَ اللهَ عليهم، ويقولُ: «اللَّهمَّ اشهَدْ»، أي: على عبادِكَ، بأنَّهم أقرُّوا بأنِّي قدْ بلَّغْتُ، وكرَّرَ قولَه: «اللَّهمَّ اشهَدْ» ثلاثَ مرَّاتٍ للتَّأكيدِ عليهم.

ثمَّ أذَّنَ بِلالُ بنُ رَباحٍ رَضيَ اللهُ عنه مؤذِّنُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الظُّهرَ، ثمَّ أقامَ فصَلَّى ركعَتَينِ، ثمَّ أقامَ فصلَّى العَصرَ ركعَتَينِ، ولم يُصَلِّ بيْنَهما شيئًا، فجمَعَ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ في وقتِ الظُّهرِ، ولم يُصَلِّ بيْنَهما شيئًا مِنَ السُّنَنِ والنَّوافلِ، وذلك للاستِعجالِ بالوُقوفِ، ثمَّ ركِبَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ القَصْواءَ -وهو اسمُ ناقتِه الَّتي يرتحِلُ عليها- وسارَ حتَّى أتى الموقِفَ الخاصَّ به في أرضِ عرَفاتٍ، فجعَلَ بطْنَ ناقتِه القَصْواءِ إلى الصَّخَراتِ، يَعني أنَّه عَلا على الصَّخَراتِ ناحيةً منها، حتَّى كانتِ الصَّخَراتُ تُحاذي بطنَ ناقتِه، والصَّخَراتُ هي الأحْجارُ الكِبارُ المغروسةُ في أسفَلِ جبلِ الرَّحمةِ، وهو الجبَلُ الَّذي بوسَطِ أرضِ عرَفاتٍ.

«وجعَلَ حبلَ المُشاةِ»، وهو المُستَطيلُ مِنَ الرَّملِ، والمرادُ به صفُّ المُشاةِ ومجتمَعُهم في مَشيِهم كحبلِ الرَّملِ «بينَ يدَيْه»، أي: أمامَه مُستقبِلًا القِبلةَ في الوُقوفِ بعرَفةَ، كلُّ ذلك يَدْعو ويُناجي اللهَ عزَّ وجلَّ، فوقَفَ في عَرفةَ حتَّى غرَبتِ الشَّمسُ وذهَبَتْ صُفرةُ الشَّمسِ ذَهابًا قليلًا، حتَّى غابَ قُرصُ الشَّمسِ، أي: تحقَّقَ الغروبُ، وهو وقتُ الانصِرافِ من عَرَفةَ، فأركَبَ أُسامةَ بنَ زيدٍ رَضيَ اللهُ عنه خَلْفَه على الدَّابَّةِ، وابتدَأَ في التَّحرُّكِ والسَّيرِ، وقد «شنَقَ»، أي: ضَمَّ وضيَّقَ للنَّاقةِ الزِّمامَ، فضَمَّ رأسَها إليه، وبالَغَ في الضَّمِّ حتَّى إنَّ رأسَها ليُصيبُ مَوْرِكَ رَحْلِه، وهو الموضِعُ الَّذي يَثْني الرَّاكبُ رِجْلَه عليه قُدَّامَ واسطةِ الرَّحْلِ إذا مَلَّ مِنَ الرُّكوبِ، يُريدُ بذلك أنْ يمنَعَها منَ الحَركةِ والسُّرعةِ والإقْدامِ في المشيِ، ويُشيرُ بها بيَدِه اليُمْنى ويقولُ: «أيُّها النَّاسُ، السَّكينةَ السَّكينةَ»، أي: الزَمُوا الرِّفقَ والطُّمأنينةَ، وعدمَ التَّزاحُمِ، وكلَّما أتى حَبْلًا مِنَ الحبالِ -وهو الموضِعُ المتَّسِعُ منَ الرِّمالِ المرتفِعُ مثلَ التَّلِّ اللَّطيفِ منَ الرَّملِ الضَّخمِ- أَرْخى للقَصْواءِ الزِّمامَ إرْخاءً قليلًا، أو زَمانًا قليلًا، حتَّى يسهُلَ عليها الصعودُ، وظلَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كذلك حتَّى أتى المُزدَلِفةَ، وهي المَشعَرُ الحرامُ، وكلُّها مِنَ الحرَمِ، وهي المكانُ الَّذي يَنزِلُ فيه الحَجيجُ بعْدَ الإفاضةِ مِن عَرَفاتٍ ويَبِيتونَ فيه لَيلةَ العاشرِ مِن ذي الحِجَّةِ، فصلَّى بها المغرِبَ والعِشاءَ، أي جمَعَ بيْنَهما في وقتِ العِشاءِ بأذانٍ واحدٍ وإقامَتَينِ مرَّةً للمغرِبِ ومرَّةً للعِشاءِ، ولم يُصَلِّ بيْنَ المغرِبِ والعِشاءِ شيئًا مِنَ النَّوافلِ والسُّنَنِ، ثمَّ اضطجَعَ للنَّومِ تَقْويةً للبَدنِ، ورحمةً للأمَّةِ؛ لأنَّ في نهارِه أعْمالًا وعباداتٍ يحتاجُ فيها إلى النَّشاطِ، واستَيقَظَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ معَ طُلوعِ الفَجرِ، فصلَّى الفَجرَ حينَ تبيَّنَ له الصُّبحُ، وصلَّى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الفَجرَ في أوَّلِ وقتِه، وهذا بعدَ صَلاتِه ركعَتَيِ السُّنةِ.

ثمَّ ركِبَ ناقتَه القَصْواءَ حتَّى أتى المَشعَرَ الحرامَ، وهو جَبَلٌ في المُزْدَلِفةِ، وسُمِّيَ حَرامًا؛ لأنَّه يَحرُمُ فيه الصَّيدُ وغيرُه؛ لأنَّه مِنَ الحَرَمِ، أو لأنَّه ذو حُرمةٍ.

وسُمِّيَ مَشعَرًا؛ لأنَّه مَعلَمٌ للعبادةِ، فاستقبَلَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الكَعبةَ، فدَعا اللهَ «وكبَّرَه»، أي: قال: اللهُ أكبَرُ، «وهلَّلَه»، أي: قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، «ووحَّدَه»، أي قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَه لا شَريكَ له، فلم يزَلْ واقفًا حتَّى أضاءَ الفَجرُ إضاءةً تامَّةً، فذهَبَ إلى مِنًى قبلَ أنْ تطلُعَ الشَّمسُ، وأردَفَ الفَضلَ بنَ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما خَلْفَه على الدَّابَّةِ، وكان رجُلًا حسَنَ الشَّعرِ، أبيضَ وَسيمًا، فلمَّا دفَعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مرَّتْ به «ظُعُنٌ» وهنَّ: النِّساءُ «يَجْرِينَ»، أي: يُسرِعْنَ في سَيرِهنَّ، فجعَلَ الفَضلُ رَضيَ اللهُ عنه يَنظُرُ إليهنَّ، فوضَعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يدَه على وجْهِ الفَضلِ يمنَعُه منَ النَّظرِ إليهنَّ، فحوَّلَ الفَضلُ وجهَه إلى الشِّقِّ الآخَرِ ينظُرُ؛ لأنَّ النِّساءَ كانت من حَولِهم، فحوَّلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يدَه مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ على وجهِ الفَضلِ يَصرِفُ وجهَه مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ يَنظُرُ، حتَّى جاء بطنَ مُحسِّرٍ، وهو وادٍ بيْنَ مُزدَلِفةَ ومِنًى، فحرَّكَ ناقتَه، وأسرَعَ السَّيرَ قليلًا، وفي مِنًى ثلاثُ طُرقٍ في عهدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: شَرقيٌّ، وغربيٌّ، ووسطٌ، فسلَكَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الطَّريقَ الوُسطَى بينَ الطَّريقَينِ، وإنَّما سلَكَها لأنَّها كانت أقرَبَ إلى رَمْيِ جَمرةِ العَقبةِ، وهي الجَمرةِ الكُبرى الَّتي عندَ الشَّجرةِ، غَربيَّ مِنًى ممَّا يَلي مَكَّةَ، فرَماها صَبيحةَ يومِ النَّحرِ، وهو يومُ عيدِ الأضْحى العاشرِ مِن ذي الحِجَّةِ، بسَبْعِ حصَياتٍ، يُكبِّرُ معَ كلِّ حَصاةٍ منها، «مِثْلِ حصَى الخَذْفِ» والمرادُ بيانُ مِقدارِ الحَصى الَّتي يُرْمى بها في الصِّغَرِ والكِبَرِ، والمرادُ أنَّها تكونُ بقَدرِ حبَّةِ الباقِلَّاءِ، وقد رَمَى صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن بطنِ الوادي، فكانتْ مكَّةُ عن يَسارِه، ومِنًى عن يمينِه، ثمَّ رجَعَ عن جَمرةِ العَقبةِ إلى موضِعِ النَّحرِ، فنحَرَ ثلاثًا وستِّينَ بدَنةً بيدِه، ثمَّ أعْطى بقيَّةَ البُدْنِ عليًّا رَضيَ اللهُ عنه، فنحَرَ عَليٌّ ما بَقِيَ مِنَ المائةِ، وأشرَكَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في نفْسِ الهَديِ، ثمَّ أمَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن كلِّ بدَنةٍ مِنَ المائةِ بقِطعةٍ مِن لَحمِها، فجُعِلَتِ القِطَعُ في قِدْرٍ فطُبِخَت، فأكَلَ هو وعَليٌّ رَضيَ اللهُ عنه مِن لحمِها وشرِبَا مِن مرَقِها، وإنَّما فعَلَ هذا ليَمتثِلَ قولَه تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا} [الحج: 36] ، وهما وإنْ لم يأكُلا من كلِّ بَضعةٍ، فقد شَرِبَا من مرَقِ كلِّ ذلك، وخُصوصيَّةُ عليٍّ رَضيَ اللهُ عنه بالمؤاكَلةِ دليلٌ على أنَّه أشْرَكَه في الهَديِ.

ثمَّ ركِبَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأسرَعَ إلى بيتِ اللهِ ليَطوفَ به طوافَ الإفاضةِ، فصلَّى بمكَّةَ الظُّهرَ، ولكنْ قد رَوى مسلمٌ في صَحيحِه من حَديثِ ابنِ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنهما: «أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أفاضَ يومَ النَّحرِ، فصلَّى الظُّهرَ بمِنًى»، ووَجهُ الجَمعِ بينَهما أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ طافَ للإفاضةِ قبلَ الزَّوالِ، ثُمَّ دخَلَ وقتُ الظُّهرِ، فصَلَّى الظُّهرَ بمكَّةَ في أوَّلِ وقتِها، ثُمَّ رجَعَ إلى مِنًى فوجَدَ النَّاسَ يَنتَظِرونَه للصَّلاةِ معَه، فصلَّى بهم مرَّةً أُخرى، حينَ سأَلوه ذلك، فيكونُ مُتنفِّلًا بالظُّهرِ الثَّانيةَ الَّتي بمِنًى.

ثمَّ أتى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعدَ فَراغِه مِن طَوافِ الإفاضةِ على بَني عبدِ المُطَّلبِ، وهم أوْلادُ العبَّاسِ وجماعتُه؛ لأنَّ سِقايةَ الحاجِّ كانتْ وَظيفتَهم، فمرَّ عليهم وهُم يَنزِعونَ الماءَ مِن بئرِ زَمزمَ ويَسقُونَ النَّاسَ، فيَغرِفونَ بالدِّلاءِ ويَصبُّونَه في الحِياضِ ونحوِها، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لهم: «انْزِعوا»، أي: استَقُوا الماءَ للحجَّاجِ، «فلولا أنْ يَغلِبَكمُ النَّاسُ على سِقايتِكم، لنزَعْتُ معَكم»، أي: لولا خَوْفي أنْ يَعتقدَ النَّاسُ أنَّ ذلك مِن مَناسكِ الحجِّ ويَزدَحِموا عليه بحيث يَغلِبونَكم ويَدفَعونَكم عن الِاسْتِقاءِ، لاستقَيْتُ معَكم؛ لكَثرةِ فَضيلةِ هذا الاسْتقاءِ، فأعْطَوْه فشرِبَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من ماءِ زَمزمَ.

وفي الحَديثِ: أنَّ مِن هَديِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الحجَّ راكبًا.

وفيه: الحثُّ على مُراعاةِ حقِّ النِّساءِ، والوصيَّةُ بهنَّ ومُعاشرتُهنَّ بالمعروفِ.

وفيه: الأمرُ بالنَّفقةِ على الزَّوجةِ.

وفيه: فَضلُ أُسامةَ بنِ زيدٍ والفَضلِ بنِ العبَّاسِ رَضيَ اللهُ عنهم.

وفيه: السَّكينةُ في الدَّفعِ مِن عرَفاتٍ.

وفيه: أنَّ عرَفةَ كلَّها موقِفٌ.

وفيه: الجَمعُ بينَ المغربِ والعِشاءِ في المُزدَلِفةِ.

وفيه: عدمُ التَّنفُّلِ بينَ الصَّلواتِ في الجَمْعِ.

وفيه: الاسْتنابةُ في ذَبْحِ الهَدْيِ.

وفيه: الشُّربُ للنَّاسكِ مِن ماءِ زَمْزمَ، والإكثارُ منه.

وفيه: حِرصُ المؤمِنينَ على الائْتِمامِ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (2/ 173) 1720- حدثنا خالد بن مخلد: حدثنا سليمان قال: حدثني يحيى قال: حدثتني عمرة قالت: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة، ولا نرى إلا الحج، حتى إذا دنونا من مكة، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه هدي، إذا طاف بالبيت، ثم يحل، قالت: عائشة رضي الله عنها: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذبح النبي صلى الله عليه وسلم عن أزواجه.

قال يحيى: فذكرت هذا الحديث للقاسم، فقال: أتتك بالحديث على وجهه)).

[صحيح مسلم] (2/ 870 ) ((111- (‌1211) حدثنا يحيى بن يحيى التميمي.

قال

قرأت على مالك عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها؛ أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع.

فأهللنا بعمرة.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة.

ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا)).

قالت: فقدمت مكة وأنا حائض.

لم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة.

فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال

((انقضي رأسك وامتشطي.

وأهلي بالحج ودعي العمرة)) قالت ففعلت.

فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم.

فاعتمرت.

فقال: ((هذه مكان عمرتك)) فطاف، الذين أهلوا بالعمرة، بالبيت وبالصفا والمروة.

ثم حلوا.

ثم طافوا طوافا آخر، بعد أن رجعوا من منى لحجهم.

وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافا واحدا)).

112- (1211) وحدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث حدثني أبي عن جدي.

حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنها قالت

خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع.

فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج.

حتى قدمنا مكة.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أحرم بعمرة، ولم يهد، فليحلل.

ومن أحرم بعمرة، وأهدى، فلا يحل حتى ينحر هديه.

ومن أهل بحج، فليتم حجه)) قالت عائشة رضي الله عنها: فحضت.

فلم أزل حائضا حتى كان يوم عرفة.

ولم أهلل إلا بعمرة.

فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنقض رأسي، وأمتشط، وأهل بحج، وأترك العمرة.

ققالت: ففعلت ذلك.

حتى إذا قضيت حجتي، بعث معي رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر.

وأمرني أن أعتمر من التنعيم.

مكان عمرتي، التي أدركني الحج ولم أحلل منها.

113- (1211) وحدثنا عبد بن حميد.

أخبرنا عبد الرزاق.

أخبرنا معمر عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت

خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع.

فأهللت بعمرة.

ولم أكن سقت الهدي.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((من كان معه هدي، فليهلل بالحج مع عمرته، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا)).

قالت فحضت.

فلما دخلت ليلة عرفة، قلت: يا رسول الله! إني كنت أهللت بعمرة.

فكيف أصنع بحجتي؟ قال: ((انقضي رأسك.

وامتشطي.

وأمسكي عن العمرة.

وأهلي بالحج)) قالت: فلما قضيت حجتي أمر عبد الرحمن بن أبي بكر، فأردفني، فأعمرني من التنعيم.

مكان عمرتي التي أمسكت عنها.

114- (1211) حدثنا ابن أبي عمر.

حدثنا سفيان عن الزهري.

عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها.

قالت

خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال: ((من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة، فليفعل.

ومن أراد أن يهل بحج، فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة، فليهل)) قالت عائشة رضي الله عنها: فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج.

وأهل به ناس معه.

وأهل ناس بالعمرة والحج وأهل ناس بعمرة.

وكنت فيمن أهل بالعمرة.

115- (1211) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة.

حدثنا عبدة بن سليمان عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع.

موافين لهلال ذي الحجة.

قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أراد منكم أن يهل بعمرة فليهل.

فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة)) قالت: فكان من القوم من أهل بعمرة.

ومنهم من أهل بالحج.

قالت: فكنت أنا ممن أهل بعمرة.

فخرجنا حتى قدمنا مكة.

فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، لم أحل من عمرتي.

فشكوت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

فقال: ((دعي عمرتك.

وانقضي رأسك.

وامتشطي.

وأهلي بالحج)) قالت: ففعلت.

فلما كانت ليلة الحصبة، وقد قضى الله حجنا، أرسل معي عبد الرحمن بن أبي بكر، فأردفني وخرج بي إلى التنعيم.

فأهللت بعمرة.

فقضى الله حجنا وعمرتنا.

ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم.

116- (1211) وحدثنا أبو كريب.

حدثنا ابن نمير.

حدثنا هشام عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها.

قالت

خرجنا موافين مع رسول الله عليه وسلم لهلال ذى الحجة.

لانرى إلا الحج.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أحب منكم أن يهل بعمرة، فليهل بعمرة)) وساق الحديث بمثل حديث عبدة.

117- (1211) وحدثنا أبو كريب.

حدثنا وكيع.

حدثنا هشام عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها.

قالت

خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين لهلال ذي الحجة.

منا من أهل بعمرة.

ومنا من أهل بحجة وعمرة.

ومنا من أهل بحجة.

فكنت فيمن أهل بعمرة.

وساق الحديث بنحو حديثهما.

وقال فيه: قال عروة في ذلك: إنه قضى الله حجها وعمرتها قال هشام: ولم يكن في ذلك هدي ولا صيام ولا صدقة.

118- (1211) حدثنا يحيى بن يحيى.

قال: قرأت على مالك عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها.

أنها قالت

خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع.

فمنا من أهل بعمرة.

ومنا من أهل بحج وعمرة.

ومنا من أهل بالحج.

وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج.

فأما من أهل بعمرة فحل.

وأما من أهل بحج أوجمع الحج والعمرة، فلم يحلوا، حتى كان يوم النحر.

119- (1211) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب.

جميعا عن ابن عيينة.

قال عمرو: حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها.

قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نرى إلا الحج.

حتى إذا كنا بسرف، أو قريبا منها، حضت.

فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي.

فقال ((أنفست)) (يعني الحيضة قالت) قلت: نعم.

قال

((إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم.

فافضي ما يقضي الحاج.

غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي)).

قالت: وضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه بالبقر.

120- (1211) حدثني سليمان بن عبد الله أبو أيوب الغيلاني.

حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو.

حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها.

قالت

خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلا الحج.

حتى جئنا سرف فطمثت.

فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي.

فقال ((ما يبكيك؟)) فقلت: والله! لوددت أني لم أكن خرجت العام.

قال ((مالك؟ لعلك نفست؟)) قلت: نعم.

قال: ((هذا شيء كتبه على بنات آدم.

افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري)) قالت: فلما قدمت مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ((اجعلوها عمرة)) فأحل الناس إلا من كان معه الهدي.

قالت: فكان الهدي مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وذوي اليسارة.

ثم أهلوا حين راحوا.

قالت: فلما كان يوم النحر طهرت.

فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفضت.

قالت: فأتينا بلحم بقر.

فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه البقر فلما كانت ليلة الحصبة قلت: يا رسول الله! يرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع بحجة؟ قالت: فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر، فأردفني على جمله.

قالت: فإني لأذكر، وأنا جارية حديثة السن، أنعس فتيصيب وجهي مؤخرة الرحل.

حتى جئنا إلى التنعيم.

فأهللت منها بعمرة.

جزاء بعمرة الناس التي اعتمروا.

121- (1211) وحدثني أبو أيوب الغيلاني.

حدثنا بهز.

حدثنا حماد عن عبد الرحمن عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها.

قالت

لبينا بالحج.

حتى إذا كنا بسرف حضت.

فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي.

وساق الحديث بنحو حديث الماجشون.

غير أن حمادا ليس في حديثه: فكان الهدي مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وذوي اليسارة ثم أهلوا حين راحوا.

ولا قولها: وأنا جارية حديثة السن أنعس فتصيب وجهي مؤخرة الرحل.

122- (1211) حدثنا إسماعيل بن أبي أويس.

حدثني خالي مالك بن أنس.

ح وحدثنا يحيى بن يحيى.

قال: قرأت على مالك عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج.

123- (1211) وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير.

حدثنا إسحاق بن سليمان عن أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة رضي الله عنها.

قالت

خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج.

في أشهر الحج.

وفي حرم الحج.

وليالي الحج.

حتى نزلنا بسرف.

فخرج إلى أصحابه فقال: ((من لم يكن معه منكم هدي فأحب أن يجعلها عمرة، فليفعل.

ومن كان معه هدي، فلا)) فمنهم الآخذ بها والتارك لها.

ممن لم يكن معه هدي.

فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان معه الهدي.

ومع رجال من أصحابه لهم قوة.

فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي.

فقال: ((ما يبكيك؟)) قلت: سمعت كلامك مع أصحابك فسمعت بالعمرة (فمنعت العمرة) قال ((ومالك؟)) قلت: لا أصلي.

قال: ((فلا يضرك فكوني في حجك.

فعسى الله أن يرزقكيها.

وإنما أنت من بنات آدم.

كتب الله عليك ما كتب عليهن)) قالت: فخرجت في حجتي حتى نزلنا منى فتطهرت.

ثم طفنا بالبيت.

ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم المحصب.

فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: ((اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة.

ثم لتطف بالبيت.

فإني أنتظركما ههنا)) قالت: فخرجنا فأهللت.

ثم طفت بالبيت وبالصفا والمروة.

فجئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في منزله من جوف الليل.

فقال ((هل فرغت؟)) قلت: نعم.

فآذن في أصحابه بالرحيل.

فخرج فمر بالبيت فطاف به قبل صلاة الصبح.

ثم خرج إلى المدينة.

124- (1211) حدثني يحيى بن أيوب.

حدثنا عباد بن عباد المهلبي.

حدثنا عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: منا من أهل بالحج مفردا.

ومنا من قرن.

ومنا من تمتع.

(1211)- حدثنا عبد بن حميد.

أخبرنا محمد بن بكر.

أخبرنا ابن جريج.

أخبرني عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد.

قال: جاءت عائشة حاجة.

125- (1211) وحدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب.

حدثنا سليمان (يعني ابن بلال) عن يحيى (وهو ابن سعيد) عن عمرة.

قالت سمعت عائشة رضي الله عنها تقول

خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة.

ولا نرى إلا أنه الحج حتى إذا دنونا من مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه هدي، إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة، أن يحل.

قالت عائشة رضي الله عنها: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر.

فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه.

قال يحيى: فذكرت هذا الحديث للقاسم بن محمد.

فقال: أتتك، والله! بالحديث على وجهه.

(1211)- وحدثنا محمد بن المثنى.

حدثنا عبد الوهاب.

قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرتني عمرة أنها سمعت عائشة رضي الله عنها.

ح وحدثناه ابن أبي عمر.

حدثنا سفيان عن يحيى، بهذا الإسناد، مثله.

126- (1211) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة.

حدثنا ابن علية عن ابن عون، عن إبراهيم،

عن الأسود، عن أم المؤمنين.

ح وعن القاسم، عن أم المؤمنين .

قالت: قلت

يا رسول الله! يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك واحد.

قال: ((انتظري.

فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم.

فأهلي منه.

ثم القينا عند كذا وكذا (قال أظنه قال غدا) ولكنها على قدر نصبك أو (قال) نفقتك)).

127- (1211) وحدثنا ابن المثنى.

حدثنا ابن أبي عدي عن ابن عون، عن القاسم وإبراهيم.

قال: لا أعرف حديث أحدهما من الآخر؛ أن أم المؤمنين رضي الله عنها قالت

يا رسول الله! يصدر الناس بنسكين.

فذكر الحديث.

128- (1211) حدثنا زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم (قال زهير: حدثنا.

وقال إسحاق: أخبرنا جرير) عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها قالت

خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى إلا أنه الحج.

فلما قدمنا مكة تطوفنا بالبيت.

فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن ساق الهدي أن يحل.

قالت: فحل من لم يكن ساق الهدي.

ونساؤه لم يسقن الهدي.

فأحللن.

قالت عائشة: فحضت.

فلم أطف بالبيت.

فلما كانت ليلة الحصبة قالت: قلت: يا رسول الله! يرجع الناس بعمرة وحجة، وأرجع أنا بحجة؟ قال: ((أو ما كنت طفت ليالي قدمنا مكة؟)) قالت: قلت: لا.

قال: ((فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم.

فأهلي بعمرة.

ثم موعدك مكان كذا وكذا)).

قالت صفية: ما أراني إلا حابستكم.

قال: ((عقرى حلقى.

أو ماكنت طفت يوم النحر؟)) قالت: بلى.

قال: ((لا بأس.

انفري)).

قالت عائشة: فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها.

أو أنا مصعدة وهو منهبط منها.

وقال إسحاق: متهبطة ومتهبط.

129- (1211) وحدثناه سويد بن سعيد عن علي بن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها قالت

خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نلبي.

لا نذكر حجا ولا عمرة.

وساق الحديث بمعنى حديث منصور.

130- (1211) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن المثنى وابن بشار.

جميعا عن غندر.

قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر.

حدثنا شعبة عن الحكم، عن علي بن الحسين، عن ذكوان مولى عائشة، عن عائشة رضي الله عنها؛ أنها قالت

قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربع مضين من ذي الحجة، أو خمس.

فدخل علي وهو غضبان.

فقلت: من أغضبك، يا رسول الله! أدخله الله النار.

قال ((أو ماشعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون؟)) (قال الحكم: كأنهم يترددون أحسب) ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي معي حتى أشتريه، ثم أحل كما حلوا((.

131- (1211) وحدثناه عبيد الله بن معاذ.

حدثنا أبي.

حدثنا شعبة عن الحكم.

سمع علي بن الحسين عن ذكوان، عن عائشة رضي الله عنها.

قالت

قدم النبي صلى الله عليه وسلم لأربع أو خمس مضين من ذي الحجة.

بمثل حديث غندر.

ولم يذكر الشك من الحكم في قوله: يترددون.

132- (1211) حدثنا محمد بن حاتم.

حدثنا بهز.

حدثنا وهيب.

حدثنا عبد الله بن طاوس عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها؛ أنها أهلت بعمرة.

فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت.

فنسكت المناسك كلها.

وقد أهلت بالحج.

فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم، يوم النفر

))يسعك طوافك لحجك وعمرتك(( فأبت.

فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم.

فاعتمرت بعد الحج.

133- (1211) وحدثني حسن بن علي الحلواني.

حدثنا زيد بن الحباب.

حدثني إبراهيم بن نافع.

حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد، عن عائشة رضي الله عنها؛ أنها حاضت بسرف.

فتطهرت بعرفة.

فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم

))يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة، عن حجك وعمرتك((.

134- (1211) وحدثنا يحيى بن حبيب الحارثي.

حدثنا خالد بن الحارث.

حدثنا قرة.

حدثنا عبد الحميد بن جبير بن شيبة.

حدثتنا صفية بنت شيبة.

قالت

قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله! أيرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن ينطلق بها إلى التنعيم.

قالت: فأردفني خلفه على جمل له.

قالت: فجعلت أرفع خماري أحسره عن عنقي.

فيضرب رجلي بعلة الراحلة.

قلت له: وهل ترى من أحد؟ قالت: فأهللت بعمرة.

ثم أقبلنا حتى انتهينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحصبة.

[سنن أبي داود] (2/ 154) ‌1783- حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ، قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى إلا أنه الحج، فلما قدمنا تطوفنا بالبيت ((فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن ساق الهدي أن يحل، فأحل من لم يكن ساق الهدي)).

[سنن النسائي] (5/ 121) ‌2650- أخبرنا هناد بن السري، عن ابن أبي زائدة قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: أخبرتني عمرة أنها سمعت عائشة تقول: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج، حتى إذا دنونا من مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت أن يحل)).

[سنن ابن ماجه] (2/ 993 ) ‌2981- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة ، قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة، لا نرى إلا الحج، حتى إذا قدمنا ودنونا ((أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه هدي أن يحل)) فحل الناس كلهم، إلا من كان معه هدي، فلما كان يوم النحر، ((دخل علينا بلحم بقر، فقيل ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه))ز

أحاديث ذات صلة