انتدب اللهُ لمن يخرجُ في سبيلِه لا يخرجهُ إلا الإيمانُ بي والجهادُ في سبيلي، أنهُ ضامنٌ حتى أُدخلَه الجنةَ بأيِّهما كان، إما بقتلٍ، وإما وفاةٍ، أو أن يردَّه إلى مسكنِه الذي خرج منهُ ينالُ ما نال من أجرٍ أو غنيمةٍ
أخرجه النسائي (5029) واللفظ له، وأخرجه البخاري (36)، ومسلم (1876) بنحوه مطولاً
تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَن خَرَجَ في سَبيلِهِ، لا يُخْرِجُهُ إلَّا جِهادًا في سَبيلِي، وإيمانًا بي، وتَصْدِيقًا برُسُلِي، فَهو عَلَيَّ ضامِنٌ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أوْ أرْجِعَهُ إلى مَسْكَنِهِ الذي خَرَجَ منه، نائِلًا ما نالَ مِن أجْرٍ، أوْ غَنِيمَةٍ، والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، ما مِن كَلْمٍ يُكْلَمُ في سَبيلِ اللهِ، إلَّا جاءَ يَومَ القِيامَةِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِمَ، لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ، ورِيحُهُ مِسْكٌ، والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَوْلا أنْ يَشُقَّ علَى المُسْلِمِينَ ما قَعَدْتُ خِلافَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو في سَبيلِ اللهِ أبَدًا، ولَكِنْ لا أجِدُ سَعَةً فأحْمِلَهُمْ، ولا يَجِدُونَ سَعَةً، ويَشُقُّ عليهم أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أنِّي أغْزُو في سَبيلِ اللهِ فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أغْزُو فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أغْزُو فَأُقْتَلُ.
الراوي : أبو هريرة المحدث : مسلم المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 1876 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه البخاري (3123)، ومسلم (1876).
الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ لَهُ في الإسلامِ مَنْزلةٌ عاليةٌ؛ لِمَا فيه مِن الفَضْلِ والأَجْرِ الَّذي يُفضَّلُ به على كثيرٍ من العِباداتِ.
وفي هذا الحديثِ يَقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «تَضمَّنَ اللهُ»، وفي روايةٍ في الصَّحيحينِ: «تَكفَّلَ اللهُ» أي: أَوْجَبَ اللهُ تعالَى على نَفْسِه، وهذا الضَّمانُ والكفالةُ مُوافِقٌ لقَولِه تعالَى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ} [التوبة: 111] ، وذلك «لِمَن خَرَج» يُريدُ الغزوَ والجِهادَ في سبيلِ اللهِ وضِدَّ أعداءِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ولا تكون نيَّتُه في الخُروجِ إلَّا للهِ عزَّ وجلَّ، وهو مُؤمنٌ إيمانًا مَحْضًا باللهِ سُبحانه ومُؤمنًا برُسُلِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وبما أُرْسِلوا به الَّذين ذَكَرَهم سُبْحانَه في كتابِه وبيَّنتْه سُنَّةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، كان جَزاؤه عِنْد اللهِ تعالَى ضَمانُه سُبحانَه أنْ يُدْخِلَه الجَنَّةَ، وذلك إنْ قُتِلَ في المَعْركةِ، فإنْ لم يُقْتَلْ جَعَل اللهُ عزَّ وجلَّ له أجرًا عظيمًا في الآخرةِ، ورَزَقَهُ الغنيمةَ في الدُّنيا وأعادهُ إلى مَسكَنِه بما نالَهُ مِن ذلك.
ثمَّ حَلَف النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ باللهِ عزَّ وجلَّ الَّذي يَمْلِكُ نفْسَه بيده؛ فهو خالِقُها ومُدبِّرُ أمْرِها -وكثيرًا ما كان يُقْسِمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بهذا القَسَمِ- أنَّه ما مِن مُسلِمٍ يُصِيبُه جُرْحٌ أثناءَ القِتالِ في سَبيلِ اللهِ، إلَّا جاء يَومَ القيامةِ على حالتِه الَّتي جُرحِ به في الدُّنيا عندَما طُعِنَ، يَسيلُ ويَتفجَّرُ منها الدَّمُ، ولكنَّ هذا الدَّمَ وإنْ كان لوْنُه لوْنَ الدَّمِ، إلَّا أنَّ رائحتَه تكونُ طَيِّبةً مِثلَ رائحةِ المِسْكِ.
قيل: الحِكمةُ في كَونِ الدَّمِ يَأتي يومَ القِيامةِ على هَيئتِه أنَّه يَشهَدُ لِصاحِبِه بفَضْلِه، وعلى قاتِلِه بفِعلِه، وفائدةُ رائحتِه الطَّيِّبةِ أنْ تَنتشِرَ في أهلِ الموقفِ؛ إظهارًا لفَضيلتِه أيضًا، ومِن ثَمَّ لم يُشرَعْ غَسْلُ شَهيدِ المَعركةِ.
ثمَّ أقسَمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه لولا أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَخْشى المشقَّةَ والتَّعَبَ على المسْلِمين، ما تَرَك غَزوًا إلَّا خَرَجَ إليهِ، وما جَلَس خلْفَ سَريَّةٍ خَرَجَت للجهادِ في سَبيلِ اللهِ أبدًا، بلْ يَخرُجُ مع كلِّ سَريَّةٍ لِيَنالَ فَضيلةَ الجهادِ، والسَّرِيَّةُ: القِطْعَةُ من الجيشِ يَبْلُغُ أقصاها أَرْبَعَ مائةٍ رجُلٍ، ولكنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لا يَملِكُ مِن الدَّوابِّ الَّتي تَحمِلُ المسْلِمين في السَّفرِ، وتَعْبُرُ بهم إلى الغَزْوِ، وكذلك هم لا يَملِكُون من الدَّوابِّ الَّتي تُعِينُهم وتَحْمِلُهم؛ ليَكونوا مع رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويعودُ عَجْزُهم عن اللَّحاقِ برَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالمشقَّة عليهم، سواءٌ اتَّبَعُوه وسارَوا معه مَشيًا على الأقدامِ، أو قَعَدوا وتَخلَّفُوا عنه حين يَخرُجُ، ثمَّ أقسَمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «والَّذي نَفْسُ محمَّدٍ بيدِه، لوَدِدتُ أنْ أَغْزُوَ في سبيلِ اللهِ فأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو فأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو فأُقْتَلُ»، فهو يَتمنَّى أنْ يُجاهِدَ فيُقَتَل، ثمَّ يُبْعَثَ فيُجاهِدَ فيُقتَلَ مرَّاتٍ مُتكرِّرةً عَديدةً؛ وذلك لِما في الجهادِ والغزوِ وبَذلِ النَّفْسِ في سَبيلِ اللهِ مِن عظيمِ الفَضْلِ والأَجْرِ.
وفي الحديثِ: الحثُّ على الجِهادِ والخُروجِ في سبيلِ اللهِ تعالى.
وفيه: بيانُ ما كان عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من شَفَقَةٍ ورَحْمةٍ بالمسلمين.
[سنن النسائي] (8/ 119) 5029- أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن سعيد، عن عطاء بن ميناء، سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((انتدب الله لمن يخرج في سبيله لا يخرجه إلا الإيمان بي، والجهاد في سبيلي، أنه ضامن حتى أدخله الجنة بأيهما كان، إما بقتل، وإما وفاة، أو أن يرده إلى مسكنه الذي خرج منه، ينال ما نال من أجر أو غنيمة))
[صحيح البخاري] (1/ 16) 36- حدثنا حرمي بن حفص قال: حدثنا عبد الواحد قال: حدثنا عمارة قال: حدثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير قال: سمعت أبا هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((انتدب الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي، أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل))
[صحيح مسلم] (3/ 1495) (1876) وحدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن عمارة وهو ابن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهادا في سبيلي، وإيمانا بي، وتصديقا برسلي، فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلا ما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده، ما من كلم يكلم في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون دم، وريحه مسك، والذي نفس محمد بيده، لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده، لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل))،
(1876)- وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، قالا: حدثنا ابن فضيل، عن عمارة ، بهذا الإسناد