أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بعثَهُ إلى اليمَنِ ، ثمَّ أرسلَ مُعاذَ بنَ جبَلٍ بعدَ ذلِكَ ، فلمَّا قدِمَ قالَ : أيُّها النَّاسُ ، إنِّي رسولُ رسولِ اللَّهِ إليكُم ، فألقى لَهُ أبو موسى وِسادةً ليجلِسَ عليها ، فأتيَ برجلٍ كانَ يَهوديًّا فأسلمَ ، ثمَّ كفَرَ ، فقالَ مُعاذٌ : لا أجلِسُ حتَّى يُقتَلَ قضاءُ اللَّهِ ورسولِهِ ثلاثَ مرَّاتٍ ، فلمَّا قُتِلَ قعدَ
أخرجه النسائي (4066) واللفظ له، والبخاري (6923)، ومسلم (1733)، وأبو داود (4354) مطولا.
بَعَثَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أبَا مُوسَى ومُعَاذَ بنَ جَبَلٍ إلى اليَمَنِ، قالَ: وبَعَثَ كُلَّ واحِدٍ منهما علَى مِخْلَافٍ، قالَ: واليَمَنُ مِخْلَافَانِ، ثُمَّ قالَ: يَسِّرَا ولَا تُعَسِّرَا، وبَشِّرَا ولَا تُنَفِّرَا، فَانْطَلَقَ كُلُّ واحِدٍ منهما إلى عَمَلِهِ، وكانَ كُلُّ واحِدٍ منهما إذَا سَارَ في أرْضِهِ كانَ قَرِيبًا مِن صَاحِبِهِ أحْدَثَ به عَهْدًا، فَسَلَّمَ عليه، فَسَارَ مُعَاذٌ في أرْضِهِ قَرِيبًا مِن صَاحِبِهِ أبِي مُوسَى، فَجَاءَ يَسِيرُ علَى بَغْلَتِهِ حتَّى انْتَهَى إلَيْهِ، وإذَا هو جَالِسٌ وقَدِ اجْتَمع إلَيْهِ النَّاسُ، وإذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ قدْ جُمِعَتْ يَدَاهُ إلى عُنُقِهِ، فَقالَ له مُعَاذٌ: يا عَبْدَ اللَّهِ بنَ قَيْسٍ، أيُّمَ هذا؟ قالَ: هذا رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ، قالَ: لا أنْزِلُ حتَّى يُقْتَلَ، قالَ: إنَّما جِيءَ به لِذلكَ، فَانْزِلْ، قالَ: ما أنْزِلُ حتَّى يُقْتَلَ، فأمَرَ به فَقُتِلَ، ثُمَّ نَزَلَ، فَقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ، كيفَ تَقْرَأُ القُرْآنَ؟ قالَ: أتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقًا، قالَ: فَكيفَ تَقْرَأُ أنْتَ يا مُعَاذُ؟ قالَ: أنَامُ أوَّلَ اللَّيْلِ، فأقُومُ وقدْ قَضَيْتُ جُزْئِي مِنَ النَّوْمِ، فأقْرَأُ ما كَتَبَ اللَّهُ لِي، فأحْتَسِبُ نَوْمَتي كما أحْتَسِبُ قَوْمَتِي.
الراوي : أبو موسى الأشعري المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4341 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (1733) مختصراً باختلاف يسير كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُوَلِّي أصْحابَه على البُلدانِ، وكان يُوصِيهم بما يَنفَعُهم في الحُكمِ بيْن النَّاسِ، وبما يُقيمُ العَدْلَ فيهم، وكان يُوصِيهم بالتَّشاوُرِ في المُعضِلاتِ حتَّى يَصْدُروا عنِ اجْتِهادٍ، ورَأيِ الجَماعةِ.
وفي هذا الحَديثِ يَحْكي التَّابِعيُّ أبو بُرْدةَ عامرُ بنُ أبي مُوسى الأشْعَريِّ، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أرسَلَ أبا مُوسى الأشْعَريَّ ومُعاذَ بنَ جَبَلٍ رَضيَ اللهُ عنهما إلى اليَمَنِ، وهذه الرِّوايةُ تُوحِي بأنَّهما أُرسِلا معًا، وأوْصاهما معًا في وَقتٍ واحدٍ، ولكنْ ورَدَ عندَ النَّسائيِّ عن أبي مُوسى الأشْعَريِّ: «أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعَثَه إلى اليمَنِ، ثمَّ أرسَلَ مُعاذَ بنَ جبَلٍ بعْدَ ذلك»، وفي رِوايةٍ للبُخاريِّ: «ثمَّ أتْبَعَه مُعاذَ بنَ جَبلٍ».
ثمَّ أخبَرَ أبو بُرْدةَ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ بعَثَ كُلَّ واحِدٍ منهما على «مِخْلافٍ»، أي: إقْليمٍ، وكانتِ اليَمَنُ مُقسَّمةً إلى إقْليمَينِ، وكانت جِهةُ مُعاذِ بنِ جبَلٍ رَضيَ اللهُ عنه العُلْيا إلى صَوبِ عَدَنَ، وكان مِن عَمَلِه مِنطَقةُ الجَنَدِ: بفَتحِ الجيمِ والنُّونِ، وله بها مَسجِدٌ مَشهورٌ إلى اليومِ، وجِهةُ أبي موسى رَضيَ اللهُ عنه السُّفْلى، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «يَسِّرَا ولا تُعَسِّرَا»، أي: خُذَا بما فيه اليُسرُ والسُّهولةُ، ولا تَأخُذَا بما فيه الشِّدَّةُ، أو يَسِّرَا فيما كان مِن النَّوافلِ ممَّا كان شاقًّا؛ لئلَّا يُفضِيَ بصاحبِه إلى الملَلِ، فيَترُكَه أصلًا، أو يُعْجَبَ بعَمَلِه، فيُحْبَطَ، وفيما رُخِّصَ فيه مِن الفرائضِ، كصَلاةِ الفرضِ قاعدًا للعاجزِ، والفطرِ في الفرْضِ لمَن سافَرَ فيَشُقُّ عليه، «وبَشِّرَا ولا تُنَفِّرَا»، أي: بَشِّرا، ولا تُنذِرَا، وآنِسَا، ولا تُنفِّرَا، فجمَعَ بيْنَهما؛ ليَعُمَّ البِشارةَ، والنِّذارةَ، والتَّأْنيسَ، والتَّنْفيرَ.
وفي الإتْيانِ بلفظِ البِشارةِ والتَّنفيرِ؛ للإشارةِ إلى أنَّ الإنْذارَ لا يُنْفى مُطلقًا، بخِلافِ التَّنْفيرِ، فكأنَّه قيلَ: إنْ أنذَرْتم، فليَكُنْ بغيرِ تَنْفيرٍ.
فانطَلَقَ كُلُّ واحِدٍ منهما إلى عَمَلِه، وكان كُلُّ واحِدٍ منهما إذا سارَ في أرْضِه، وكان قَريبًا مِن صاحِبِه جدَّدَ العَهدَ بزيارةِ صاحبِه، فيَزورُه، ويُسلِّمُ عليه، فسارَ مُعاذُ بنُ جبَلٍ رَضيَ اللهُ عنه يومًا في أرْضِه قَريبًا مِن صاحِبِه أبي مُوسى رَضيَ اللهُ عنه، فذهَبَ إلى أبي مُوسى رَضيَ اللهُ عنه زائرًا، وكان راكبًا على بَغْلتِه، حتَّى انْتَهى إلى أبي مُوسى رَضيَ اللهُ عنه، فرآهُ جالِسًا وقدِ اجتَمَعَ إليه النَّاسُ، ووَجَدَ عندَه رَجلًا قدْ جُمِعَتْ يَداهُ إلى عُنُقِه، فَنادى مُعاذٌ أبا مُوسى رَضيَ اللهُ عنهما باسْمِه: «يا عَبْدَ اللَّهِ بنَ قَيْسٍ»، ثمَّ قال: «أيُّمَ هذا؟» أي: أيُّ شَيءٍ هَذا؟ فأَجابَه أبو مُوسى رَضيَ اللهُ عنه: هذا رَجلٌ ارتَدَّ وكفَرَ بعْدَ إسْلامِه.
فقال مُعاذٌ رَضيَ اللهُ عنه: لا أنزِلُ عن دابَّتي حتَّى يُقتَلَ، فقال أبو مُوسى رَضيَ اللهُ عنه: إنَّما جِيءَ به لذلك، فانزِلْ، قال: ما أنزِلُ حتَّى يُقتَلَ، فأمَرَ به أبو مُوسى رَضيَ اللهُ عنه، فقُتِلَ، ثمَّ نزَلَ مُعاذٌ رَضيَ اللهُ عنه.
فقال مُعاذُ بنُ جبَلٍ لأبي مُوسى رَضيَ اللهُ عنهما: يا عَبدَ اللهِ، كيف تَقْرأُ القُرآنَ؟ فأجابَه: «أتَفوَّقُه تَفوُّقًا»، أي: أقْرَؤُه شَيئًا بعْدَ شَيءٍ في آناءِ اللَّيلِ والنَّهارِ، يَعني لا أقْرَؤُه مرَّةً واحِدةً؛ بل أُفرِّقُ قِراءتَه على أوْقاتٍ، مَأْخوذٌ مِن فَواقِ النَّاقةِ، وهو أنْ تُحلَبَ، ثمَّ تُترَكَ مدَّةً حتَّى تُدِرَّ، ثمَّ تُحلَبَ، فسَألَ أبو مُوسى مُعاذًا رَضيَ اللهُ عنهما: فكَيف تَقْرأُ أنتَ يا مُعاذُ؟ قال: أنامُ أوَّلَ اللَّيلِ، فأقومُ وقدْ قَضَيتُ جُزْئي مِن النَّومِ، فأُجزِّئُ اللَّيلَ أجْزاءً؛ جُزْءًا للنَّومِ، وجُزْءًا للقِراءةِ والقيامِ، فأقْرأُ ما كتَبَ اللهُ لي، فأحْتَسِبُ نَوْمَتي كما أحْتَسِبُ قَوْمَتي، أي: أطلُبُ الثَّوابَ في الرَّاحةِ كما أطْلُبُه في التَّعَبِ؛ لأنَّ الرَّاحةَ إذا قُصِدَ بها الإعانةُ على العِبادةِ، حصَلَ بها الثَّوابُ.
وفي الحَديثِ: أنَّ العالِمَ والواعِظَ والمَقبولَ مِن قَولِه مَأْمورٌ بألَّا يُقنِّطَ النَّاسَ، وأنْ يُيَسِّرَ على المُبتَدِئِ في الإسْلامِ، ولا يُفاجِئَه بالشِّدَّةِ.
وفيه: الأُلْفةُ والمَودَّةُ بيْن الصَّحابةِ.
وفيه: تَقْديمُ أفاضِلِ النَّاسِ على العمَلِ واخْتِصاصِ العُلماءِ منهم.
وفيه: سُؤالُ الصَّاحِبِ صاحِبَه عن عِبادَتِه وحالِه معَ ربِّه.
وفيه: أنَّ القَتلَ عُقوبةُ المُرتَدِّ عنِ الإسْلامِ إلى الكُفرِ.
[سنن النسائي] (7/ 105) :
4066 - حدثنا محمد بن بشار، وحدثني حماد بن مسعدة، قالا: حدثنا قرة بن خالد، عن حميد بن هلال ، عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ، عن أبيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن، ثم أرسل معاذ بن جبل بعد ذلك، فلما قدم، قال: أيها الناس، إني رسول رسول الله إليكم، فألقى له أبو موسى وسادة ليجلس عليها، فأتي برجل كان يهوديا فأسلم ثم كفر، فقال معاذ: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله.
ثلاث مرات، فلما قتل قعد.
[صحيح البخاري] (9/ 15) :
6923 - حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن قرة بن خالد، حدثني حميد بن هلال، حدثنا أبو بردة، عن أبي موسى قال: أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك، فكلاهما سأل، فقال: يا أبا موسى، أو: يا عبد الله بن قيس.
قال: قلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت، فقال: لن، أو: لا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى، أو يا عبد الله بن قيس، إلى اليمن.
ثم اتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه ألقى له وسادة، قال: انزل، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديا فأسلم ثم تهود، قال: اجلس، قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله، ثلاث مرات.
فأمر به فقتل، ثم تذاكرنا قيام الليل، فقال أحدهما: أما أنا فأقوم وأنام، وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي.
صحيح مسلم (3/ 1456 ت عبد الباقي) :
15 - (1733) حدثنا عبيد الله بن سعيد ومحمد بن حاتم (واللفظ لابن حاتم).
قالا: حدثنا يحيي بن سعيد القطان.
حدثنا قرة بن خالد.
حدثنا حميد ابن هلال.
حدثني أبو بردة.
قال: قال أبو موسى : أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين.
أحدهما عن يميني والآخر عن يساري.
فكلاهما سأل العمل.
والنبي صلى الله عليه وسلم يستاك.
فقال (ما تقول؟ يا أبا موسى! أو يا عبد الله بن قيس!) قال فقلت: والذي بعثك بالحق! ما أطلعاني على ما في أنفسهما.
وما شعرت أنهما يطلبان العمل.
قال: وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته، وقد قلصت.
فقال (لن، أو لا نستعمل على عملنا من أراده.
ولكن اذهب أنت، يا أبا موسى! أو يا عبد الله بن قيس!) فبعثه على اليمن.
ثم أتبعه معاذ بن حبل.
فلما قدم عليه قال: انزل.
وألقى له وسادة.
وإذا رجل عنده موثق.
قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديا فأسلم.
ثم راجع دينه، دين السوء.
فتهود.
قال: لا أجلس حتى يقتل.
قضاء الله ورسوله.
فقال: اجلس.
نعم.
قال: لا أجلس حتى يقتل.
قضاء الله ورسوله.
ثلاث مرات.
فأمر به فقتل.
ثم تذاكر القيام من الليل.
فقال أحدهما، معاذ: أما أنا فأنام وأقوم وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي.
سنن أبي داود (4/ 126 ت محيي الدين عبد الحميد) :
4354 - حدثنا أحمد بن حنبل، ومسدد، قالا: حدثنا يحيى بن سعيد ، قال مسدد: حدثنا قرة بن خالد، حدثنا حميد بن هلال، حدثنا أبو بردة، قال: قال أبو موسى : أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، فكلاهما سأل العمل، والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، فقال: ما تقول يا أبا موسى - أو يا عبد الله بن قيس؟ - قلت: والذي بعثك بالحق، ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت، قال: لن نستعمل - أو لا نستعمل - على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى - أو يا عبد الله بن قيس -، فبعثه على اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل، قال: فلما قدم عليه معاذ، قال: انزل، وألقى له وسادة، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديا، فأسلم، ثم راجع دينه دين السوء، قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله، قال: اجلس نعم، قال: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله، ثلاث مرات، فأمر به فقتل، ثم تذاكرا قيام الليل، فقال: أحدهما معاذ بن جبل: أما أنا فأنام وأقوم، أو أقوم وأنام، وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي