عن ابن عباسٍ في سورةِ النحلِ : مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعدِ إِيْمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ إلى قولِهِ : لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيْمٌ فنسخَ واستثنى من ذلكَ ، فقالَ : ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِيْنَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ .

قَالَ أبو عبدِ الرحمنِ : وهوَ عبدُ اللهِ بنُ سعدٍ ابنُ أبي سرحٍ ، الذي كانَ على مصرَ ، كانَ يكتبُ لرسولِ اللهِ ، فأزلَّهُ الشيطانُ ، فلحقَ بالكفارِ ، فأمرَ بهِ أنْ يقتلَ يومَ الفتحِ ، فاستجارَ له عثمانُ بنُ عفانٍ ، فأجارهُ رسولُ اللهِ

الدلالات الموضوعية:# مغازي - فتح مكة# كتب النبي - اتخاذ الكاتب# قرآن - النسخ# ردة - بأي شيء تكون الردة؟# جهاد - الأمان والوفاء به ومن له إعطاء الأمان
المصدر: صحيح النسائي
الراوي: عبدالله بن عباس
المحدث: الألباني
الحكم:إسناده صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه أبو داود (4358) مختصرا، والنسائي (4069) واللفظ له.

الشرح والتوضيح

جاءَتِ الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ بالتَّخفيفِ والتَّيسيرِ ورَفْعِ الحرَجِ والمشقَّةِ عن المُكلَّفينَ، وقد بيَّن اللهُ سبحانه وتعالى في كتابِه الكريمِ أنَّ المُكرَهَ على النُّطقِ بكَلمةِ الكُفرِ، وقلبُه مطمئنٌّ بالإيمانِ، رافِضٌ لِمَا يقولُ- فهو مَعفُوٌّ عنه.

وفي هذا الحَديثِ يقولُ ابنُ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عَنهما "في سورةِ النَّحلِ"، أي: في تَفسيرِه الآيةَ الَّتي في سورةِ النَّحلِ، وهي قولُه تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ} [النحل: 106] ، أي: مَنِ ارتَدَّ عن الدِّينِ، وكفَر باللهِ بعد إيمانِه، {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] ، أي: فهذا مُستثنًى ممَّن نطَق بكَلمةِ الكُفرِ، لأنَّ قَلْبَه يعتقِدُ الإيمانَ واليقينَ، وهذه الآيةُ نزلَتْ في عَمَّارِ بنِ ياسرٍ رَضِي اللهُ عَنهما؛ حيثُ إنَّ كفَّارَ قُرَيشٍ كانوا قد أجبَروه على أن يَرتَدَّ ويكفُرَ، فعذَّبوه، فنطَق بلسانِه كلمةَ الكفرِ، لكنَّ قَلْبَه مُعتقِدٌ بالإيمانِ، مُطمئِنٌّ به، {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [النحل: 106] ، أي: فتَح صدرَه للكفرِ فاعتقَدَه، ورَضِيَتْ نفسُه به، ومالَتْ إليه، {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106] ، أي: كان جزاؤُه أنْ يَغضَبَ اللهُ عليه، وله عَذابٌ عظيمٌ يومَ القيامةِ؛ وذلك لفَدَاحةِ ذَنْبِه؛ حيث اختار الكُفرَ على الإيمانِ.

قال ابنُ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عَنهما: "فنَسَخَ واستَثنَى مِن ذلك"، أي: أزالَ اللهُ سبحانه وتعالى ذلكَ الحُكمَ بأنَّ مَن رضِيَ بالكفرِ واعتقَدَه له عذابٌ عظيمٌ- في حقِّ مَن رجَع وتاب مِن كُفرِه، فقال: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا} [النحل: 110] ، والهجرةُ الانتقالُ مِن بلَدٍ إلى بلَدٍ؛ فِرارًا بالدِّينِ، والمعنى: أنَّ الَّذين ترَكوا بلادَهم مِن أجلِ الفِرارِ بدِينِهم، والمقصودُ بهم المُستَضْعَفون الَّذين عُذِّبوا في مكَّةَ، {مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا} [النحل: 110] ، أي: امتُحِنوا وابتُلُوا في دِينِهم، {ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا} [النحل: 110] ، أي: جاهَدوا المُشرِكينَ والكفَّارَ، وصبَروا على البَأْساءِ والضَّرَّاءِ، {إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 110] ، أي: إنَّ اللهَ بعدَ ما فعَلوه مِن هِجرتِهم وجِهادِهم وصَبْرِهم، فإنَّ الله غفورٌ لهم، رحيمٌ بهم.

وقيل: إنَّ هذه الآيةَ: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا} [النحل: 110] نزَلَتْ في قومٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم كانوا قد بَقُوا بمكَّةَ بعدَما هاجَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم؛ فاشتَدَّ المُشرِكونَ عليهم حتَّى فتَنوهم عن دِينِهم، فأَيِسُوا مِن التَّوبةِ، فأنزَل اللهُ فيهم هذِه الآيةَ؛ فهاجَروا ولَحِقوا برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم.

ثمَّ ذكَر ابنُ عبَّاسٍ قِصَّةَ عبدِ اللهِ بنِ سعدِ بنِ أبي السَّرحِ عندما ارتَدَّ ثمَّ عاد إلى الإسلامِ، وعفا عنه النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، فقال: "وهو عبدُ اللهِ بنُ سعدِ بنِ أبي سَرْحٍ، الَّذي كان على مِصْرَ"، أي: كان واليًا على مِصْرَ في خلافةِ عُثمانَ رَضِي اللهُ عَنه، "كان يَكتُبُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم"، أي: يَكتُبُ له الوَحْيَ، "فأزَلَّه الشَّيطانُ"، أي: أوقَعَه الشَّيطانُ في الزَّللِ والضَّلالِ بعدَ الإيمانِ، "فلحِقَ بالكفَّارِ"، أي: ارتَدَّ عنِ الإسلامِ، وامتَنَعَ بأرضِ الكفَّارِ، "فأمَر به أن يُقتَلَ يومَ الفَتْحِ"، أي: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أهدَرَ دمَه، وذلك يومَ أنْ فتَحَ مكَّةَ، "فاستجار له عُثمانُ بنُ عفَّانَ"، أي: إنَّه فَرَّ، وطلَب مِن عُثمانَ أن يكونَ له شفيعًا عند النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، ويُجِيرَه مِن القَتْلِ، وكان أخَاهُ مِن الرَّضاعةِ، فلمَّا دعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم النَّاسَ إلى البَيعةِ، جاءَ عُثمانُ به إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، فقال: يا رسولَ اللهِ، بايِعْ عبدَ اللهِ، فرفَع النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رأسَه فنظَر إليه ثلاثًا، كلَّ ذلك يَرفُضُ مبايعَتَه، ثمَّ بايَعَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم في الرَّابعةِ، "فأجارَه رسولُ اللهِ"، أي: عفَا عنه النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم.

وفي روايةٍ مِن حديثٍ آخَرَ: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم لَمَّا انصرَف عن عبدِ اللهِ بنِ سعدٍ، قال لأصحابِه: "أمَا كان فيكم رَجُلٌ رشيدٌ يقومُ إلى هذا- حيث رآني كفَفْتُ يدي عن بَيعتِه- فيقتُلَه؟ فقالوا: ما نَدْري يا رسولَ اللهِ ما في نَفْسِك، ألَا أوْمَأْتَ إلينا بعينِكَ؟ قال: إنَّه لا يَنبغي لنبيٍّ أن تكونَ له خائنةُ الأعيُنِ".

وفي الحديثِ: إثباتُ النَّسخِ في القُرآنِ.

وفيه: مَنقَبةٌ وفَضليةٌ جليلةٌ لعُثمانَ بنِ عفَّانَ رضِيَ اللهُ عنه.

وفيه: بيانُ خُلُقٍ مِن أخلاقِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، وهو العَفْوُ.

وفيه: بيانُ وفاءِ الأنبياءِ، وعدمِ خيانتِهم لغيرِهم، حتَّى ولو بنَظْرةٍ .

الأصول والأحكام

[سنن أبي داود] (4/ 128) ((4358- حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثنا علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأزله الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم (()).

[سنن النسائي] (7/ 107) ‌4069- أخبرنا زكريا بن يحيى، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا علي بن الحسين بن واقد، قال: أخبرني أبي، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ، قال: ((في سورة النحل: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره}.

إلى قوله: {ولهم عذاب عظيم}، فنسخ، واستثنى من ذلك فقال: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم}، وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي كان على مصر كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم)).

أحاديث ذات صلة