خطب أبو طلحةَ ، أمَّ سليمٍ ، فقالت : واللهِ ما مِثلُك يا أبا طلحةَ يُرَدُّ ، ولكنك رجلٌ كافرٌ ، وأنا امرأةٌ مسلمةٌ ، ولا يحلُّ لي أن أتزوجَك ، فإن تُسْلِمْ فذاك مهري ، وما أسألُك غيرَه .

فأسلمَ فكان ذلك مهرَها

الدلالات الموضوعية:# نكاح - الصداق# مناقب وفضائل - أم سليم# نكاح - الكفاءة في النكاح# نكاح - خطبة النكاح# مناقب وفضائل - أبو طلحة
المصدر: صحيح النسائي
الراوي: أنس بن مالك
المحدث: الألباني
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه النسائي (3341)، والطبراني (5/91) (4676) باختلاف يسير، وابن حبان (7187) مطولاً.

الشرح والتوضيح

ما أعظَمَ أنْ تَسعَى المرأةُ بمَهرِها في أنْ يكونَ قُربةً تتقرَّبُ به إلى اللهِ عزَّ وجلَّ يومَ القيامَةِ! وفي هذا الحديثِ يقولُ أنسُ بنُ مالكٍ رضِيَ اللهُ عَنه: "خَطَب أبو طَلحَةَ أُمَّ سُلَيمٍ"، أي: طَلَبها للزَّواجِ، وكان أبو طَلحَةَ الأنصاريُّ رضِيَ اللهُ عَنه ما زال على الشِّركِ، وأمُّ سُليمٍ هي أمُّ أنَسِ بنِ مالِكٍ، فقالت له أمُّ سُليمٍ: "واللهِ ما مِثلُك يا أبا طَلحَةَ يُردُّ"، وفي هذا تَعظيمٌ له وحَثٌّ على أنْ يأتِيَ ما سيُطلَبُ منه؛ فلعلَّها قالتْ ذلك تمهيدًا له وترغيبًا في أنْ يَدخُلَ في الإسلامِ؛ لأنَّ مِثلَه له من العقلِ والفِطنةِ ما يَعرِفُ به الحقَّ ويَتَّبِعُه فيَدخُل في الإسلامِ، وأيضًا لعلَّها قالت ذلك؛ رَغبةً في الزَّواجِ من أبي طَلحةَ ولكن منَعَها من ذلك كُفرُه فتوصَّلتْ إلى بلوغِ غَرَضِها ببذلِ نفْسِها فظَفِرَتْ بالخيرينِ؛ بإسلامِه وبالزواجِ مِنه، "ولكنَّك رجلٌ كافِرٌ، وأنا امرأَةٌ مسلِمةٌ، ولا يَحِلُّ لي أنْ أتزوَّجَك، فإنْ تُسلِمْ"، أي: تَدخلْ في الإسلامِ، "فذاك مَهري"، والمَهْرُ: هو ما تَستحِقُّه المرأةُ بدلًا في النِّكاحِ، "وما أَسألُك غيرَه"، أي: مالًا، قال أنَسٌ رضِيَ اللهُ عَنه: "فأَسْلَم"، أي: أبو طَلحةَ رضِيَ اللهُ عَنه، "فكان ذلك"، أي: إسلامُه "مَهرَها"، أي: مَهرًا لأُمِّ سُليمٍ.

قال ثابِتٌ البُنانِيُّ راوي الحَديثِ عن أنَسِ بنِ مالِكٍ رضِيَ اللهُ عَنه: "فما سمِعتُ بامرأةٍ قَطُّ كانتْ أكرَمَ مَهرًا مِن أمِّ سُليمٍ؛ الإسلامَ، فدَخَل بها فولَدَتْ له"، وهذا تَعظيمٌ لقَدرِها وبيانٌ لتَفضيلِها أجْرَ الآخرَةِ على ما يكونُ لها في الدُّنيا.

قيل: وقولُ أمِّ سُليمٍ في الحديثِ: "ولا يحِلُّ لي أنْ أتزوَّجَك" شاذٌّ مخالِفٌ للحَديثِ الصَّحيحِ؛ وذلك أنَّ أبا طَلحةَ ممَّن أَسلَم في أوائِلِ الهِجرةِ، وتَحريمُ المسلِماتِ على الكفَّارِ إنَّما جاء بين الحُديبيَةِ والفَتحِ كما روَى البخاريُّ؛ فيكون الحديثُ وإنْ كان صحيحَ الإسنادِ إلَّا أنَّه مُعلَّل بما ذَكَره البخاريُّ.

ولكنِ الصَّوابُ: أنَّها علَّقَت زواجَها به على إسلامِه دُونَ تَقييدٍ بالنَّهيِ الوارِدِ في قولِه تعالى: {لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10] .

واستُشكِل فِعلُ أبي طَلحةَ مع حَديثِ الهِجرةِ؛ حيثُ قال صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "ومَن كانتْ هِجرتُه إلى دُنيا يُصيبُها، أو إلى امرأةٍ يَنكِحُها، فهِجرتُه إلى ما هَاجَر إليه"، ولا إشكالَ في ذلك؛ إذ دُخولُ الشَّخصِ في الإسلامِ لأيِّ سبَبٍ مِن الأسبابِ لا يَضرُّه، إذا حَسُنَ بعد ذلك إسلامُه؛ إذ بعضُ المؤمنين الأوَّلين هكذا كان دُخولُهم في الإسلامِ، ثمَّ رَزَقهم اللهُ تعالى الثَّباتَ فيه؛ ولذلك جعَل اللهُ تعالى في الصَّدقاتِ قِسْمَ المؤلَّفَةِ قُلوبُهم، فكثيرٌ مِن النَّاسِ يَدخُلُ في الإسلامِ طمَعًا في مالٍ أو جاهٍ، ثمَّ يدخُلُ الإيمانُ في قَلبِه، فيكونُ مِن خِيارِ المسلمين؛ فلعلَّ أبا طَلحةَ رَضِي اللهُ عنه مِن هذا القَبيلِ، وإنَّما الَّذي يَضُرُّه أنْ يكونَ بعدَ دُخولِه في الإسلامِ لا حاجَةَ له إلَّا غَرَضُه ذلك؛ بحيثُ لو قُدِّر أنْ فَقَدَه لم يَثبُتْ على الإسلامِ؛ كما قال اللهُ تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} [الحج: 11] ؛ الآيةَ.

وفي الحديثِ: فَضلٌ كبيرٌ ومَنقبةٌ جليلةٌ لأمِّ سُليمٍ رضِيَ اللهُ عنها؛ حيث جعَلَت مَهرَها دُخولَ زَوجِها في الإسلامِ .

الأصول والأحكام

[سنن النسائي] (6/ 114) 3341- أخبرنا محمد بن النضر بن مساور قال: أنبأنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: ((خطب أبو طلحة أم سليم فقالت: والله ما مثلك يا أبا طلحة يرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم فذاك مهري وما أسألك غيره، فأسلم فكان ذلك مهرها)).

قال ثابت: فما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهرا من أم سليم: الإسلام، فدخل بها فولدت له.

[المعجم الكبير – للطبراني]- دار إحياء التراث (5/ 91) 4676- حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: خطب أبو طلحة أم سليم، قبل أن يسلم، فقالت: أما إني فيك لراغبة، وما مثلك يرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، فإن تسلم فذلك مهري لا أسألك غيره، فأسلم أبو طلحة وتزوجها.

صحيح ابن حبان (16/ 155) 7187- أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع حدثنا الصلت بن مسعود الجحدري حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا ثابت عن أنس قال: خطب أبو طلحة أم سليم فقالت له: ما مثلك يا أبا طلحة يرد ولكني امرأة مسلمة وأنت رجل كافر ولا يحل لي أن أتزوجك فإن تسلم فذلك مهري لا أسألك غيره فأسلم فكانت له فدخل بها فحملت فولدت غلاما صبيحا وكان أبو طلحة يحبه حبا شديدا فعاش حتى تحرك فمرض فحزن عليه أبو طلحة حزنا شديدا حتى تضعضع قال: وأبو طلحة يغدو على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويروح فراح روحة ومات الصبي فعمدت إليه أم سليم فطيبته وجعلته في مخدعنا فأتى أبو طلحة فقال: كيف أمسى بني؟ قالت: بخير ما كان منذ اشتكى أسكن منه الليلة, قال: فحمد الله وسر بذلك فقربت له عشاءه فتعشى ثم مست شيئا من طيب فتعرضت له حتى واقع بها فلما تعشى وأصاب من أهله قلت: يا أبا طلحة رأيت لو أن جارا لك أعارك عارية فاستمتعت بها ثم أراد أخذها منك أكنت رادها عليه, فقال: إي والله إني كنت لرادها عليه قالت:1 طيبة بها نفسك؟ قال: طيبة بها نفسي, قالت: فإن الله قد أعارك بني ومتعك به ما شاء ثم قبض إليه فاصبر واحتسب, قال: فاسترجع أبو طلحة وصبر ثم أصبح غاديا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه حديث أم سليم كيف صنعت, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بارك الله لكما في ليلتكما)) قال: وحملت تلك الواقعة فأثقلت, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة: ((إذا ولدت أم سليم فجئني بولدها))، قال: فمضغ رسول الله صلى الله عليه وسلم تمرة فمجها في فيه فجعل الصبي يتلمظ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة: ((حب الأنصار التمر))، فحنكه وسمى عليه، ودعا له، وسماه عبد الله.

أحاديث ذات صلة