أن نجدةَ الحروريّ حين خرج في فتنة ابن الزبيرِ أرسل إلى ابنِ عباسٍ، يسأله عن سهم ذي القربى : لمن تراه ؟ قال : هو لنا، لقربى رسولِ اللهِ، قسمه رسولُ اللهِ لهم .
وقد كان عمرُ عرض علينا شيئًا، رأيناه دون حقِّنا، فأبينا أن نقبلَه، وكان الذي عرض عليهم : أن يعين ناكحَهم، ويقضيَ عن غارمِهم، ويعطي فقيرَهم .
وأبى أن يزيدَهم على ذلك
أخرجه أحمد (2811)، والطبراني (10/ 336) (10833)، والبغوي في ((شرح السنة)) (2723)، والبيهقي (18023) واللفظ لهم.
الخوارجُ مِن أوَّلِ الفِرَقِ المبتدعةِ ظُهورًا في الإسلامِ، وقد ظلَّ الخوارجُ على عهدِ الصَّحابةِ رَضِي اللهُ عَنهم يُجادِلون أصحابَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم ويُراجِعونهم في دِينِهم؛ ظنًّا مِن الخوارجِ أنَّهم على حقٍّ.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ يَزيدُ بنُ هُرمُزَ: "أنَّ نَجدةَ الحَروريَّ"، وهو نَجْدةُ بنُ عامرٍ، وكان مِن الخوارجِ، يُنسَبُ إلى حَروراءَ، موضعٌ قريبٌ مِن الكوفةِ، وهي البَلدُ الَّتي اجتَمَع فيها أوَّلُ أمرِ الخوارجِ، "حينَ خرَج"، أي: ظهَر، "في فِتنةِ ابنِ الزُّبيرِ"، أي: في الزَّمنِ الَّذي كان فيه فتنةُ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ رَضِي اللهُ عَنهما لَمَّا بايعَ مُعاويةُ رَضِي اللهُ عَنه لابنِه يَزيدَ بالخلافةِ، "أرسَل"، أي: نَجدةُ هذا، "إلى ابنِ عبَّاسٍ، يَسأَلُه عن سَهمِ ذي القُرْبى"، أي: الَّذي في قولِه تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} [الأنفال: 41] ، قال: "لِمَن تَراه"؟ أي: هل هو لِقَرابةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، أم يَصرِفُه الإمامُ في مصالحِ المسلِمين؟ فقال عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عَنهما: "هو لنا"؛ وذلك أنَّ ابنَ عبَّاسٍ ابنُ عمِّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم؛ "لِقُربَى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم"، أي: لِقَرابتِه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، "قسَمَه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم لهم"، أي: أخرَجه لهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم في حَياتِه، "وقد كان عُمرُ"، أي: في زمَنِ خلافتِه رَضِي اللهُ عَنه، "عرَض علينا شيئًا"، أي: جُزءًا مِن هذا السَّهمِ وليس كلَّه، "رأَيْناه دونَ حقِّنا"، أي: كان أقلَّ ممَّا هو واجبٌ لنا، "فأبَيْنا أن نَقبَلَه"، أي: فامتَنَعنا عن أخذِه، "وكان الَّذي عرَض عليهم"، أي: وكان ممَّا عرَضه عُمرُ رَضِي اللهُ عَنه على قَرابةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "أن يُعينَ ناكِحَهم"، أي: الَّذي يُريدُ الزَّواجَ، "ويَقْضيَ عن غارِمِهم"، أي: يُسدِّدَ عنهم الدَّينَ، "ويُعطِيَ فقيرَهم"، أي: يُنفِقَ على المُحتاجِ منهم، "وأبى أن يَزيدَهم على ذلك"، أي: وامتَنَع عمرُ رَضِي اللهُ عَنه أن يَزيدَ في الإنفاقِ عليهم في غيرِ ما تقدَّم.
وقد اختَصرَتِ هذه الرِّوايةُ أسئلةَ نَجْدةَ الحروريِّ على سُؤالٍ واحدٍ، وهي خمسُ أسئلةٍ في رِوايةٍ لمُسلمٍ، وفيه: "أنَّ نَجْدةَ كتَب إلى ابنِ عبَّاسٍ يَسأَلُه، عن خَمسِ خِلالٍ، فقال ابنُ عبَّاسٍ: لولا أنْ أَكتُمَ عِلمًا ما كتَبتُ إليه، كتَب إليه نَجدةُ: أمَّا بعدُ، فأخبِرْني: هل كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم يَغْزو بالنِّساءِ؟ وهل كان يَضرِبُ لهنَّ بسهمٍ؟ وهل كان يَقتُلُ الصِّبيانَ؟ ومَتى يَنقَضي يُتْمُ اليتيمِ؟ وعن الخُمسِ لِمَن هو؟ فكتَب إليه ابنُ عبَّاسٍ: "كتَبْتَ تَسأَلُني: هل كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم يَغْزو بالنِّساءِ؟ وقد كان يَغْزو بهِنَّ، فيُداوِينَ الجَرْحى، ويُحْذَينَ مِن الغنيمةِ، وأمَّا بسَهمٍ فلم يَضرِبْ لهنَّ، وإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم لم يَكُنْ يقتُلُ الصِّبيانَ، فلا تَقتُلِ الصِّبيانَ، وكتبتَ تَسألُني متى يَنقَضي يُتمُ اليتيمِ؟ فلَعَمْري، إنَّ الرَّجلَ لتَنبُتُ لِحيتُه، وإنَّه لضَعيفُ الأَخذِ لِنَفسِه، ضعيفُ العطاءِ منها، فإذا أخَذ لِنَفسِه مِن صالحِ ما يَأخُذُ النَّاسُ فقد ذهَب عنه اليُتمُ، وكتبتَ تسألُني عن الخُمسِ لِمَن هو؟ وإنَّا كنَّا نقولُ: هو لنا، فأبى علينا قومُنا ذاك".
وفي الحديثِ: إفتاءُ العالِمِ لأهلِ البِدَعِ إذا كان فيه مَصلحةٌ، أو خاف مَفسَدةً لو لم يَفهَمْ.
وفيه: أنَّ لِقُربى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم سَهمًا خاصًّا بهم، يَستحِقُّونه مِن الغنائمِ، وهو خُمُسُ الخُمُسِ .
مسند أحمد (5/ 24 ط الرسالة) :
2811 - حدثنا محمد بن ميمون الزعفراني، قال: حدثني جعفر، عن أبيه، عن يزيد بن هرمز، [[عن ابن عباس ]] قال: كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن خمس خلال، فقال ابن عباس: إن الناس يزعمون أن ابن عباس يكاتب الحرورية،، ولولا أني أخاف أن أكتم علمي لم أكتب إليه.
كتب إليه نجدة: أما بعد، فأخبرني: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء معه؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ ومتى ينقضي يتم اليتيم؟ وأخبرني عن الخمس لمن هو؟ فكتب إليه ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يغزو بالنساء معه، فيداوين المرضى، ولم يكن يضرب لهن بسهم، ولكنه كان يحذيهن من الغنيمة، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يقتل الصبيان، ولا تقتل الصبيان، إلا أن تكون تعلم ما علم الخضر من الصبي الذي قتله، فتقتل الكافر، وتدع المؤمن، وكتبت تسألني عن يتم اليتيم متى ينقضي؟ ولعمري إن الرجل تنبت لحيته وهو ضعيف الأخذ لنفسه، فإذا كان يأخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس، فقد ذهب اليتم، وأما الخمس فإنا كنا نرى أنه لنا، فأبى ذلك علينا قومنا
المعجم الكبير للطبراني (10/ 336) :
10833 - حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا القعنبي، ثنا سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن يزيد بن هرمز، أن نجدة كتب إلى ابن عباس رضي الله عنهما يسأله عن خمس خلال، فقال ابن عباس: لولا أن أكتم علما لما كتبت إليه، فكتب إليه نجدة: أما بعد، فأخبرني هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ ومتى ينقطع يتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟ فكتب إليه ابن عباس: كتبت تسألني: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة، وأما سهم فلم يضرب لهن، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل الصبيان، وكتبت: متى ينقضي يتم اليتيم؟ ولعمري إن الرجل يشب لحيته وإنه لضعيف الأخذ لنفسه، ضعيف الإعطاء منها، فإذا أخذ لنفسه من أصلح ما يأخذ الناس، فقد ذهب عنه اليتم، وكتبت تسألني عن الخمس، لمن هو؟ فإنا نقول: هو لنا، وأبى علينا قومنا ذلك .
[شرح السنة للبغوي] (11/ 103) :
2723 - أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم.
ح وأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، ومحمد بن أحمد العارف، قالا: أنا أبو بكر الحيري، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا حاتم يعني ابن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن يزيد بن هرمز، أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن خلال، فقال ابن عباس: إن أناسا يقولون: إن ابن عباس يكاتب الحرورية، ولولا أني أخاف أن أكتم علما لم أكتب إليه، فكتب نجدة إليه: أما بعد، فأخبرني، هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ ومتى ينقضي يتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن؟ فكتب إليه ابن عباس: إنك كتبت تسألني هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن يداوين المرضى، ويحذين من الغنيمة، وأما السهم فلم يضرب لهن بسهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل الولدان، فلا تقتلهم، إلا أن تكون تعلم منهم
السنن الكبير للبيهقي (18/ 179 ت التركي) :
18023 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأموي وأبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل قالا: حدثنا يحيى بن أبي طالب، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا جرير بن حازم (ح) قال: وأخبرنا أبو الفضل بن إبراهيم واللفظ له، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا وهب بن جرير بن حازم، حدثني أبي قال: سمعت قيسا وهو ابن سعد يحدث عن يزيد بن هرمز، أن نجدة بن عامر كتب إلى ابن عباس رضي الله عنهما أن: اكتب إلي: من ذوو القربى الذين ذكرهم الله عز وجل، وفرض لهم فيما أفاء الله على رسوله؟ ومتى ينقضى يتم اليتيم؟ وهل يقتل صبيان المشركين؟ وهل للنساء والعبيد إذا حضروا البأس من سهم معلوم؟ فقال ابن عباس: لولا أني أخاف أن يقع في شئ ما كتبت إليه.
فكتب إليه وأنا شاهد: أما ذوو القربى فإنا كنا نرى أنهم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى ذلك علينا قومنا، وأما صبيان المشركين فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل منهم أحدا، فلا تقتل إلا أن تعلم ما علم الخضر من الغلام الذي قتله، وأما ما سألت عن انقضاء يتم اليتيم، فإذا بلغ الحلم وأونس منه رشده فقد انقضى يتمه، فادفع إليه ماله، وأما النساء والعبيد فلم يكن لهم سهم معلوم إذا حضروا البأس، ولكن يحذون من غنائم القوم.
رواه مسلم في "الصحيح" عن إسحاق بن إبراهيم.