كنتُ من أصحابِ الصُّفَّةِ فشَكَا أصحابي الجوعَ فقالوا يا واثِلَةُ اذهبْ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاسْتَطْعِمْ لنا فأَتَيْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقلْتُ يا رسولَ اللهِ إنَّ أصحابي شَكَوُا الجوعَ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لعائِشَةَ هلْ عندَكِ من شيءٍ قالَتْ يا رسولَ اللهِ ما عندي إلَّا فُتاتُ خبزٍ قال فائْتِيني به فجاءَتْ بِجِرابٍ فدَعَا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بصحفَةٍ فأفْرَغَ الخبزَ في الصَّحْفَةِ ثم جعلَ يُصْلِحُ الثريدَ بيدِهِ وهو يرْبُو حتى امتَلَأَتْ الصَّحْفَةُ فقال يا واثِلَةُ اذهبْ فَجِئْ بعشرَةٍ من أصحابِكَ وأنتَ عاشِرُهُم فذهَبْتُ فجئْتُ بعشرَةٍ من أصحابي وأنا عاشِرُهم فقال اجْلِسُوا وخُذُوا باسمِ اللهِ خذُوا من حوالَيْها ولا تَأْخُذوا مِنْ أعلَاها فإنَّ البرَكَةَ تنزِلُ من أعلاها فأكَلُوا حتى شَبِعُوا ثم قاموا وفي الصَّحْفَةِ مثلُ ما كان فيها ثم جعل يُصْلِحُها بيدِهِ وهيَ تَرْبُو حتى امتلَأَتْ قال يا واثِلَةُ اذهب فجِئْ بِعَشْرٍة من أصحابِكَ فجئْتُ بعشرةٍ فقال اجلِسوا فجلَسُوا فأكلُوا حتى شَبِعُوا ثم قاموا فقال اذهَبْ فجِئْ بعشرةٍ من أصحابِكَ فذهبْتُ فجئتُ بعشرةٍ ففعلُوا مثل ذلِكَ قال هل بَقِيَ من أحَدٍ قلْتُ نعم عشرٌ قال اذهبْ فجِئْ بهم فذَهبْتُ فجئتُ بهم فقال اجلِسُوا فجلَسُوا فأكلُوا حتى شبِعُوا ثم قاموا وبَقِيَ في الصحفَةِ مثلَ ما كان ثم قال يا واثلَةُ اذهبْ بهذا إلى عائشةَ رضِيَ اللهُ عنها
أخرجه الطبراني (208) (22/ 86) بلفظه، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (2/ 22) باختلاف يسير، والحاكم (7119) بنحوه
كنتُ مِن أهلِ الصُّفَّةِ، فدعَا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومًا بقُرْصٍ، فكسَرَهُ في القَصْعةِ، وصنَعَ فيها ماءً سُخْنًا، ثمَّ صنَعَ فيها وَدَكًا، ثمَّ سَفْسَفَها، ثمَّ لبَّقها، ثمَّ صَعْنَبَها، ثمَّ قال: اذهَبْ فَأْتِني بعشَرةٍ أنت عاشِرُهم، فجِئْتُ بهم، فقال: كُلُوا، وكُلُوا مِن أسفَلِها، ولا تأكُلُوا مِن أعلاها؛ فإنَّ البرَكةَ تَنزِلُ مِن أعلاها، فأكَلُوا منها حتى شَبِعوا.
الراوي : واثلة بن الأسقع الليثي أبو فسيلة المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج المسند لشعيب الصفحة أو الرقم: 16006 خلاصة حكم المحدث : إسناده حسن التخريج : أخرجه ابن ماجه (3276) مختصراً بنحوه، وأحمد (16006) واللفظ له «أهْلُ الصُّفَّةِ» مُصطلَحٌ أُطلِقَ على قَومٍ فُقَراءَ مِنَ الصَّحابةِ رضِيَ اللهُ عنهم، كانوا غُرَباءَ، لا بُيوتَ لهم، ولا أهْلَ ولا مأْوَى، وكانَ لهم في آخِرِ المسجِدِ مَكانٌ مُرتفِعٌ،بِهِ مِظلَّةٌ يَبيتونَ تَحتَها، فسُمُّوا بهذا الاسمِ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَرْعاهم، ويُحسِنُ إليهم، ويَهتَمُّ بشَأْنِهم.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ الصَّحابيُّ الجليلُ واثِلةُ بنُ الأَسْقَعِ رضِيَ اللهُ عنه أنَّه كان مِن أهْل الصُّفَّةِ، وذاتَ يَومٍ طلَبَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قُرصًا؛ وهو الخُبزُ الجافُّ، فكسَرَه في القَصْعةِ، وهي إناءٌ كبيرٌ يَستوعِبُ طَعامَ عشَرةِ رِجالٍ، وجعَلَ فيها ماءً ساخنًا، «ثُمَّ صنَعَ فيها ودَكًا»؛ وهو دسَمُ اللَّحْمِ ودُهْنُه، وكأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أذابَه في القَصْعةِ، أو جَعَلَه قِطَعًا، «ثُمَّ سَفْسَفَها»: أضافَ إليه شيئًا مِنَ الدَّقيقِ المنخولِ.
وقيلَ: الرَّديءِ.
«ثُمَّ لبَّقَها»؛ أي: خلَطَها خلْطًا شديدًا.
وقيلَ: جعَلَ يُحرِّكُها لإنضاجِها، «ثُم صعْنَبَها»؛ أي: جعَلَ لها ذِرْوةً وارتفاعًا في وسَطِها، ثُمَّ أمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واثِلةَ رضِيَ اللهُ عنه أنْ يَأتِيَ بعشَرةٍ مِن أصْحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقال له: «أنتَ عاشِرُهم»، فيكونُ مَجموعُ مَن يأتي بِهِم تِسعةً، ويكونُ هو عاشرَ تلكَ المجموعةِ، ولَمَّا جاء بهمْ، أمَرَهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالأكْلِ منها، وقال لهم: «وَكُلوا مِن أسْفَلِها»؛ أي: يَأكُلُ كلُّ واحدٍ منهم مِنَ الجانبِ الَّذِي يَلِيه، «ولا تَأْكُلوا مِن أعْلاها»؛ ولا يَأخُذِ الطَّعامَ مِن وَسَطِها، أو مِن أعْلاها، إذا كانتْ مُسَنَّمةً، أو مَجموعةً بَعضُها فَوقَ بعضٍ؛ ثُمَّ بيَّنَ لهم السَّبَبَ بقَولِه: «فإنَّ البَرَكةَ تَنزِلُ مِن أعْلاها»؛ والمعنى: أنَّ مِنَ الأسْبابِ الَّتي تَنزِلُ بها البَرَكةُ على الطَّعامِ أنْ يَبقَى على حالِه؛ فيَأكُلُ الإنسانُ منه شيئًا فشيئًا، إنْ لمْ يكُنْ هناك داعٍ لخلْطِها ومَدِّ الأيادي إلى وسَطِها.
وقيلَ: إنَّ النَّهيَ يَحتمِلُ سببًا آخَرَ؛ وهو أنْ يكونَ النَّهيُ إنَّما وقَعَ إذا أكَلَ الإنسانُ معَ غَيرِه؛ وذلكَ أنَّ وَجْهَ الطَّعامِ هو أطيَبُه وأفضَلُه، فإذا قصَدَه بالأكْلِ كان مُستأثِرًا به على أصْحابِه، وفيه مِن ترْكِ الأدَبِ وسُوءِ العِشْرةِ ما لا خَفاءَ به، فأمَّا إذا أكَلَ وحْدَه، فلا بأْسَ به.
ثُمَّ أخبَرَ واثِلةُ رضِيَ اللهُ عنه أنَّهم أكَلوا منها حتَّى شَبِعوا؛ إشارةً إلى أنَّه معَ قِلَّةِ الطَّعامِ الَّذي صنَعَه لهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلَّا أنَّه كَفاهم وأشبَعَهم ببَرَكةِ ما أرشَدَهم به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
وفي الحَديثِ: الحضُّ على الالتزامِ بآدابِ الطَّعامِ.