- حَفِظتُ من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "دعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ ؛ فإنَّ الصِّدقَ طُمَأْنينةٌ، والكَذِبَ ريبةٌ".
أخرجه الترمذي (2518) باختلاف يسير، والنسائي (5711) مختصراً، وأحمد (1723) مطولاً باختلاف يسير
( دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ ) قال ( الخيرُ طُمأنينةٌ والشَّرُّ رِيبةٌ ) وأُتِي النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بشيءٍ مِن تمرِ الصَّدقةِ فأخَذْتُ تمرةً فألقَيْتُها في فِيَّ فأخَذها بلُعابِها حتَّى أعادها في التَّمرِ فقيل له : يا رسولَ اللهِ ما كان عليكَ مِن هذه التَّمرةِ مِن هذا الصَّبيِّ ؟ فقال : ( إنَّا آلَ مُحمَّدٍ لا يحِلُّ لنا الصَّدقةُ ) وسمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدعو بهذا الدُّعاءِ : ( اللَّهمَّ اهدِنا فيمَنْ هدَيْتَ وعافِنا فيمَنْ عافَيْتَ وتولَّنا فيمَنْ تولَّيْتَ وبارِكْ لنا فيما أعطَيْتَ وقِنا شرَّ ما قضَيْتَ إنَّك تَقضي ولا يُقضَى عليكَ إنَّه لا يذِلُّ مَن والَيْتَ تبارَكْتَ وتعالَيْتَ ) الراوي : الحسن بن علي المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج صحيح ابن حبان الصفحة أو الرقم: 722 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه النسائي (5711) مختصراً، وأحمد (1723) مطولاً باختلاف يسير الاحتِرازُ عن الشُّبُهاتِ استِبْراءٌ للدِّينِ، والاعتِدادُ بالوَساوِسِ إفْسادٌ له؛ ولذلِكَ لا بُدَّ للمُسلِمِ الَّذي يُريدُ أنْ يَحفَظَ دِينَهُ أنْ يكونَ واعيَ القَلبِ لِكُلِّ ما حَولَهُ، وما يمُرُّ به من أحْداثٍ، وقد جعَلَ اللهُ في قَلبِ المُؤمِنِ مِيزانًا يَزِنُ به ما اشتَبَهَ عليه.
وفي هذا الحَديثِ يَرْوي الحَسَنُ بنُ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ رضِيَ اللهُ عنه سِبْطُ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عِدَّةَ رِواياتٍ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، منها أنَّه قال: "دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ"، والمَعْنى: اتْرُكْ واستَغْنِ عمَّا تَشُكُّ فيه مِن أُمورٍ لم تَسكُنْ إليها نَفسُك إلى ما لا تَشُكُّ فيه، فتَطْمئِنَّ لها نَفسُكَ، وتَبعُدَ عن الشَّكِّ والوَساوسِ؛ فإنَّ الاحتِرازَ عن الشُّبُهاتِ استِبْراءٌ للدِّينِ، والاعتِدادَ بالوَساوِسِ إفسادٌ له "قال: الخَيرُ طُمَأنينةٌ"، فإنَّ الصِّدقَ والخَيرَ والحقَّ يَسكُنُ إليه القَلبُ ويَرْتاحُ به، "والشَّرُّ رِيبةٌ"؛ فإنَّ غَيرَ الحَقِّ يَجعَلُ القَلْبَ مُضطرِبًا، غَيرَ مُطمَئِنٍّ؛ نَتيجةَ الشَّكِّ الَّذي به، وفي هَذَا إشارةٌ إلى رُجوعِ المُؤمِنِ الصَّادِقِ إلى قَلبِهِ عِندَ الاشتِباهِ؛ لأنَّ قلْبَ المُؤمِنِ دَليلٌ له إلى الخَيرِ، ومُبعِدٌ له عَن الشَّرِّ.
قال الحَسَنُ رضِيَ اللهُ عنه: "وأُتِيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بشَيءٍ من تَمْرِ الصَّدَّقةِ"، وهي الزَّكَواتُ الَّتي كانت تُدفَعُ من أمْوالِ النَّاسِ "فأخَذتُ تَمْرةً فألْقَيتُها في فيَّ"، أي: وَضَعتُها في فمي؛ لآكُلَها، وقد كان الحَسَنُ صَغيرًا لا يَعي، "فأخَذَها" وأخرَجَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من فَمِهِ، "بلُعابِها"، وهو أثَرُ الفَمِ الَّذي كان على التَّمْرةِ، "حتَّى أعادَها في التَّمرِ، فقيلَ له: يا رسولَ اللهِ، ما كان عليكَ من هذه التَّمْرةِ من هذا الصَّبيِّ؟!" وكأنَّهم رَأَوْا أنَّ التَّمْرَ شَيءٌ قَليلٌ ويَسيرٌ، لا تضُرُّ ولا تَنقُصُ من التَّمرِ شَيئًا، وقد أخَذَها طِفلٌ صَغيرٌ مَرْفوعٌ عنه القَلَمُ؛ فبيَّنَ لهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: "إنَّا آلُ مُحمَّدٍ لا يَحِلُّ لنا الصَّدَقةُ؛ فأهْلُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يَأخُذونَ مِن الزَّكاةِ، ولا مِن صَدَقاتِ التَّطوُّعِ تَكْريمًا وتَشْريفًا لهم؛ لأنَّها أوْساخُ النَّاسِ الَّتي يُطهِّرون بها الأموالَ مِن أدْناسِها، وآلُ محمَّدٍ المَقْصودونَ هم: آلُ عليٍّ، وآلُ العبَّاسِ، وآلُ عَقيلٍ، وآلُ جَعفَرٍ.
وقال الحَسَنُ رضِيَ اللهُ عنه: "وسَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَدْعو بهذا الدُّعاءِ: اللَّهُمَّ اهْدِنا فيمَن هَدَيتَ" يَعني: يا ربِّ أسأَلُك أنْ تَرزُقَنا الهِدايةَ، وأنْ تُثبِّتَنا عليها، وأنْ تَجعَلَنا مِن الَّذين هَدَيتَهم "وعافِنا فيمَن عافَيتَ"، أي: فارزُقْنا العافيةَ والمُعافاةَ وهي السَّلامةُ مِن الأسقامِ وأمراضِ القلوبِ وأمراضِ الأبدانِ والبَلاءِ والفِتنِ، "وتَوَلَّنا فيمَن تَولَّيتَ" تَولَّ أمْرَنا كُلَّهُ، ولا تَجعَلْنا نَركَنُ إلى أنفُسِنا، وأدْخِلْنا في جُملةِ مَن تَفَضَّلتَ عليهم بذلِكَ "وبارِكْ لنا فيما أعطَيتَ"، وأسأَلُكَ البَرَكةَ فيما أعطيْتَهُ لنا ورَزَقْتَنا به من كُلِّ شيءٍ.
"وَقِنا شَرَّ ما قَضَيتَ" ممَّا قَدَّرتَهُ، وليس في ذلِكَ نِسْبةُ الشَّرِّ إلى اللهِ سُبحانَهُ؛ بل هَذا من بابِ نِسْبةِ الشَّرِّ إلى مُقتضَياتِهِ مِن فَقرٍ، ومَرَضٍ، وإقامةِ حَدٍّ، وغَيرِ ذلِكَ، وهذه المُقتَضَياتُ عِندَ التَّأمُّلِ ليسَتْ شرًّا خالِصًا؛ فقَطعُ يَدِ السَّارِقِ مَثَلًا بالنِّسْبةِ للسَّارِقِ يَرَى أنَّ هذا شَرٌّ، ولكِنْ بالنَّظَرِ إلى أنَّها كَفَّارةٌ له كفَردٍ، وأنَّها زَجْرٌ له ولباقي المُجتَمَعِ، وحِفظٌ له؛ فهي خَيرٌ؛ فإنَّ اللهَ سُبحانَهُ -لأنَّه خالِقُ كُلِّ شَيءٍ وخالِقُ الخَيرِ والشَّرِّ- فقَضاؤُه كلُّه خَيرٌ، وجمَيعُ الأُمورِ مِن حيثُ نِسبتُها إلى اللهِ تعالى خَيرٌ، فلا يُنسَبُ إليه شَرٌّ؛ لكَمالِ حِكمتِهِ وعَظيمِ رَحمتِهِ.
"إنَّك تَقْضي ولا يُقْضى عليك" فأنتَ تَحكُمُ بما تَشاءُ وتُقدِّرُهُ، ولا مُعقِّبَ لحُكمِكَ وقَضائِكَ، "إنَّه لا يَذِلُّ مَن واليتَ" فلا يَكونُ ذَليلًا مَن واليتَهُ وقرَّبتَهُ؛ بل يَكونُ عَزيزًا، "تَبارَكتَ وتَعالَيتَ"، أي: كَثُرَ خَيرُك، ووَسِعَتْ رَحمتُكَ الخَلْقَ، "تَعالَيتَ وارتفَعْتَ وتنَزَّهتَ عمَّا لا يَليقُ بكَمالِكَ وجَلالِكَ.
وفي الحَديثِ: اعتبارُ النَّواحي القَلْبيَّةِ الصَّحيحةِ في الإقْدامِ على الأُمورِ مِن عَدَمِها.
وفيه: بَيانُ حِرْصِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على الدُّعاءِ بجَوامِعِ الكَلِمِ الَّتي فيها الدُّعاءُ الخالِصُ .
[سنن الترمذي] (4/ 668) 2518- حدثنا أبو موسى الأنصاري قال: حدثنا عبد الله بن إدريس قال: حدثنا شعبة، عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء السعدي، قال: قلت للحسن بن علي : ما حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة)) وفي الحديث قصة.
وأبو الحوراء السعدي اسمه: ربيعة بن شيبان.
وهذا حديث صحيح حدثنا بندار قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن بريد، فذكر نحوه
[سنن النسائي] (8/ 327) 5711- أخبرنا محمد بن أبان، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، قال: أنبأنا شعبة، عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء السعدي، قال: قلت للحسن بن علي رضي الله عنهما: ما حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: حفظت منه: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))
[مسند أحمد - قرطبة] (1/ 200) 1723- حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى بن سعيد عن شعبة حدثني بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء السعدي قال: قلت للحسن بن على ما تذكر من رسول الله صلى الله عليه و سلم قال أذكر اني أخذت تمرة من تمر الصدقة فألقيتها في فمي فانتزعها رسول الله صلى الله عليه و سلم بلعابها فألقاها في التمر فقال له رجل ما عليك لو أكل هذه التمرة قال انا لا نأكل الصدقة قال وكان يقول دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة قال وكان يعلمنا هذا الدعاء اللهم أهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت انه لا يذل من واليت وربما قال تباركت ربنا وتعاليت