بيْنَما النَّاسُ بالمدينةِ آمِنِينَ ليس بهم فزَعٌ، إذْ خرَجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فصلَّى الظُّهرَ، ثمَّ أقبَل يَمشي حتَّى صعِد المِنبرَ، ففزِع النَّاسُ، قالت: فلمَّا رأَى في وُجوهِهم ذلكَ قال: أَيُّها النَّاسُ، إنِّي لمْ أُفزِعْكم، ولكنَّه أتاني أمْرٌ فرِحْتُ به، فأحببْتُ أنْ أُخبِرَكم بفرَحِ نَبيِّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، إنَّ تَميمًا الدَّاريَّ أَخبَرني أنَّ قوْمًا مِن بَني عمٍّ له ركِبوا سفينةً في البَحرِ، فانتهتْ بهم سفينتُهم إلى جزيرةٍ لا يَعرِفونها، فخرَجوا ينظُرونَ، فإذا هم بإنسانٍ لا يدْرونَ ذَكَرًا هو أو أُنْثى من كثرةِ الشَّعرِ، فقالوا: مَن أنتَ؟ قال: أنا الجسَّاسةُ، قالوا: فحَدِّثينا، قالت: ائْتوا الدَّيْرَ؛ فإنَّ فيه رجُلًا بالأشواقِ إلى أنْ تُحدِّثوهُ.
قال: فدَخلوا الدَّيْرَ، فإذا هم برجُلٍ مُوثَقٍ بالحديدِ يتأوَّهُ شديدَ التَّأَوُّهِ، فقال لهم: مَن أنتم؟ فقالوا: من أهلِ فِلَسْطينَ من جزيرةِ العربِ، قال: فخرَجَ نَبِيُّهم بَعدُ؟ فقالوا: نَعمْ.
قال: فما صنَع؟ قالوا: تَبِعهُ قومٌ وفارَقهُ قومٌ، فقاتَل بمَنِ اتَّبعهُ مَن فارَقهُ، حتى أَعطَوْهُ الجِزيَةَ.
قال: ومِن أيِّ أرضٍ أنتم؟ فقالوا: من أهلِ فِلَسْطينَ، قال: فما فعَلتْ بُحيْرةُ الطَّبَريَّةِ؟ فقالوا: هي ملْأَى تَدفَّقُ، قال: فما فعَلتْ عيْنُ زُغَرَ؟ قالوا: تَدفَّقُ حافَتُها، قال: فما فعَل نخْلٌ بيْنَ عَمَّانَ وبَيْسانَ؟ قالوا: قدْ أَطعَم.
قال: لو أُفْلِتُّ مِن وَثاقي، لقدْ وطِئْتُ البُلدانَ كلَّها إلَّا طَيْبةَ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إلى هذا انتَهى فرَحُ نَبِيِّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثمَّ قال: هي طَيْبةُ هي طَيْبةُ -يعني المدينةَ- وما فيها طريقٌ، ولا مَوضِعٌ ضَيِّقٌ، ولا واسعٌ، ولا ضعيفٌ إلَّا عليه ملَكٌ شاهرٌ سيفَهُ، لو أراد أنْ يدخُلَها ضرَب وجهَهُ بالسيفِ.
قال: الشَّعْبيُّ: فلقِيتُ مُحَرَّرَ بنَ أبي هُرَيْرةَ فحدَّثْتُهُ، فقال: هل زادكَ فيه شيئًا؟ قُلْتُ: لا.
قال: صدقْتَ؛ أشهَدُ على أبي أنَّه حدَّثني بهذا، وزاد فيه، ثمَّ قال: نَحْوَ الشَّامِ، ما هو نَحْوَ العِراقِ ما هو، ثمَّ أَهْوى بيَدِهِ نَحْوَ المَشرِقِ عشرِينَ مرَّةً.
قال: فلقِيتُ عبدَ الرحمنِ بنَ أبي بَكرٍ فحدَّثْتُهُ، فقال: هل زاد فيه شيئًا؟ قُلْتُ: لا.
قال: صدَق؛ أشهَدُ على عائشةَ رضِيَ اللهُ عنها، أنَّ عائشةَ حدَّثَتْني بهذا، غيْرَ أنَّها زادتْ فيه: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ومكَّةُ مِثْلُها.
أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (2947) واللفظ له، ومسلم (2942)، وأبو داود (4326) بنحوه.
أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، أخَّر العشاءَ الآخرةَ ذاتَ ليلةٍ ، ثمَّ خرج فقال : إنَّه حبسني حديثٌ كان يُحدِّثنيه تميمٌ الدَّاريُّ ، عن رجلٍ كان في جزيرةٍ من جزائرِ البحرِ ، فإذا بامرأةٍ تجُرُّ شعرَها ، قال : ما أنت ؟ قالت : أنا الجسَّاسةُ ، اذهَبْ إلى ذلك القصرِ .
فأتيتُه ، فإذا رجلٌ يجُرُّ شعرَه مُسَلْسَلٌ في الأغلالِ ، ينزو فيما بين السَّماءِ والأرضِ ، فقلتُ : من أنت ؟ قال : أنا الدَّجَّالُ ، خرج نبيُّ الأمِّيِّين بعدُ ؟ قلتُ : نعم ! قال : أطاعوه أم عصَوْه ؟ قلتُ : بل أطاعوه ، قال : ذاك خيرٌ لهم الراوي : فاطمة بنت قيس المحدث : الألباني المصدر : صحيح أبي داود الصفحة أو الرقم: 4325 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه أبو داود (4325) واللفظ له، ومسلم (2942)، والترمذي (2253) بنحوه مطولًا.
كانَ النبيُّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم يُوصِي أصحابَه رضيَ الله عَنهم ويحذِّرُهم مِن فِتنةِ الدجَّالِ ويبيِّن الأمرَ لهمْ، وفي هذا الحديثِ تُخبِرُ فاطمةُ بنتُ قَيسٍ: "أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم أخَّرَ العِشاءَ الآخِرَةَ"، أي: صلاةَ العِشاءِ، "ذاتَ لَيلةٍ، ثم خَرجَ" فقالَ: "إنَّه حبَسني حديثٌ كانَ يُحدِّثنيه تَميمٌ الدَّارِيُّ"، أي: إنَّ سببَ تأخُّرِه في الخروجِ ما كان يُحدِّثُ بهِ تميمٌ الدَّاريُّ رضيَ اللهُ عَنه، "عن رجلٍ"، أي: عن رُؤيتِه للدَّجَّالِ، "كانَ في جَزيرةٍ مِن جَزائرِ البحرِ، فإذا بامرَأَةٍ تجرُّ شَعرَها"، أي: لطُولِه علَيها، فقالَ لها تميمٌ: ما أنتِ؟ قالتْ: أنا الجسَّاسةُ"، أي: التي تجسُّ الأخبارَ للدجَّالِ، وقيلَ فيها: إنَّها دابَّةٌ وليست امرأةً، وقيلَ: يَحتمِل فيها الاثنَينِ معًا، فأمرَتْ تَميمًا بقَولِها: "اذهبْ إلى ذلكَ القصرِ".
قال تميمٌ: "فأتَيتُه، فإذا رَجلٌ يجرُّ شعرَهُ مُسلسَلٌ في الأَغلالِ"، أي: مقيَّدٌ في الحَديدِ، "يَنْزو فيما بينَ السماءِ والأرضِ"، أي: يَرتفِعُ وينزلُ على الأرضِ ويَتحرَّكُ يريدُ أن يفُكَّ نفسَه من قَيدِه، فقالَ له تميمٌ: "مَن أنتَ؟" قال: "أنا الدجَّالُ، خرَجَ نبيُّ الأمِّيينَ بعدُ؟"، أي: يَسألُه خُروجَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم وبَعثتِه، والمرادُ بالأمِّيينَ: العربُ؛ لأنَّهم لا يَقرؤون ولا يَكتُبون، وعبَّر بذلك للتمييزِ، وأنَّ أصلَ خُروجِه في العربِ، وفيهم تبدأُ الدعوةُ، قال تميمٌ: "نَعم"، قالَ الدجَّالُ: أَطاعوهُ أم عَصَوهُ؟ أي: هل أطاعَه قومُه أم عَصَوهُ، قال تميمٌ: "بلْ أطاعوهُ" قالَ الدجَّالُ: "ذاك خيرٌ لهم"؛ يَحتمِلُ أنَّه أرادَ به الخيرَ في الدُّنيا، أي: طاعتُهم له خيرٌ لهم؛ فإنَّهم إنْ خالفوه اجتاحَهم واستأصلَهم، ويَحتمِلُ أنَّ الله تعالى صَرَفَه عن الطعنِ فيه، والتكبُّرِ عليه، وتفوَّه بما ذَكَر عنه كالمغلوبِ عليه والمأخوذِ عليه؛ فلا يستطيعُ أنْ يَتكلَّمَ بغيرِه؛ تأييدًا لنبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.