خطَبَنا أبو موسى الأشعريُّ فقال يا أيُّها النَّاسُ اتَّقوا هذا الشِّركَ فإنَّه أخفى مِن دَبيبِ النَّملِ فقام إليه عبدُ اللهِ بنُ حَزْنٍ وقَيسُ بنُ المُضارِبِ فقالا واللهِ لتَخْرُجَنِّ ممَّا قلتَ أو لنأتيَنَّ عمرَ مأذونًا لنا أو غيرَ مأذونٍ فقال بل أخرُجُ ممَّا قلتُ خطَبَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذاتَ يومٍ فقال يا أيُّها النَّاسُ اتَّقوا هذا الشِّركَ فإنَّه أخفى مِن دَبيبِ النَّملِ فقال له مَن شاء اللهُ أن يقولَ وكيف نتَّقيه وهو أخفى مِن دَبيبِ النَّملِ يا رسولَ اللهِ قال قولوا اللهمَّ إنا نعوذُ بك مِن أن نُشْرِكَ شيئًا نعلَمُه ونستغفِرُك لِما لا نعلَمُه
أخرجه أحمد (19622)، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (509)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (3479) باختلاف يسير.
يا أبا بكرٍ، لَلشِّركُ فيكم أخْفى من دبيبِ النَّملِ، والذي نفسي بيدِه لَلشِّركُ أخْفى من دَبيبِ النَّملِ، ألا أدُلُّك على شيءٍ إذا فعلتَه ذهب عنك قليلهُ وكثيرهُ؟ قل: اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بك أن أُشرِكَ بك وأنا أعلمُ، وأستغفِرُك لما لا أَعلمُ الراوي : معقل بن يسار المحدث : الألباني المصدر : صحيح الأدب المفرد الصفحة أو الرقم: 551 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه أبو يعلى (61)، وابن بطة في ((الإبانة الصغرى)) (982) باختلاف يسير.
حَذَّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أُمَّتَه مِن كُلِّ ما يُبطِلُ أجْرَ الأعمالِ، ومِن ذلك: طَلَبُ الرِّياءِ بالأعمالِ.
وفي هذا الحَديثِ يَروي مَعقِلُ بنُ يَسارٍ: "أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ لِأبي بَكرٍ: يا أبا بَكرٍ، لَلشِّركُ فيكم أخْفَى مِن دَبيبِ النَّملِ"، وهذا يَدُلُّ على أنَّ الإنسانَ قد يَخرُجُ مِنَ الإيمانِ إلى الكُفرِ أو الشِّركِ وهو لا يَشعُرُ، "والذي نَفسي بيَدِه"، وهذا قَسَمٌ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ باللهِ الذي يَملِكُ نَفسَه وقَبْضَ رُوحِه، أقسَمَ به مُؤكِّدًا لِلأمْرِ، ثم أعادَه فقالَ: "لَلشِّركُ أخْفَى مِن دَبيبِ النَّملِ"، وهذا مِنَ التَّحذيرِ؛ لِيَتحَرَّى السامِعُ البُعدَ عن هذا الشِّركِ الخَفيِّ الذي هو الرِّياءُ في العَمَلِ، الذي يُنافي الإخلاصَ المَأمورَ به، وهذا الرِّياءُ يُحبِطُ العَمَلَ، وسُمِّيَ شِركًا خَفيًّا؛ لِأنَّه يَكونُ غَيرَ ظاهِرٍ، بل يَكونُ في خَفايا النَّفسِ البَشَريَّةِ، ولا يَعلَمُه إلَّا اللهُ سُبحانَه وتَعالى، ولا يُظهِرُه العَبدُ لِلنَّاسِ؛ بل يُضمِرُه في قَلبِه، ويَفرَحُ بنَظَرِ النَّاسِ إلى عَمَلِه دونَ مُراعاةٍ لِنَظَرِ اللهِ، ودونَ قَصدِ وَجهِ اللهِ بالأعمالِ، وشَوائبُ الرِّياءِ الخَفيِّ كَثيرةٌ لا تَنحَصِرُ؛ فمَتى أدرَكَ الإنسانُ مِن نَفْسِه تَفْرِقةً بَينَ أنْ يُطَّلَعَ على عِبادَتِه أو لا يُطَّلَعَ عليها، ففيه شُعبةٌ مِنَ الرِّياءِ.
"ألَا أدُلُّكَ على شَيءٍ إذا فَعَلتَه ذَهَبَ عنك قَليلُه وكَثيرُه؟"، بمَعنى: أُرشِدُكَ إلى ما يُساعِدُ ويُنَجِّي مِن هذه الشِّركيَّاتِ التي قد تَدخُلُ على الإنسانِ فتُفسِدُ له عَمَلَه، "قُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ"؛ فأحتَمي بكَ، وألجَأُ إليكَ "أنْ أُشرِكَ بكَ وأنا أعلَمُ"، أنَّ في عَمَلي رياءً، أو عَدَمَ إخلاصٍ أقصِدُه في ذلك العَمَلِ، "وأستَغفِرُكَ لِمَا لا أعلَمُ"، واغفِرْ لي ما لا أقصِدُه مما يُفسِدُ عَمَلي وإخلاصَه لكَ، فبَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ النَّجاةَ تَكونُ بإخلاصِ الدُّعاءِ لهَِ، بأنْ يُنَجِّيَه مِن هذا الرِّياءِ؛ لِأنَّه لا يَدفَعُ عنِ الإنسانِ إلَّا رَبُّه، الذي وَلِيَ خَلقَه، فإذا تَعَوَّذَ به أعاذَه؛ لِأنَّه لا يَخيبُ مَنِ التَجَأَ إليه، وقَصَرَ نَظَرَ قَلبِه عليه.
وقيلَ: إنَّما أرشَدَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى هذا التَّعَوُّذِ؛ لِئلَّا يَتَساهَلَ الإنسانُ في الرُّكونِ إلى الأسبابِ، ويرتَبِكَ فيها، فلا يَزالَ يُضَيِّعُ الأمرَ ويُهمِلُه حتى تُحَلَّ منه عُقدةُ الإيمانِ فيُشرِكَ وهو لا يَشعُرُ.
ولكنْ ليس كُلُّ شائِبةٍ مُحبِطةً لِلأجرِ، ومُفسِدةً لِلعَمَلِ، وليس كُلُّ سُرورٍ برُؤيةِ النَّاسِ لِلعَمَلِ مُحبِطًا لِلأجرِ؛ لِأنَّ السُّرورَ يَنقسِمُ إلى مَحمودٍ، ومَذمومٍ؛ فالمَحمودُ أنْ يَكونَ قَصدُ الإنسانِ فيه إخفاءَ الطَّاعةِ، مع الإخلاصِ للهِ، ولكنْ لَمَّا اطَّلعَ عليه الخَلقُ، عَلِمَ أنَّ اللهَ أطلَعَهم، وأظهَرَ الجَميلَ مِن أحوالِه، فيُسَرُّ بحُسنِ صُنعِ اللهِ، ولُطفِه به؛ فيَكونَ فَرَحُه بذلك، لا بحَمدِ النَّاسِ، وقيامِ المَنزِلةِ في قُلوبِهم، وأمَّا إنْ كانَ فَرَحُه باطِّلاعِ النَّاسِ عليه لِقيامِ مَنزِلَتِه عِندَهم حتَّى يَمدَحوه، ويُعظِّموه، فهذا مَذمومٌ.
وفي صَحيحِ مُسلِمٍ عن أبي ذَرٍّ رَضيَ اللهُ عنه: "قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، أرَأيتَ الرَّجُلَ يَعمَلُ العَمَلَ مِنَ الخَيرِ ويَحمَدُه النَّاسُ عليه؟ فقالَ: تِلك عاجِلُ بُشرى المُؤمِنِ"، فأمَّا إذا أعجَبَه لِيَعلَمَ النَّاسُ فيه الخَيرَ ويُكرِموه عليه؛ فهذا هو الرِّياءُ المَنهيُّ عنه.
وفي الحَديثِ: دَعوةٌ لِلخَوفِ مِنَ الشِّركِ، والرِّياءِ في الأعمالِ؛ فإنَّه يُحبِطُ العَمَلَ .
[مسند أحمد - قرطبة] (4/ 403) 19622- حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الله بن نمير ثنا عبد الملك يعنى بن أبي سليمان العزرمي عن أبي علي رجل من بنى كاهل قال خطبنا أبو موسى الأشعري فقال: يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل فقام إليه عبد الله بن حزن وقيس بن المضارب فقالا والله لتخرجن مما قلت أو لنأتين عمر مأذون لنا أو غير مأذون قال بل أخرج مما قلت خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم فقال أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل فقال له من شاء الله ان يقول وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله قال قولوا اللهم انا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلم
التاريخ الكبير للبخاري بحواشي المطبوع (9/ 58) 509- أبو علي الكاهلي قال عبد الله بن محمد العبسي نا ابن نمر قال نا عبد الملك ابن أبي سليمان عن أبي علي رجل من بني كاهل قال خطبنا أبو موسى الأشعري فقال أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل فقام إليه عبد الله بن جون وقيس بن المضارب فقالا والله لتخرجن مما قلت أو لنأتين عمر مأذونا لنا أو غير مأذون قال بل أخرج مما قلت خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل فقال كيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال قولوا اللهم إنا نعوذ بك ان نشرك بك شيئا وانت تعلمه ونستغفر لما تعلم.
المعجم الأوسط (4/ 10) 3479- حدثنا الحسين بن أحمد بن منصور قال: نا أحمد بن عمر الوكيعي قال: نا عبد الله بن نمير قال: نا عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي علي الكاهلي قال: خطبنا أبو موسى ، فقال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أيها الناس اتقوا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل)) فقال: من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه يا رسول الله، وهو أخفى من دبيب النمل؟ قال: ((قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئا تعلمه ونستغفرك لما لا نعلم))
لم يروه عن عبد الملك بن أبي سليمان إلا ابن نمير، ولا يروى عن أبي موسى إلا من هذا الوجه