عن ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّ نَفَرًا من أهلِ العِراقِ قالوا لابنِ عبَّاسٍ: يا ابنَ عبَّاسٍ، كيف تَرى هذه الآيةَ التي أُمِرْنا فيها بما أُمِرْنا، ولا يَعمَلُ بها أحَدٌ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النور: 58] الآيةَ، فقال ابنُ عبَّاسٍ: إنَّ اللهَ حَكيمٌ رَحيمٌ بالمُؤمِنينَ، يُحِبُّ السِّترَ، وكان الناسُ ليس لبُيوتِهم سُتورٌ ولا حِجالٌ ، فربَّما دخَلَ الخادمُ، أوِ الولَدُ، أو يَتيمةُ الرجُلِ، والرجُلُ على أهلِه، فأمَرَهمُ اللهُ بالاستِئذانِ في تلك العَوْراتِ، فجاءَهمُ اللهُ بالسُّتورِ والخَيرِ، فلم أرَ أحدًا يَعمَلُ بذلك بعدُ.

الدلالات الموضوعية:# علم - سؤال العالم عما لا يعلم# تفسير آيات - سورة النور# استئذان - الاستئذان في العورات الثلاث# عقيدة - إثبات صفات الله تعالى# إيمان - توحيد الأسماء والصفات
المصدر: تخريج زاد المعاد
الراوي: عكرمة
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده حسن

بيانات التخريج:

أخرجه أبو داود (5192) بلفظه، والقاسم بن سلام في ((الناسخ والمنسوخ)) (406)، والضياء المقدسي في ((المختارة)) (12/ رقم229) كلاهما باختلاف يسير.

الشرح والتوضيح

أن نفرًا من أهلِ العراقِ قالوا: يا ابنَ عباسٍ كيف ترى في هذه الآيةِ ، التي أُمِرنا فيها بما أُمِرنا، ولا يعملُ بها أحدٌ: قولُ اللهِ عز وجل يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم إلى عليم حكيم .

الراوي : عكرمة مولى ابن عباس المحدث : الألباني المصدر : صحيح أبي داود الصفحة أو الرقم: 5192 خلاصة حكم المحدث : حسن الإسناد موقوفا التخريج : أخرجه أبو داود (5192) بلفظه، والقاسم بن سلام في ((الناسخ والمنسوخ)) (406)، والضياء المقدسي في ((المختارة)) (12/ رقم230) كلاهما باختلاف يسير.

لقد نظَّم الإسلامُ حياةَ الإنسانِ؛ فهو دِينُ الأخلاقِ والآدابِ، ومِن هذه الآدابِ الاستئذانُ عندَ دخولِ البيوتِ، وهو مِن الآدابِ المهمَّةِ في الإسلامِ؛ وذلك للتَّحرُّزِ مِنَ الاطِّلاعِ على العَوْراتِ وما لا يَنبَغي رؤيتُه، معَ حفظِ هيئاتِ النَّاسِ وللتَّعريفِ بالدَّاخلِ، ومنحِ الإذنِ بالدُّخولِ أو عدَمِه.

وفي هذا الحديثِ يَحكِي عِكرِمَةُ: "أنَّ نفَرًا"، أيْ: جَماعةً مِن النَّاسِ، "مِن أهلِ العِراقِ جاؤُوا إلى الصَّحابيِّ الجليلِ عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ يَسأَلونَه عَن آيةٍ مِن كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فقالوا: "كيفَ تَرى"، أيْ: ما رأيُك؟ "في هذه الآيةِ الَّتي أُمِرْنا فيها بِما أُمِرنا؟"، أي: أَمَرَنا اللهُ فيها بأمرٍ، "ولا يَعمَلُ بها أحَدٌ"، أي: ولا يُطبِّقُ أحدٌ أمْرَ اللهِ الَّذي أمَرَ في هذه الآيةِ؛ وهذه الآيةُ هي قولُه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}، أي: عَبيدُكم وإماؤُكم، {وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ} [النور: 58] ، أيِ: الصِّغارُ مِن الأطفالِ الَّذين لم يَبلُغوا مَبلَغَ النُّضوجِ والفَهمِ والإدراكِ.

وهذا الأمرُ بالاستِئْذانِ إذا أمَر اللهُ به الأطفالَ- الَّذين لم يَظهَروا على عَوْراتِ النِّساءِ ولا جَرَت عليهِمُ الأقلامُ- يدلُّ على أنَّه أوجَبُ على غيرِهم مِن الكِبارِ أن يَستأذِنوا، {ثَلَاثَ مَرَّاتٍ}، أيْ: في ثَلاثةِ أوقاتٍ، وهذه الأوقاتُ هي: {مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ}، أي: وقْتَ القيلولةِ، {وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} [النور: 58] ، أي: ثلاثةُ أوقاتٍ لكُم، تتَخفَّفون فيها مِن ثِيابِكم، ولا يَدخُلُ عليكم فيها أحَدٌ، فيَكشِفَ عَوْراتِكم، والعَورةُ هي ما لا يُستحَبُّ كشفُه مِن الإنسانِ، {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ}، أي: ليسَ علَيكُم ولا على أحدٍ حرَجٌ بعدَ هذه الأوقاتِ في دُخولِ بَعضِكُم على بعضٍ بدونِ استِئْذانٍ في غيرِ هذه الأوقاتِ، {طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ} [النور: 58] ، أي: يَطوفُ علَيكُم خَدَمُكم ويَدخُلون مِرارًا بِدونِ استِئْذانٍ في غيرِ هذه الأوقاتِ؛ فهُم خَدَمُكم ومَواليكُم.

فأوضَح لهمُ ابنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما كيف أنَّ النَّاسَ لم يُطبِّقوا هذه الآيةَ؛ وذلك أنَّ النَّاسَ كانوا في أوَّلِ الأمرِ وليسَ في البُيوتِ سُتورٌ؛ فربَّما دخَل الخادِمُ أو الولَدُ أو يَتيمةُ الرَّجُلِ والرَّجُلُ على أهلِه، فأمَرَهم اللهُ بالاستئذانِ في تلك العوراتِ، فطلَب منهُم الاستئذانَ فاستَأذَنوا، وبعدَ ذلك جاءَهم اللهُ بالغِنى والخيرِ، وكَثُرَتِ السُّتورُ، فلم يَعمَلْ بذلك أحدٌ بعدُ؛ وذلك لأنَّ كثيرًا مِن النَّاسِ كان يَظُنُّ أنَّه لا يُحتاجُ إلى الإذنِ؛ لأنَّ هناك سُتورًا لا يتَجاوَزُها الدَّاخِلون، فلا يقَعون على شيءٍ من العوراتِ، فظنُّوا أنَّه لا حاجةَ إلى الإذنِ؛ لنُدرةِ الاطِّلاعِ على العوراتِ، بخلافِ أوَّلِ الأمرِ فقد كان النَّاسُ فُقراءَ، وليس في البيوتِ سُتورٌ أو أبوابٌ؛ لذلك كان النَّاسُ يُؤمَرون به، وهذا فَهْمٌ غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الاستئذانَ مطلوبٌ على كلِّ حالٍ.

وفي الحديثِ: الأمرُ بالاستئذانِ عندَ الدُّخولِ على البيوتِ، وخاصَّةً في أوقاتِ الحرَجِ وعندَ التَّخفُّفِ مِن الثِّيابِ.

وفيه: سؤالُ أهلِ العلمِ، ورجوعُ النَّاسِ إلى ابنِ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عَنْهما وسؤالِه؛ لِسَعةِ عِلمِه.

الأصول والأحكام

سنن أبي داود (4/ 349) 5192 - حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، أن نفرا من أهل العراق قالوا: يا ابن عباس كيف ترى في هذه الآية التي أمرنا فيها بما أمرنا، ولا يعمل بها أحد؟ قول الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات} [[النور: 58]] لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم قرأ القعنبي إلى {عليم حكيم} [[النور: 59]] قال ابن عباس: إن الله حليم رحيم بالمؤمنين يحب الستر، وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجال، فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل والرجل على أهله، فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم الله بالستور والخير، فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد قال أبو داود: حديث عبيد الله وعطاء يفسد هذا الحديث

الناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (ص: 221) 406 - حدثنا أبو عبيد ق‍ال: حدثنا نعيم بن حماد، عن عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أتاه ناس من أهل العراق فسألوه عن هذه الآية: {ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} [[النور: 58]]، فقال: " إن الله عز وجل رفيق رحيم بالمؤمنين يحب الستر عليهم، قال: وكان الناس ليس لهم ستور ولا حجال، فربما دخلت الخادم والولد أو يتيمة الرجل على أهله، فأمروا بالاستئذان في تلك العورات فجاءهم الله عز وجل بالستور والخير فلم أر أحدا يعمل بذلك "

الأحاديث المختارة للضياء المقدسي (معتمد) (12/ 211)

229 - أخبرنا أبو روح عبد المعز بن محمد الهروي، بها، أن محمد بن إسماعيل بن الفضيل الفضيلي أخبرهم، أنبا محلم بن عمرو، عن عكرمة، أن نفرا من أهل العراق قالوا لابن عباس : كيف ترى في هذه الآية، أمرنا فيها بما أمرنا، فلا يعمل بها أحد، قول الله، عز وجل: {يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر} [[النور: 58]] إلى آخر الآية، فقال ابن عباس: إن الله، عز وجل، رفيق حليم رءوف رحيم بالمؤمنين، يحب السترة، وكان الناس ليست لبيوتهم ستورا ولا حجابا، فربما دخل الخادم، أو الولد، والرجل على أهله، فأمرهم الله، عز وجل، بالاستئذان عن تلك العورات، فجاءهم الله بالستر والخير، فلم أر أحدا بذلك يعمل

أحاديث ذات صلة