- قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ألَا أُخبِرُكَ أنَّ اللهَ كلَّمَ أباكَ كِفاحًا ، فقال: يا عَبدي، سَلْني أُعطِكَ.
قال: أسألُكَ أنْ تَرُدَّني إلى الدُّنْيا، فأُقتَلَ فيك ثانيًا.
فقال: إنَّه قد سبَقَ منِّي أنَّهم إليها لا يُرجَعونَ.
قال: يا ربِّ، فأبلِغْ مَنْ وَرائي.
فأنزَلَ اللهُ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169].
أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (3/298)، واللفظ له، والترمذي (3010)، وابن ماجه (190)، باختلاف يسير.
يا جابرُ ما لي أراكَ منكسِرًا ؟ قلتُ : يا رسولَ اللَّهِ استُشْهِدَ أبي قُتِلَ يومَ أُحُدٍ ، وترَكَ عيالًا ودَينًا ، قالَ : ( أفلَا أبشِّرُكَ بما لقيَ اللَّهُ بِهِ أباكَ ؟ ) قلتُ : بلَى يا رسولَ اللَّهِ قالَ : ما كلَّمَ اللَّهُ أحدًا قطُّ إلَّا من وراءِ حجابِه وأحيى أباكَ فَكَلَّمَهُ كِفاحًا فقالَ : يا عَبدي تَمنَّ عليَّ أُعْطِكَ قالَ : يا ربِّ تُحييني فأقتلَ فيكَ ثانيةً قالَ الرَّبُّ تبارك وتعالَى : إنَّهُ قد سبقَ منِّي أنَّهم إليها لَا يُرجَعونَ قالَ : وأُنْزِلَت هذِهِ الآيةُ : (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا) الآيةَ الراوي : جابر بن عبدالله المحدث : الألباني المصدر : صحيح الترمذي الصفحة أو الرقم: 3010 خلاصة حكم المحدث : حسن التخريج : أخرجه الترمذي (3010) واللفظ له، وابن ماجه (190) باختلاف يسير، وأحمد (14881) مختصراً للشَّهادةِ في سَبيلِ اللهِ مَرتَبةٌ عظيمةٌ، وفضلٌ كبيرٌ عِندَ اللهِ؛ فمَن كُتِبَ له أنْ يموتَ في سَبيلِ اللهِ سبحانَه وتعالَى، فإنَّه ينالُ مَكانةً عاليةً عندَ اللهِ تعالى، ويَكونُ له الجَزاءُ والنَّعيمُ المُقِيمُ يومَ القيامةِ.
وفي هذا الحَديثِ يحكِي جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ رضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم قال له بعَدَما استُشهِدَ أبوه عبدُ اللهِ بنُ حَرامٍ رضِيَ اللهُ عنه: "يا جابِرُ، ما لي أراك"، أي: أُشاهِدُك "مُنكسِرًا؟"، أي: مَهمومًا محزونًا، فقال جابرٌ رَضِي اللهُ عَنه: قلتُ: يا رسولَ اللهِ "استُشهِد أبي"، أي: رزَقه اللهُ الشَّهادةَ "يومَ أحُدٍ"، وهي غَزوةُ أحُدٍ الَّتي كانت بينَ المسلِمين وبينَ المشرِكين عندَ جبَلِ أحُدٍ، وفي هذه الغزوةِ قُتِل مِن المسلمين سَبعون رجُلًا، مِن بَينِهم أبو جابرٍ رَضِي اللهُ عَنهما عبدُ اللهِ بنُ حَرامٍ، قال جابرٌ: "وتَرَك"، أي: خلَّف أبي بعدَ استِشْهادِه "عِيالًا"، وهُنَّ بَناتٌ ممَّن يَحْتَجْن إلى النَّفقةِ عليهِنَّ "ودَينًا"، أي: وترَك دَينًا، فأنا حزينٌ مهمومٌ لذلك، فأخبَره النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بما يُزيلُ همَّه وانكسارَه، ويَسُرُّه، فقال: "أفلا أُبشِّرُك"، أي: أَحمِلُ لك البُشْرَى، بما يَجعَلُك مَسرورًا "بما لَقِي اللهُ"، أي: بما قابَل اللهُ "به أباك؟"، بعدَ استِشْهادِه مِن الجزاءِ والفضلِ والكرامةِ؟ قال جابرٌ: قلتُ: "بلى يا رسولَ اللهِ"، أي: أخبِرْني يا رسولَ اللهِ بما كان جزاءُ أبي، فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "ما كلَّم اللهُ أحَدًا قطُّ إلَّا مِن وَراءِ حِجابِه"، أي: مِن أفضَلِ ما حدَث مِن فَضائلَ للبَعضِ أنْ كلَّمَهم اللهُ بدونِ واسطةٍ مع وُجودِ الحِجابِ، كما كلَّم موسى، "وأَحْيا أباك"، أي: بعدَ استِشْهادِه ومَوتِه، "فكلَّمه كِفاحًا"، أي: ليس بينَه وبينَ اللهِ حِجابٌ ولا رسولٌ، "فقال" اللهُ: يا عَبْدي، "تَمَنَّ علَيَّ"، أي: اطلُبْ ما تتَمنَّاه "أُعطِك" وأُحقِّقْه لك، فقال عبدُ اللهِ بنُ حَرامٍ والدُ جابرٍ: "يا ربِّ، تُحْييني"، أي: تُعيدُني إلى الحياةِ مرَّةً أخرى، "فأُقتَلُ فيك"، أي: أُقاتِلُ في سَبيلِك، وإعلاءِ كَلِمةِ الدِّين مرَّةً "ثانيةً"، قال الرَّبُّ تبارَك وتعالى: "إنَّه قد سبَق مِنِّي"، أي: سبَق منِّي الحُكْمُ والقَضاءُ "أنَّهم إليها لا يُرجَعون"، أي: مَن مات لا يَرجِعُ إلى الحياةِ الدُّنيا مرَّةً أخرى.
قال جابرٌ رضِيَ اللهُ عنه: "وأُنزِلَت هذه الآيةُ" في شأنِ الشُّهداءِ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 - 171] ، {وَلَا تَحْسَبَنَّ} أي: لا تَظُنَّنَّ {الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ}، أي: استُشهِدوا في سَبيلِ اللهِ {أَمْوَاتًا} أي: قد فَقَدوا الحياةَ {بَلْ أَحْيَاءٌ}، أي: لهم حياةٌ كما شاء اللهُ {عِنْدَ رَبِّهِمْ}، أي: قَرببين مِن اللهِ بما نالوه مِن الدَّرَجاتِ العُلْيا والكَرامةِ، {يُرْزَقُونَ}، أي: يَرزُقُهم اللهُ مِن أنواعِ النَّعيمِ.
واستُشكِلَ قولُه: "أحيا أباك"، مع قولِه تعالى: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمِ}؛ لأنَّ التَّقديرَ هم أحياءٌ، فكيف يُحْيي الحيَّ؟ والجوابُ؛ قيل: جَعَل اللهُ تعالى تِلكَ الرُّوحَ في جَوفِ طيرٍ خُضْرٍ، فأحيا ذلك الطَّيرَ بتِلْك الرُّوحِ؛ فصَحَّ الإحياءُ، أو أرادَ بالإحياءِ زيادةَ قوَّةِ روحِه، فشاهَدَ الحقَّ بتِلك القوَّةِ.
وفي هذه البُشْرى مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم لجابرٍ ما يُثبِّتُ قَلبَه، ويُزيلُ انكِسارَه بعدَ موتِ أبيه، وما ترَك مِن دُيونٍ وبَناتٍ في رَقبةِ جابرٍ؛ لأنَّ اللهَ الَّذي أحيا أباه وكلَّمه كِفاحًا هو الَّذي سيَقْضي دُيونَه ويتَولَّى ذُرِّيَّتَه، وقد ورَدَ في حديث آخَرَ كيفَ قَضَى اللهُ دَينَ والدِ جابرٍ بكرامةٍ منه سُبحانَه.
وفي الحديثِ: إثباتُ صفةِ الكلامِ للهِ تعالى.
وفيه: بيانُ كَرامةِ الشُّهداءِ عِندَ اللهِ، ومَنقَبةٌ جَليلةٌ لعبدِ اللهِ بنِ حرامٍ.
دلائل النبوة للبيهقي (3/ 298) :
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أبي المعروف الاسفرائني.
قال: أخبرنا أبو سهل بشر بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن الحسين بن نصر، قال: حدثنا علي بن المديني، قال: حدثنا موسى بن إبراهيم بن بشير بن الفاكه الأنصاري، أنه سمع طلحة بن خراش بن الصمة .
الأنصاري، ثم السلمي قال: سمعت جابر بن عبد الل ه قال: نظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما لي أراك مهتما؟ قال: قلت يا رسول الله قتل أبي وترك دينا وعيالا، فقال: ألا أخبرك ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحا، فقال: يا عبدي سلني أعطك، فقال: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانيا، فقال إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: يا رب فأبلغ من ورائي.
قال: فأنزل الله عز وجل: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، حتى أنفذ فيه الآية
سنن الترمذي (5/ 230) :
3010 - حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي قال: حدثنا موسى بن إبراهيم بن كثير الأنصاري، قال: سمعت طلحة بن خراش، قال: سمعت جابر بن عبد الله ، يقول: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: يا جابر ما لي أراك منكسرا؟ قلت: يا رسول الله استشهد أبي، وترك عيالا ودينا، قال: أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قال: بلى يا رسول الله.
قال: " ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحا.
فقال: يا عبدي تمن علي أعطك.
قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية.
قال الرب عز وجل: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون " قال: وأنزلت هذه الآية: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا} [آل عمران: 169].
هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ولا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم، وقد روى عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، شيئا من هذا، ورواه علي بن عبد الله بن المديني، وغير واحد من كبار أهل الحديث، هكذا عن موسى بن إبراهيم.
[سنن ابن ماجه] (1/ 68 ) :
190 - حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، ويحيى بن حبيب بن عربي، قالا: حدثنا موسى بن إبراهيم بن كثير الأنصاري الحزامي، قال: سمعت طلحة بن خراش، قال: سمعت جابر بن عبد الله ، يقول: لما قتل عبد الله بن عمرو بن حرام يوم أحد، لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا جابر، ألا أخبرك ما قال الله لأبيك؟ وقال: يحيى في حديثه، فقال: يا جابر، ما لي أراك منكسرا؟ قال: قلت: يا رسول الله، استشهد أبي، وترك عيالا ودينا "، قال: أفلا أبشرك، بما لقي الله به أباك؟ ، قال: بلى: يا رسول الله، قال: " ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحا، فقال: يا عبدي، تمن علي أعطك، قال: يا رب تحييني، فأقتل فيك ثانية، فقال الرب سبحانه: إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: يا رب، فأبلغ من ورائي، قال: فأنزل الله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] "