ما جَلَسْنا مَجلِسًا كُنَّا به أشَدَّ اغتِباطًا مِن مَجلِسٍ، جِئنا يَومًا، فإذا أُناسٌ عنْدَ الحُجَرِ يَتراجَعونَ في القُرآنِ، فاعتَزَلْناهم، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَلفَ الحُجَرِ يَسمَعُ كَلامَهم.
فخرَجَ علينا مُغضَبًا، فقال: أيْ قَومِ، بهذا ضَلَّتِ الأُمَمُ قَبْلَكم، باختِلافِهم على أنْبيائِهم، وضَربِهمُ الكِتابَ بَعضَه ببَعضٍ.
وتَمامُه: إنَّ القُرآنَ لم يَنزِلْ لِتَضرِبوا بَعضَه ببَعضٍ، ولكن يُصدِّقُ بَعضُه بَعضًا، فما عَرَفتُم منه، فاعمَلوا به، وما تَشابَه عليكم فآمِنوا به.
أخرجه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (4/192) بلفظه، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (812)، والهروي في ((ذم الكلام وأهله)) (ص 55) بإختلاف يسير
أنَّ نفَرًا كانوا جُلوسًا ببابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال بعضُهم: ألم يقُلِ اللهُ كذا وكذا؟ وقال بعضُهم: ألم يقُلِ اللهُ كذا وكذا؟ فسمِعَ ذلك رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فخرَجَ كأنَّما فقِئَ في وَجهِه حَبُّ الرُّمَّانِ! فقال: بهذا أُمِرْتُم؟ أو بهذا بُعِثْتُم؟ أنْ تضرِبوا كتابَ اللهِ بعضَه ببعضٍ؟ إنَّما ضلَّتِ الأُممُ قبلَكم في مِثلِ هذا، إنَّكم لستُم ممَّا هاهنا في شيءٍ، انظُروا الذي أُمِرْتُم به، فاعمَلوا به، والذي نُهيتُم عنه، فانتَهوا.
الراوي : عبدالله بن عمرو المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج المسند لشعيب الصفحة أو الرقم: 6845 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه ابن ماجه (85)، وأحمد (6845) واللفظ له حذَّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أُمَّتَه من سُلوكِ سُبُلِ الأُممِ الهالِكةِ، الَّذِينَ استَحقُّوا عذابَ اللهِ عزَّ وجلَّ بمُخالفَتِهم أنْبياءَهم، واخْتِلافِهم عليهم، والتَّنازُعِ في أمْرِ القَدَرِ والاختِلافِ فيه.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ عبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو رضِيَ اللهُ عنهما: "أنَّ نَفَرًا كانوا جُلوسًا ببابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"، والمُرادُ بهم صَحابةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، والنفَرُ: منَ الثلاثةِ إلى تِسعةٍ، ولعَلَّهم كانوا ببابِ إحْدى حُجُراتِ نِسائِه، "فقال بعضُهم: ألم يقُلِ اللهُ كذا وكذا؟ وقال بعضُهم: ألمْ يقُلِ اللهُ كذا وكذا؟" وفي روايةِ ابنِ ماجَهْ: "وهُم يَختَصِمونَ في القَدَرِ"، فكانوا يَتَجادَلونَ ويَتَمارَوْنَ في أمرِ القَضاءِ والقَدَرِ في إثباتِه ونَفْيِه، وكأنَّ كُلًّا منهم كان يَستدِلُّ بما يُناسِبُ مَطْلوبَه منَ الآياتِ، وكلٌّ يَرُدُّ فَهْمَ صاحِبِه في آياتِ القُرآنِ، "فسَمِعَ ذلك رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فخرَجَ كأنَّما فُقِئَ في وَجهِه حَبُّ الرُّمَّانِ" كِنايةً عن شِدةِ غَضَبِه واحْمِرارِ وَجهِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "بهذا أُمِرْتم؟ أو بهذا بُعِثْتم؟" هل أمَرَكمُ اللهُ بالانْشِغالِ والتَّنازُعِ في هذا الأمْرِ؟! وهذا إنْكارٌ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم لفِعْلِهم، "أنْ تَضْرِبوا كتابَ اللهِ بَعضَه ببَعضٍ؟" والمُرادُ به هنا: مُعارَضةُ الآياتِ ببَعضِها، ومنها: الخَوْضُ، والجِدالُ فيه إثْباتًا ونَفْيًا بالأَقْيِسةِ العَقْليةِ، وادِّعاءِ التناقُضِ بينَها، "إنَّما ضلَّتِ الأُمَمُ قَبلَكم في مِثلِ هذا"، أنَّ هذا كان سببًا في تَمْزيقِ الأُممِ وتَفْريقِها، وذلك أنَّهم تَرَكوا ما أُمِروا به، وانْشَغَلوا بما يوقِعُهم في غضَبِ اللهِ، "إنَّكم لسْتُم ممَّا ههنا في شيءٍ"، ولعلَّ المُرادَ أنَّكم غيرُ مَأْمورينَ بالجِدالِ فيما تَجادَلْتم فيه، وأنَّ الجِدالَ فيه ليس شيئًا، ولا أمْرًا ممَّا تَتعبَّدونَ به، "انْظُروا الذي أُمِرْتم به"، بمَعنى: احْفَظوا واجْمَعوا ما أمَرَ اللهُ عزَّ وجلَّ به، وما أمَرَ به نَبيُّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، "فاعْمَلوا به"، أي: فافْعَلوه على القَدْرِ الذي تَستَطيعونَ، "والذي نُهيتُم عنه"، والذي حرَّمَه اللهُ عزَّ وجلَّ، وحرَّمَه نَبيُّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، "فانْتَهوا"، فيَنْتَهي الإنسانُ منه، ولا يَأْتيه.
وفي الحديثِ: بيانُ خُطورةِ الجِدالِ في القُرآنِ، والتحْذيرُ منَ التنازُعِ في أُمورِ الدِّينِ.
وفيه: الأمرُ بالاتِّباعِ، وعدَمِ الخَوْضِ فيما فيه الهَلاكُ.
الطبقات الكبرى - ط دار صادر (4/ 192) :
قال: أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب قال: حدثنا عبد العزيز ابن أبي حازم عن أبيه عمرو بن شعيب عن أبيه عن أبني العاص انهما قالا: ما جلسنا مجلسا في عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كنا به أشد اغتباطا من مجلس جلسناه يوما جئنا فإذا أناس عند حجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتراجعون في القرآن، فلما رأيناهم اعتزلناهم ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، خلف الحجر يسمع كلامهم، فخرج علينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مغضبا يعرف الغضب في وجهه حتى وقف عليهم فقال: أي قوم بهذا ضلت الأمم قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتاب بعضه ببعض، إن القران لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض ولكن يصدق بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا به وما تشابه عليكم فآمنوا به.
ثم التفت إلي وإلى أخي فغبطنا أنفسنا أن لا يكون رآنا معهم
الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (2/ 108) :
812 - حدثنا هشام بن عمار، نا ابن أبي حازم، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ابني العاص قالا: ما جلسنا مجلسا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كنا به أشد اغتباطا من مجلس جلسنا يوما، جئنا والناس عند حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتراجعون في القرآن، فلما رأيناهم اعتزلناهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلف الحجرة يسمع كلامهم، فخرج علينا مغضبا يعرف الغضب في وجهه، فقال: أي قوم، بهذا أهلكت الأمم قبلكم باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتاب بعضه ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه عليكم فآمنوا به ، ثم التفت إلي وإلى أخي فغبطنا أنفسنا أن لا يكون رآنا معهم
ذم الكلام وأهله (1/ 55) :
حدثنا ابن أبي داود حدثنا يعقوب الدورقي حدثنا ابن أبي حازم عن أبيه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ابني العاص رضي الله عنهما أنهما قالا (ما جلسنا مجلسا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كنا به أشد اغتباطا جئنا فإذا رجال عند حجرة عائشة رضي الله عنها يتراجعون في القدر فلما رأيناهم اعتزلناهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلف الحجرة يسمع كلامهم فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا يعرف في وجهه الغضب حتى وقف عليهم فقال صلى الله عليه وسلم (يا قوم بهذا ضلت الأمم قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتاب بعضه ببعض وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض ولكن نزل القرآن يصدق بعضه بعضا ما عرفتم منه فاعلموا به وما تشابه فآمنوا به) ثم التفت فرآني أنا وأخي جالسين فغبطنا أنفسنا ألا يكون رآنا معهم) رواه ابن ماجة لفظ