كان ناسٌ مِنَ المُهاجِرينَ قد وَجَدوا على عُمَرَ في إدنائِهِ ابنَ عبَّاسٍ دونَهم.

قال: وكان يَسألُه، فقال عُمَرُ: أمَا إنِّي سأُريكمُ اليَومَ منه ما تَعرِفونَ فَضلَه.

فسألَهم عن هذه السُّورةِ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ} [النصر: 1]، فقال بَعضُهم: أمَرَ اللهُ نَبيَّه إذا رأى النَّاسَ يَدخُلونَ في دِينِ اللهِ أفواجًا أنْ يَحمَدَه ويَستَغفِرَه.

فقال عُمَرُ: يا ابنَ عبَّاسٍ، تَكلَّمْ.

فقال: أعلَمَهُ متى يَموتُ، أيْ: فهي آيَتُكَ مِنَ المَوتِ، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} [النصر: 3].

الدلالات الموضوعية:# علم - فضل العالم على الجاهل# مناقب وفضائل - عبد الله بن عباس# علم - فضل العلم
المصدر: تخريج سير أعلام النبلاء
الراوي: سعيد بن جبير
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده قوي

بيانات التخريج:

أخرجه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (6/ 328)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (2/ 209)، والبلاذري في ((أنساب الأشراف)) (4/ 33) بنحوه مطولًا.

الشرح والتوضيح

كانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مع أشْيَاخِ بَدْرٍ، فَكَأنَّ بَعْضَهُمْ وجَدَ في نَفْسِهِ، فَقالَ: لِمَ تُدْخِلُ هذا معنَا ولَنَا أبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟! فَقالَ عُمَرُ: إنَّه مَن قدْ عَلِمْتُمْ، فَدَعَاهُ ذَاتَ يَومٍ فأدْخَلَهُ معهُمْ، فَما رُئِيتُ أنَّه دَعَانِي يَومَئذٍ إلَّا لِيُرِيَهُمْ، قالَ: ما تَقُولونَ في قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أنْ نَحْمَدَ اللَّهَ ونَسْتَغْفِرَهُ إذَا نُصِرْنَا وفُتِحَ عَلَيْنَا، وسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شيئًا، فَقالَ لِي: أكَذَاكَ تَقُولُ يا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقُلتُ: لَا، قالَ: فَما تَقُولُ؟ قُلتُ: هو أجَلُ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أعْلَمَهُ له، قالَ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}، وذلكَ عَلَامَةُ أجَلِكَ، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}، فَقالَ عُمَرُ: ما أعْلَمُ منها إلَّا ما تَقُولُ.

الراوي : عبدالله بن عباس المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4970 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : من أفراد البخاري على مسلم كان عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما مِن الرَّاسخينَ في العِلم، وكان منذُ صِغَرِهِ يُقَدَّمُ على غيْرِه مِن أبناءِ سِنِّهِ.

وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ عُمرَ بنَ الخَطَّابِ رضِيَ اللهُ عنه كان يُدخِلُهُ عليه في مجلِسِه للمَشورةِ والرَّأيِ مع أَشياخِ بَدْرٍ رضِيَ اللهُ عنهم الذين حَضَروا غَزْوَتَها، وهم أصحابُ المكانةِ والرَّأيِ والمشورةِ والمُقدَّمون على غيْرِهم، ودُخولُه معهم بَيانٌ لمَقامِه ومَكانتِه عندَ عُمرَ بنِ الخَطَّاب رضِيَ اللهُ عنه، فَكَأَنَّ بَعْضَهم وَجَدَ -أي غَضِبَ- في نَفْسِه لصِغَر سِنِّ ابنِ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنه، حتى عبَّر عنه بقوله: «لِمَ تُدْخِلُ هذا مَعَنا ولَنا أَبْناءٌ مِثْلُه؟!» أي: في عُمُرِه، أو مِثْلُه في صُحبةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

والمرادُ: أنَّه شابٌّ ونحنُ شُيوخٌ، وقيل: إنَّ القائِلَ كان عَبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عنه.

فأجابَ عُمرُ رضِيَ اللهُ عنه بقَولِه: «إنَّه مَن قدْ عَلِمْتُمْ»، يُشيرُ إلى قَرابتِه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أو يُشيرُ إلى مَعرفتِه وفِطنتِهِ وسَعةِ عِلْمِه.

ثم أراد بيانَ مَزيدِ مَنزِلَتِه بإظهارِ كَثرةِ عِلْمِه المقتضي لتقَدُّمِه؛ فَدَعاهُ عمرُ رضِيَ اللهُ عنه ذاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَ أشياخَ بَدْرٍ، ويُخبِرُ ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّه ما ظَنَّ أنَّ دَعوةَ عُمرَ له إلَّا لِيُرِيَهُمْ مَعْرِفتَه وعِلمَه.

فلما اجتمعوا وجَّه عُمرُ رضِيَ اللهُ عنه إلى أشياخ بَدْرٍ سُؤالًا يُظهِرُ به عِلمَ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما؛ فسألهم رَضِيَ اللهُ عنه عن تفسيرِ سُورةِ النَّصرِ: {إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ}، ففسَّره بعضُهم: أُمِرْنا أنْ نَحْمَدَ اللهَ ونَسْتَغْفِرَه إذا نُصِرْنا على عَدُوِّنا، وَفُتِحَ علينا المدائِنُ، ففَسَّروا الخِطابَ في السُّورةِ أنَّه موجَّهٌ لجَميعِ الأُمَّةِ.

وَسَكَتَ بَعْضُهم فلَمْ يَقُلْ شَيئًا.

فسأل عمرُ رَضِيَ اللهُ عنه ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: أتَقولُ مِثْلَ قولِهم؟ قال ابنُ عبَّاس: لا، فقال له عُمرُ: فَما تَقُولُ؟ قال ابنُ عبَّاسٍ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أَعْلَمَه له، أي: مَوعدُ وَفاةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعَلامةُ أجلِهِ، قولُه تعالَى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1] ؛ فإذا جاءتْ هذه العَلامةُ فافعَلْ كما أمَرَك اللهُ سُبحانه وتعالَى في قولِه: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 3] ، فأكَّد عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه على تفسيرِ ابنِ عَبَّاسٍ للسُّورةِ، وأنَّه لا يرى لها تفسيرًا غيرَ هذا.

وفي الحَديثِ: فَضيلةٌ ظاهرةٌ لابنِ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عنهما، وأثرٌ واضحٌ لإجابةِ دَعْوةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ يُعلِّمَه اللهُ التَّأويلَ، ويُفَقِّهَه في الدِّينِ.

وفيه: أنَّ الرَّأيَ والفَهْمَ والعِلمَ غيرُ مُرتبطٍ بالسِّنِّ، وأنَّ على أوْلياءِ أُمورِ المسلِمينَ تَقديمَ النَّابِهين مِن الشَّبابِ، والأخذُ بآرائِهِم وأفكارِهمْ.

الأصول والأحكام

الطبقات الكبرى ط الخانجي (6/ 328) 7132 - قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، قال: كان أناس من المهاجرين قد وجدوا على عمر في إدنائه ابن عباس دونهم، قال: وكان يسأله, فقال عمر: أما إني سأريكم منه اليوم ما تعرفون فضله، فسألهم عن هذه السورة: {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} قال: فقال بعضهم: أمر الله بنبيه صلى الله عليه وسلم إذا رأى الناس يدخلون في دين الله أفواجا أن يحمده ويستغفره, قال: فقال عمر: يابن عباس ألا تكلم؟ قال: فقال: أعلمه متى يموت.

قال: {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} فهي آتيك من الموت: {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا}.

قال: ثم سألهم عن ليلة القدر, فأكثروا فيها.

فقال بعضهم: كنا نرى أنها في العشر الوسط، ثم بلغنا أنها في العشر الأواخر، قال: فأكثروا فيها، فقال بعضهم: ليلة إحدى وعشرين.

وقال بعضهم.

ثلاث وعشرين.

وقال بعضهم: سبع وعشرين.

فقال عمر لابن عباس: ألا تكلم؟ قال: والله أعلم.

قال: قد نعلم أن الله أعلم، إنما نسألك عن علمك، فقال ابن عباس: الله وتر يحب الوتر، خلق من خلقه سبع سماوات, فاستوى عليهن, وخلق الأرض سبعا، وخلق عدة الأيام سبعا, وجعل طوافا بالبيت سبعا، ورمي الجمار سبعا، وبين الصفا والمروة سبعا، وخلق الإنسان من سبع، وجعل رزقه من سبع, قال: فقال عمر: فكيف خلق الإنسان من سبع؟ وجعل رزقه من سبع؟ فقد فهمت من هذا أمرا ما فهمته.

قال ابن عباس: إن الله يقول: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} حتى بلغ إلى قوله: {فتبارك الله أحسن الخالقين} قال: ثم قرا: {أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا}.

فأما السبعة, فلبني آدم، وأما الأب فما أنبت الأرض للأنعام، وأما ليلة القدر, فما نراها إن شاء الله، إلا ليلة ثلاث وعشرين يمضين وسبع يبقين.

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (2/ 209) أخبرنا محمد بن عبد المالك قال أخبرنا أحمد بن محمد بن زياد قال حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا إسحاق الأزرق قال أخبرنا عبد الملك عن سعيد بن جبير قال كان ناس من المهاجرين وجدوا على عمر في إدنائه ابن عباس دونهم قال وكان يسأله فقال عمر أما إني سأريكم اليوم منه شيئا فتعرفون فضله فسألهم عن هذه السورة إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا قال بعضهم أمر الله نبيه إذا رأى الناس يدخلون في دين الله أفواجا جاء يحمده ويستغفره فقال عمر يا ابن عباس ألا تكلم فقال أعلمه متى يموت إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فالموت آتيك فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توبا قال ثم سألهم عن ليلة القدر فأكثروا فيها فقال بعضهم كنا نراها في العشر الأواسط ثم بلغنا أنها في العشر الأواخر فأكثروا فيها فقال بعضهم ليلة إحدى وعشرين وقال بعضهم ليلة ثلاث وعشرين وقال بعضهم ليلة سبع وعشرين فقال عمر يا ابن عباس ألا تكلم قال الله أعلم قال قد نعلم أن الله يعلم وإنما نسألك عن علمك فقال ابن عباس إن الله وتر يحب الوتر خلق من خلقه سبع سموات فاستوى عليهن وخلق الأرض سبعا وجعل عدة الأيام سبعا ورمي الجمار سبعا وخلق الإنسان من سبع وجعل رزقه من سبع فقال عمر خلق الإنسان من سبع وجعل رزقه من سبع هذا أمر ما فهمته فقال إن الله يقول ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما حتى بلغ آخر الآيات وقرأ أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا إلى وأنعامكم ثم قال والأب للأنعام.

أنساب الأشراف للبلاذري (4/ 33) حدثنا محمد بن حاتم بن ميمون المروزي وعمرو بن محمد قالا، حدثنا إسحاق ابن يوسف الأزرق عن عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير قال: وجد ناس من المهاجرين على عمر بن الخطاب في إدنائه ابن عباس دونهم، فقال عمر: أما أني سأريكم اليوم منه ما تعرفون به فضله، فسألهم عن هذه السورة إذا جاء نصر الله والفتح فقال بعضهم: أمر الله نبيه إذا رأى الناس يدخلون في دين الله أفواجا أن يحمده على ذلك ويستغفره، فقال عمر: يا ابن عباس تكلم، فقال: أعلمه أنه ميت، يقول إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فهي آيتك في الموت.

ثم سألهم عن ليلة القدر فأكثروا القول فيها، فقال بعضهم: ليلة إحدى وعشرين، وقال بعضهم: ليلة ثلاث وعشرين، وقال بعضهم: ليلة سبع وعشرين، فقال لابن عباس: تكلم، فقال ابن عباس: إن الله وتر يحب الوتر، خلق السموات سبعا والأرضين سبعا، وجعل عدة الأيام سبعة، وجعل الإنسان من سبع، فقال ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم جعل رزق الإنسان من سبع فقال أنا صببنا الماء صبا، ثم شققنا الأرض شقا، فأنبتنا فيها حبا، وعنبا وقضبا، وزيتونا ونخلا، وحدائق غلبا، وفاكهة وأبا، متاعا لكم ولأنعامكم فأما السبعة فمتاع لبني آدم، وأما الأب فهو ما تنبت الأرض للأنعام، وما نراها إن شاء الله إلا لثلاث وعشرين تمضي ولسبع يبقين، فقال عمر: كيف تلومونني على ابن عباس؟

أحاديث ذات صلة