- قالتْ أسماءُ بِنتُ عُمَيسٍ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ هؤلاء يَزعُمونَ أنَّا لسْنا مِن المُهاجرينَ.

قال: كذَبَ مَن يَقولُ ذلك، لكم الهِجرةُ مَرَّتَينِ؛ هاجَرتُم إلى النَّجاشيِّ، وهاجَرتُم إلَيَّ.

قال الشَّعْبيُّ: أوَّلُ مَن أشارَ بنَعشِ المَرأةِ -يَعني المُكَبَّةَ- أسماءُ، رَأتِ النَّصارى يَصنَعونَه بالحَبَشةِ.

الحَكمُ بنُ عُتَيبةَ: عن عَبدِ اللهِ بنِ شَدَّادٍ، عن أسماءَ بِنتِ عُمَيسٍ، قالت: لمَّا أُصيبَ جَعفَرٌ، قال: تَسلَّبي ثَلاثًا ، ثُمَّ اصنَعي ما شِئتِ.

الدلالات الموضوعية:# مناقب وفضائل - فضائل المهاجرين ومناقبهم# علم - حسن السؤال ونصح العالم# جهاد - الهجرة من دار العدو إلى دار الإسلام# مناقب وفضائل - النجاشي وأصحابه
المصدر: تخريج سير أعلام النبلاء
الراوي: عامر بن شراحيل الشعبي
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده قوي لكن في زيادة تَسلَّبي ثَلاثًا شذوذ وعلة

بيانات التخريج:

أخرجه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (8/ 281)، واللفظ له، وابن أبي عروبة في ((الأوائل)) (119)، مختصرا.

الشرح والتوضيح

قوله - صلى الله عليه وسلم -: (تسلمي ثلاثا).

لفظة قرنت بعدد موصوف قصد به الحسم عما لا يحل استعماله في ذلك العدد.

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " اصنعي ما شئت "، لفظة أمر قصد به الإباحة في ظاهر الخطاب، مرادها الزجر عن استعمال ما أمر به، يريد النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله ما وصفت، التسليم لأمر الله جل وعلا في الأيام الثلاث قبلها وبعدها.

انتهى كلامه.

قلت: وهذا الذي قاله ابن حبان ناتج عن تحريف أولا، ثم أوله تأويلا باطلا ثانيا.

فأما التحريف، فليس لفظ الحديث تسلمي، كما قدمنا في الطرق والألفاظ السالفة، وقد نقل لفظ الحديث غير واحد من شراح الغريب.

فقالوا: " تسلبي " بالباء بدل الميم فقال ابن منظور في " لسان العرب ": " وفي الحديث عن أسماء بنت عميس أنها قالت: " لما أصيب جعفر أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: تسلبي ثلاثا، ثم اصنعي بعد ما شئت ".

قال ابن منظور: تسلبي: أي البسي ثياب الحداد السود، وهي السلاب، وتسلبت المرأة إذا لبسته، وهو ثوب أسود تغطي به المحد رأسها.

وقال ابن الأثير في " النهاية في غريب الحديث ": " تسلبي: أي البسي ثياب الحداد، وهو السلاب، والجمع سلب، وتسلبت المرأة إذا لبسته، وقيل هو ثوب أسود تغطي به المحد رأسها،وقال الحافظ ابن حجر في " الفتح ".

" وأغرب ابن حبان فساق الحديث بلفظ " تسلمي " بالميم بدل الموحدة، وفسره بأنه التسليم لأمر الله، ولا مفهوم لتقييدها بالثلاث، بل الحكمة فيه كون القلق يكون في ابتداء الأمر أشد فلذلك قيدها بالثلاث، هذا معنى كلامه.

قال ابن حجر: فصحف - ابن حبان - الكلمة وتكلف لتأويلها.

وقد وقع في رواية البيهقي وغيره " فأمرني أن أتسلب ثلاثا " فتبين خطؤه، انتهى كلام الحافظ.

قلت: ومثل هذا الخطأ الذي جاء في مطبوع المعجم الكبير بلفظ " تسكني " فهو وإن كان يؤيد لفظ ابن حبان إلا أنه باطل، وهو تصحيف قبيح دلنا على ذلك ما جاء في المسند وغيره كما قدمنا، لأن الطريق لجميع هذه الألفاظ واحدة.

ومثله الخطأ الذي جاء في " المجمع " فإنه أورد الحديث بلفظ " تسلي " وهو كمعنى " تسكني " إلا أنه نسب اللفظ لأحمد!!

ثم قال: وروى الطبراني بعضه في الكبير.

قلت: فهذا كله ناشئ من عدم ضبط النساخ، والله أعلم.

ثم إننا لو سلمنا بصحة هذا اللفظ، فلا يمكن العدول عن لفظ أحمد - ومن وافقه - السابق الصريح في المراد، ويكون في الحديث أمران مختلفان، لا يتناقضان، ولا ينفي أحدهما الآخر.

وقد أورد المجد بن تيمية في (منتقى الأخيار) الحديث بلفظ " تسلبي " على الصواب.

وأما اللفظ الذي كنا أوردناه في المسند ونبهنا على تحريفه إلى " أمي " فربما يكون بتشديد الميم والمعنى: اقصدي، فلا يبعد.

كما أن الحديث أخرجه الطحاوي في " شرح معاني الآثار "، وقال: " تسلبي " وهو من الطريق التي رواها أحمد.

الكلام على صحته:

قد قدمنا تصحيح ابن حبان له، وابن التركماني، وهو المنقول عن الإمام أحمد كما سيأتي من كلام ابن حجر، فإنه قال: وإعلال البيهقي له بالانقطاع مدفوع، فقد صححه أحمد.

وكان قال أول الكلام عليه: أوقد ورد في حديث قوي الإسناد أخرجه أحمد.

قلت: وقد تبين لك علة قول من أعله، فسلم الحديث.

الوصل الثاني: في بيان أن قول سائر الفقهاء بخلافه:

قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): بعد ذكر حديث أسماء.

" قال شيخنا - يعني العراقي - في شرح الترمذي: ظاهره أنه لا يجب الإحداد على المتوفي عنها بعد اليوم الثالث، لأن أسماء بنت عميس كانت زوج جعفر بن أبي طالب بالاتفاق، وهي والدة أولاده عبد الله ومحمد وعون وغيرهم.

قال: بل ظاهر النهي أن الإحداد لا يجوز، وأجاب بأن هذا الحديث شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة، وقد أجمعوا على خلافه، انتهى.

قلت: فها هو نقل الإجماع على خلاف هذا الحديث، فدل على أن ليس من قائل به.

ومعلوم أن العلماء جميعا قالوا في الإحداد بحديث أم سلمة رضي الله عنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا يحل لامرأة مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا " أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، عنها.

ولم يخالف أحد من العلماء في هذا أبدا إلا ما حكي عن الحسن البصري والشعبي، أخرج ذلك عنهما ابن أبي شيبة، فلم يوجب الحسن شيئا من الإحداد ألبتة، وقال الشعبي لا أعرفه!!

الوصل الثالث: في بيان الأوجه التي رد بها هذا الخبر:

وأول أوجه الرد لهذا الخبر، هو الضعف عند القائلين بذلك.

والثاني: ثبوت ما هو أصح منه، كحديث أم سلمة المتقدم في الصحيحين وغيرهما، والقاعدة أن ما في الصحيحين أصح، وأن المتفق على قبوله، أولى بالعمل من المختلف فيه.

الثالث: اتفاق الصحابة والتابعين ومن بعدهم على القول بحديث أم سلمة، مما يوهن القول بخبر الباب.

الرابع: الاختلاف على لفظة " تسلبي " كما قدمنا، وإن كان الثابت في الحديث هو اللفظ الشاهد دون سواه.

وهذه الأربعة أثبتها، وثمة في ذلك أقوال واهية لا دليل عليها ضربنا عنها صفحا.

الأصول والأحكام

الطبقات الكبرى - ط دار صادر (8/ 281) :

أخبرنا عبد الله بن نمير عن الأجلح عن عامر قال: قالت: أسماء بنت عميس يا رسول الله إن هؤلاء يزعمون أنا لسنا من المهاجرين، فقال: كذب من يقول ذلك، لكم الهجرة مرتين، هاجرتم إلى النجاشي وهاجرتم إلي.

أخبرنا عبد الله بن نمير، حدثنا إسماعيل عن عامر قال: أول من أشار بالنعش نعش المرأة، يقول رفعه أسماء بنت عميس حين جاءت من أرض الحبشة رأت النصارى يصنعونه

ثنا أبو كامل ويزيد بن هارون، وعفان قالوا: ثنا محمد بن طلحة - قال يزيد في حديثه - ثنا الحكم - وقال عفان في حديثه سمعت الحكم - بن عتيبة، (وتحرفت في المسند إلى عقيبة، بالقاف) عن عبد الله بن شداد عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر، أتانا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: قومي (وتحرفت في المسند إلى أمي) البسي ثوب الحداد ثلاثا، ثم اصنعي ما شئت.

ومن هذه الطريق أخرجه ابن سعد (8/ 282).

وأخرجه الطبراني فقال: حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن المنهال، وعاصم بن علي، وأحمد بن يونس قالوا: ثنا محمد بن طلحة بن مصرف، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " تسكني ثلاثا ثم اصنعي ما شئت ".

أحاديث ذات صلة