أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حَرَّمَ مكَّةَ؛ فمَن كان يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فلا يَسفِكَنَّ فيها دَمًا، ولا يَعضِدَنَّ فيها شَجرًا، فإنْ تَرخَّصَ مُترخِّصٌ فقال: إنَّها أُحِلَّتْ لرسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فإنَّ اللهَ أحَلَّها لي ساعةً ولم يُحِلَّها للنَّاسِ، وإنَّما أُحِلَّتْ لي ساعةً ثُمَّ هي حَرامٌ إلى أنْ تَقومَ السَّاعةُ، ثُمَّ إنَّكم يا مَعشَرَ خُزاعةَ قُلتُم: هذا القَتيلُ من هُذَيلٍ، وإنِّي عاقِلُه، فمَن قُتِلَ له قَتيلٌ بعدَ مَقالَتي هذه، فأهلُه بيْنَ خِيرَتَينِ؛ أنْ يَأخُذوا العَقْلَ، أو يَقتُلوا.
أخرجه أبو داود (4504) مختصراً باختلاف يسير، والترمذي (1406)، وأحمد (27160) باختلاف يسير. وأصله في صحيح البخاري (104)، ومسلم (1354) دون قوله: "ثم إنكم معشر خزاعة ..."
لما بعث عمرو بنُ سعيدٍ بعثَه يغزو ابنَ الزبيرِ أتاهُ أبو شريحٍ فكلَّمه وأخبرَه بما سمع من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثم خرج إلى نادي قومِه فجلس فيه فقمتُ إليه فجلستُ معه فحدَّث قومٌ كما حدَّث عمرو بنُ سعيدٍ ما سمع من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وعما قال له عمرو بنُ سعيدٍ قال قلتُ ها أنا ذا كنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حين افتتحَ مكةَ فلما كان الغدُ من يومِ الفتحِ عدَتْ خُزاعةُ على رجلٍ من هُذيلٍ فقتلُوه وهو مشركٌ فقام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فينا خطيبًا فقال يا أيها الناسُ إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ حرَّم مكةَ يومَ خلق السماواتِ والأرضَ فهي حرامٌ من حرامِ اللهِ تعالى إلى يومِ القيامةِ لا يحلُّ لامرئٍ يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ أن يسفكَ فيها دمًا ولا يعضدُ بها شجرًا لم تحللْ لأحدٍ كان قبلي ولا تحلُّ لأحدٍ يكون بعدي ولم تحللْ لي إلا هذه الساعةَ غضبًا على أهلِها ألا ثم قد رجعتْ كحُرمتِها بالأمسِ ألا فلْيُبلِّغِ الشاهدُ منكم الغائبَ فمن قال لكم إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قد قاتل بها فقولوا إنَّ اللهَ قد أحلَّها لرسولِه ولم يُحلِلْها لكم يا معشرَ خُزاعةَ ارفعوا أيديَكم عن القتلِ فقد كثُر أن يقعَ لئن قتلتُم قتيلًا لآدِينَّه فمن قُتل بعد مقامي هذا فأهلُه بخيرِ النَّظرينِ إن شاؤُوا فدمُ قاتِلِه وإن شاؤوا فعقلُه ثم ودَى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الذي قتلتْه خزاعةُ فقال عمرو بنُ سعيدٍ لأبي شريحٍ انصرِفْ أيها الشيخُ فنحنُ أعلمُ بحُرمتِها منك إنها لا تمنعُ سافكَ دمٍ ولا خالعَ طاعةٍ ولا مانعَ جزيةٍ قال فقلتُ قد كنتُ شاهدًا وكنتُ غائبًا وقد بلَّغتُ وقد أمرَنا رسولُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أن يُبلِّغَ شاهدُنا غائبَنا وقد بلَّغتُك فأنتَ وشأنُكَ الراوي : أبو شريح العدوي خويلد بن عمرو المحدث : الألباني المصدر : إرواء الغليل الصفحة أو الرقم: 7/277 خلاصة حكم المحدث : إسناده جيد في هذا الخبرِ يَرْوي سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ المَقْبُريُّ، عن أبي شُريحٍ الخُزاعيِّ رضِيَ اللهُ عنه، أنَّه: "لَمَّا بعَثَ عمْرُو بنُ سَعيدٍ بَعْثَه يَغْزُو ابنَ الزُّبيرِ"، وكان سَعيدٌ والِيَ المدينةِ لِيَزيدَ بنِ مُعاويةَ، أرسَلَهُ يَزيدُ إلى مكَّةَ لِيَغْزُوَ عبدَ اللهِ بنَ الزُّبيرِ، وكان قد تغلَّبَ عليها، "أتاهُ أبو شُريحٍ، فكلَّمَه وأخبَرَهُ بما سمِعَ مِن رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثمَّ خرَجَ إلى نادي قَومِه"، وهو مكانُ اجتماعِهم، "فجلَسَ فيه، فقُمْتُ إليه فجلسْتُ معه، فحدَّثٌ قوم قومَه كما حدَّثَ عمْرَو بنَ سَعيدٍ ما سمِعَ مِن رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ومَا قال له عمْرُو بنُ سَعيدٍ، قال: قلْتُ: ها أنا ذا كنَّا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ افتتَحَ مكَّةَ، فلمَّا كان الغَدُ مِن يَومِ الفتْحِ عَدَتْ خُزاعةُ"، أي: هَجَموا، "على رجُلٍ مِن هُذَيلٍ، فقَتَلوه وهو مُشرِكٌ"، وكانوا قد ثَأَروا مِن هذا الرَّجلِ مِن بَني لَيثٍ برَجُلٍ كان قدْ قتَلَه بنو لَيثٍ مِن خُزاعةَ، وخُزاعةُ وهُذيلٌ وبنو لَيثٍ مِن قبائِلِ العربِ، "فقام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فِينا خَطيبًا، فقال: يا أيُّها النَّاسُ، إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ حرَّمَ مكَّةَ يومَ خلَقَ السَّمواتِ والأرضَ، فهي حرامٌ مِن حرامِ اللهِ تعالى إلى يومِ القيامةِ"، أي: إنَّ تَحريمَ مكَّةَ أمْرٌ قديمٌ، وشَريعةٌ سالفةٌ ومُستمِرَّةٌ، ليس ممَّا أحْدَثهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أو اختُصَّ بشَرْعِه، ويَحتمِلُ أنْ يُرادَ به التَّأْقيتُ، أي: إنَّما خلَقَ هذِه الأرضَ حِين خلَقَها مُحرَّمةً، وفي الصَّحيحَينِ: "أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: إنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مَكَّةَ ودَعَا لِأهْلِها"؛ فقِيل: إنَّ تَحريمَها كان ثابتًا مِن يومِ خلَقَ اللهُ السَّمواتِ والأرضَ، ثُمَّ خفِيَ تَحريمُها واستمرَّ خفاؤُه إلى زَمنِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ، فأَظْهَره وأشاعَه، لا أنَّه ابتدأَهُ.
وقيل: معناهُ: أنَّ اللهَ كتَبَ في اللَّوحِ المحفوظِ أو في غيرِه يومَ خلَقَ السَّمواتِ والأرضَ: إنَّ إبراهيمَ سيُحرِّمُ مَكَّةَ بأمْرِ اللهِ تعالى، قال: "لا يَحِلُّ لِامرئٍ يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخرِ أنْ يَسفِكَ فيها دمًا، ولا يَعضِدَ بها شَجرًا"، أي: لا يَكْسِرَها ولا يَقطَعَها، "لم تَحْلِلْ لِأحدٍ كان قبْلي، ولا تَحِلُّ لأحدٍ يكونُ بَعْدي، ولم تَحلِلْ لي إلَّا هذه السَّاعةَ؛ غضبًا على أهْلِها، ألَا ثُمَّ قد رجَعَتْ كحُرمَتِها بالأمسِ"، أي: إنَّ مَكَّةَ بَلدٌ حرامٌ، لم يَحِلَّ فيها القِتالُ إلَّا وقتَ دُخولِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إيَّاها فَاتِحًا، ثُمَّ عادَتْ حُرْمَتُها كما كانتْ، "ألَا فلْيُبلِّغِ الشَّاهدُ منكم الغائبَ، فمَن قال لكم: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد قاتَلَ بها، فقولوا: إنَّ اللهَ قد أحَلَّها لرسولِه، ولم يُحْلِلْها لكم.
يا مَعشرَ خُزاعةَ، ارْفَعوا أيدِيَكم عن القَتْلِ"، أي: كُفُّوا وانتَهَوا عن القتْلِ في مكَّةَ، "فقد كثُرَ أنْ يقَعَ، لَئِن قَتلْتُم قَتيلًا لَأَديَنَّهُ"، أي: أدفَعُ الدِّيةَ لِأوليائِه، "فمَن قُتِلَ بعدَ مَقامي هذا، فأهْلُه بخيرِ النَّظرينِ؛ إنْ شاؤوا فدَمَ قاتِلِه"، أي: يُقتَلُ القاتلُ قِصاصًا، "وإنْ شاؤوا فعَقْلَه"، أي: إنْ شاؤوا أخَذوا الدِّيةَ المُغلَّظةَ، "ثمَّ ودَى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الَّذي قَتلَتْه خُزاعةُ"، أي: أعْطى الدِّيةَ في الَّذي قَتلَتْهُ قَبيلةُ خُزاعةَ مِن بني لَيثٍ.
فقال عمْرُو بنُ سَعيدٍ لأبي شُريحٍ: "انصرِفْ أيُّها الشَّيخُ؛ فنحن أعلَمُ بحُرْمَتِها منك، إنَّها لا تَمنَعُ"، أي: لا تَحْمي، "سافِكَ دَمٍ"، أي: حرامٍ، "ولا خالِعَ طاعةٍ"، أي: لِأَميرِه، "ولا مانِعَ جِزيةٍ"، ولعلَّه رأى ذلك في عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ رضِيَ اللهُ عنه، فاستحَلَّ قِتالَه في البلَدِ الحرامِ، قال أبو شُريحٍ رضِيَ اللهُ عنه: "فقلْتُ: قد كنتُ شاهِدًا"، أي: مع رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، "وكنْتَ غائبًا"، أي: وأنت غيرُ حاضرٍ مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ولم تَسمَعْ منه، "وقد بلَّغْتُ، وقد أمَرَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يُبلِّغَ شاهِدُنا غائبَنا، وقد بلَّغْتُك، فأنت وشأْنُك"، فقد بلَغَك الأمْرُ.
وفي الحديثِ: بَيانُ حُرمةِ مكَّةَ الدَّائمةِ.
سنن أبي داود (2/ 579) 4504 - حدثنا مسدد بن مسرهد ثنا يحيى بن سعيد ثنا ابن أبي ذئب قال حدثني سعيد بن أبي سعيد قال سمعت أبا شريح الكعبي يقول
: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " ألا إنكم يا معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل وإني عاقله فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين بين أن يأخذوا العقل أو يقتلوا "
سنن الترمذي ت شاكر (4/ 21) 1406 - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا ابن أبي ذئب قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح الكعبي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسفكن فيها دما، ولا يعضدن فيها شجرا، فإن ترخص مترخص، فقال: أحلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الله أحلها لي ولم يحلها للناس، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم هي حرام إلى يوم القيامة، ثم إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا الرجل من هذيل وإني عاقله، فمن قتل له قتيل بعد اليوم، فأهله بين خيرتين، إما أن يقتلوا، أو يأخذوا العقل ": هذا حديث حسن صحيح، وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح ورواه شيبان أيضا، عن يحيى بن أبي كثير مثل هذا وروي عن أبي شريح الخزاعي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قتل له قتيل فله أن يقتل، أو يعفو، أو يأخذ الدية وذهب إلى هذا بعض أهل العلم، وهو قول أحمد، وإسحاق
مسند أحمد - الرسالة (45/ 137) 27160 - حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، قال: حدثنا سعيد يعني المقبري، قال: سمعت أبا شريح الكعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: " إن الله عز وجل حرم مكة ولم يحرمها الناس، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسفكن فيها دما، ولا يعضدن فيها شجرا، فإن ترخص مترخص، فقال: أحلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الله أحلها لي ولم يحلها للناس، وهي ساعتي هذه حرام إلى أن تقوم الساعة، إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل، وإني عاقله، فمن قتل له قتيل بعد مقالتي هذه فأهله بين خيرتين: إما أن يقتلوا، أو يأخذوا العقل "
صحيح البخاري ـ حسب ترقيم فتح الباري (1/ 37) 104- حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : حدثني الليث ، قال : حدثني سعيد ، عن أبي شريح أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولا قام به النبي صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به حمد الله وأثنى عليه ثم قال إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ، ولا يعضد بها شجرة فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقولوا إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس وليبلغ الشاهد الغائب.
فقيل لأبي شريح ما قال عمرو قال أنا أعلم منك يا أبا شريح لا يعيذ عاصيا ، ولا فارا بدم ، ولا فارا بخربة.
صحيح مسلم (2/ 987) 446 - (1354) حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي شريح العدوي ، أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به، أنه حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: " إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، فقولوا له: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب "، فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيا، ولا فارا بدم، ولا فارا بخربة