حدَّثني عمِّي إبراهيمُ بنُ أبي عَبْلةَ العُقَيْلِيُّ قال: أدرَكْتُ رِجالًا من أصحابِ النَّبيِّ عليه السَّلامُ، رأيْتُ منهم رَجُلَيْنِ كلَّمْتُ أحَدَهما، ولمْ أُكَلِّمِ الآخَرَ، أخبَرنا أبو أُبَيٍّ ابنُ أُمِّ حَرامٍ الأنصاريُّ، وكان ممَّن شهِد مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ القِبْلَتَيْنِ، ورأيْتُ عليه كِساءً خَزًّا أغبَرَ، ورأيْتُ واثِلةَ بنَ الأَسقَعِ، ولمْ أُكَلِّمْهُ، فقام إليه الغَريفُ بنُ الدَّيْلَميُّ حتى جلَس إليه، فلمَّا قام مِن عندِهِ لَقيتُهُ، فقُلْتُ: ما حدَّثكَ؟ فقال: حدَّثني أنَّ نَفَرًا من بَني سُلَيْمٍ أتَوُا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في غَزْوةِ تَبوكَ فقالوا: يا رسولَ اللهِ، إنَّ صاحبًا لنا قدْ أوجَب، يعني: النَّارَ، فقال: مُرُوهُ فلْيُعْتِقْ رَقَبةً، يُكَفِّرِ اللهُ بكلِّ عُضوٍ منه عُضوًا منه منَ النَّارِ.
أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (4891) مختصرا، والطبراني في ((مسند الشاميين)) (37)، الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (734) بلفظه
أتَيْنا واثلةَ بنَ الأَسْقَعِ، فقُلْنا له: حدِّثْنا حديثًا ليس فيه زيادةٌ، ولا نُقصانٌ، فغضِبَ، وقال: إنَّ أحدَكم لَيقرَأُ ومُصحَفُه مُعلَّقٌ في بيتِه، فيزيدُ وينقُصُ، قُلْنا: إنَّما أرَدْنا حديثًا سمِعتَه من النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قال: أتَيْنا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في صاحِبٍ لنا أوجَبَ –يعني: النارَ- بالقتلِ، فقال: أعتِقوا عنه، يُعتِقِ اللهُ بكلِّ عُضوٍ منه عُضوًا منه من النارِ.
الراوي : واثلة بن الأسقع الليثي أبو فسيلة المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج سنن أبي داود الصفحة أو الرقم: 3964 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه أبو داود (3964) بلفظه، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (4890)، والطبراني (218) (22 / 91) باختلاف يسير عِتقُ الرِّقابِ مِن أفضَلِ القُرُباتِ عِندَ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ ولذلك حَثَّ الشَّرعُ على عِتْقِها وتَحريرِها، وبَيَّنَ الأجْرَ العَظيمَ على ذلك.
وفي ذلك الحَديثِ يَقولُ الغَريفُ بنُ عَيَّاشِ بنِ فَيروزٍ الدَّيلَميُّ: "أتَيْنا واثِلةَ بنَ الأسقَعِ" وكانَ مِن صَحابةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، "فقُلنا له: حَدِّثْنا حَديثًا ليس فيه زيادةٌ، ولا نُقصانٌ" يَطلُبونَ منه أنْ يُحَدِّثَهم مِن كَلامِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ باللَّفظِ الذي ذَكَرَه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، مُشَدِّدينَ في ذلك، "فغَضِبَ" واثِلةُ رَضيَ اللهُ عنه؛ لِتَكَلُّفِهم هذا دونَ عِلْمٍ أو سَبْقِ مَعرِفةٍ، "وقالَ: إنَّ أحَدَكم لَيَقرَأُ ومُصحَفُه مُعَلَّقٌ في بَيتِه" بمعنى: أنَّ الإنسانَ قد يُحَدِّثُ ويَستَشهِدُ ببَعضِ آياتِ القُرآنِ بالمعنى، مُتكاسِلًا عنِ الرُّجوعِ إلى المُصحَفِ وهو بجِوارِه، وتلك مُفارَقةٌ عِندَ مَن يَطلُبُ الحَديثَ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بلَفظِه لا يَحتَمِلُ خَطَأً، "قُلْنا: إنَّما أرَدْنا حَديثًا سَمِعتَه مِنَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"، وكأنَّهم تَفَهَّموا وتَعَذَّروا له، "قال: أتَيْنا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في صاحِبٍ لنا أوجَبَ -يَعني: النارَ- بالقَتلِ"، والمعنى أنَّه عَمِلَ عَمَلًا يَجِبُ له به النارُ، ويُقالُ: إنَّه كانَ قَتَلَ قَتيلًا؛ فجاؤوا إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِيَسألوه عن كَيفيَّةِ فِدائِه مِن عُقوبةِ القَتلِ، "فقالَ: أعتِقوا عنه"، اشتَرُوا عنه مَملوكًا وحَرِّروه مِنَ العُبوديَّةِ، "يُعتِقِ اللهُ بكُلِّ عُضوٍ منه عُضوًا منه مِنَ النارِ"، فيُعتِقَ اللهُ مِن أعضاءِ القاتِلِ يَومَ القِيامةِ بما يُقابِلُه مِن أعضاءِ العَبدِ الذي أعتَقَه في الدُّنيا.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ عِتقَ المَماليكِ وتَحريرَ العَبيدِ يَكونُ مِنَ الأسبابِ المُنجِياتِ مِنَ النَّارِ.