لمَّا قُتِلَ أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ باليَمامةِ، دخَلَ عُمَرُ رضيَ اللهُ عنه على أبي بَكرٍ رضيَ اللهُ عنه، فقال: إنَّ أصحابَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تَهافَتوا يومَ اليَمامةِ، وإنِّي أَخْشى ألَّا يَشهَدوا مَوطِنًا إلَّا فَعَلوا ذلك فيه حتى يُقتَلوا، وهم حَمَلةُ القُرآنِ، فيَضيعُ القُرآنُ ويُنْسى، فلو جمَعْتَه وكتَبْتَه، فنفَرَ منها أبو بَكرٍ رضيَ اللهُ عنه، وقال: أفعَلُ ما لم يَفعَلْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ! ثُم أرسَلَ أبو بَكرٍ رضيَ اللهُ عنه إلى زَيدِ بنِ ثابتٍ، وعُمَرَ مُحزَئِلٌّ -يَعْني شِبهَ المُتَّكئِ- فقال أبو بَكرٍ: إنَّ هذا دَعاني إلى أمْرٍ فأبَيْتُ عليه، وأنتَ كاتبُ الوَحيِ، فإنْ تَكنْ معه اتَّبعْتُكما، وإنْ توافِقَني لم أفعَلْ ما قال، فاقتَصَّ أبو بَكرٍ قولَ عُمَرَ، فنفَرْتُ من ذلك، وقُلتُ: نَفعَلُ ما لم يَفعَلْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ! إلى أنْ قال عُمَرُ رضيَ اللهُ عنه كلمةً، قال: وما عليكما لو فعَلْتُما، فأمَرَني أبو بَكرٍ رضيَ اللهُ عنه، فكتَبْتُه في قِطَعِ الأَدَمِ، وكِسَرِ الأكتافِ، والعُسُبِ -قال الشيخُ: يَعْني الجَريدَ- فلمَّا هلَكَ أبو بَكرٍ وكان عُمَرُ قد كتَبَ ذلك كلَّه في صَحيفةٍ واحدةٍ، فكانت عندَه، فلمَّا هلَكَ كانت عندَ حَفصةَ، ثُم إنَّ حُذَيفةَ بنَ اليَمانِ قدِمَ في غَزوةٍ غَزاها فَرْجِ أَرْمينيَةَ، فلم يدخُلْ بيْتَه حتى أتى عُثمانَ، فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ أدْرِكِ الناسَ، فقال عُثمانُ: وما ذاك؟ فقال: غزَوْتُ أَرْمينيَةَ، فحضَرَها أهْلُ العِراقِ وأهْلُ الشامِ، وإذا أهْلُ الشامِ يَقرَؤونَ بقِراءة أُبَيٍّ، فيأْتونَ بما لم يَسمَعْ أهْلُ العِراقِ، فيُكفِّرُهم أهْلُ العِراقِ، وإذا أهْلُ العِراقِ يَقرَؤونَ بقِراءةِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، فيأْتونَ بما لم يَسمَعْ أهْلُ الشامِ، فيُكفِّرُهم أهْلُ الشامِ، قال زَيدٌ: فأمَرَني عُثمانُ أنْ أكتُبَ له مُصحَفًا، وقال: إنِّي جاعِلٌ معكَ رَجلًا لَبيبًا فَصيحًا، فما اجتَمَعْتُما فيه فاكْتُباه، وما اختَلَفْتُما فيه، فارْفَعاه إليَّ، فجعَلَ معه أبانَ بنَ سعيدِ بنِ العاصِ، فلمَّا بلَغَ: {إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} [البقرة: 248]، قال زَيدٌ: فقُلْتُ أنا: التَّابُوهُ، وقال أبانُ: التَّابُوتُ، فرَفَعْنا ذلك إلى عُثمانُ، فكتَبَ: التَّابُوتَ، ثُم عرَضْتُه -يَعْني المُصحَفَ- عَرْضةً أُخْرى، فلم أجِدْ فيه شيئًا، وأرسَلَ عُثمانُ إلى حَفْصةَ أنْ تُعطيَه الصحيفةَ وحلَفَ لها: لَيَرُدَّنَّها إليها، فأعطَتْه، فعرَضْتُ المُصحَفَ عليها، فلم يَختَلِفا في شيءٍ، فرَدَّها عليها، وطابَتْ نفْسُه، وأمَرَ الناسَ أنْ يَكتُبوا المَصاحِفَ.

الدلالات الموضوعية:# قرآن - جمع القرآن# قرآن - تأليف القرآن# قرآن - عرض القرآن# قرآن - الاختلاف والمراء في القرآن# ردة - أخبار الردة والمرتدين
المصدر: تخريج مشكل الآثار
الراوي: زيد بن ثابت
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (4679) بلفظ مقارب

الشرح والتوضيح

أَرْسَلَ إلَيَّ أبو بَكْرٍ مَقْتَلَ أهْلِ اليَمَامَةِ وعِنْدَهُ عُمَرُ، فَقالَ أبو بَكْرٍ: إنَّ عُمَرَ أتَانِي، فَقالَ: إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَومَ اليَمَامَةِ بالنَّاسِ، وإنِّي أخْشَى أنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بالقُرَّاءِ في المَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ إلَّا أنْ تَجْمَعُوهُ، وإنِّي لَأَرَى أنْ تَجْمَعَ القُرْآنَ، قالَ أبو بَكْرٍ: قُلتُ لِعُمَرَ: كيفَ أفْعَلُ شَيئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ فَقالَ عُمَرُ: هو واللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فيه حتَّى شَرَحَ اللَّهُ لِذلكَ صَدْرِي، ورَأَيْتُ الذي رَأَى عُمَرُ، قالَ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ: وعُمَرُ عِنْدَهُ جَالِسٌ لا يَتَكَلَّمُ، فَقالَ أبو بَكْرٍ: إنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ، ولَا نَتَّهِمُكَ، كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ.

فَوَاللَّهِ لو كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ ما كانَ أثْقَلَ عَلَيَّ ممَّا أمَرَنِي به مِن جَمْعِ القُرْآنِ، قُلتُ: كيفَ تَفْعَلَانِ شيئًا لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ فَقالَ أبو بَكْرٍ: هو واللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ أزَلْ أُرَاجِعُهُ حتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ له صَدْرَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاعِ والأكْتَافِ، والعُسُبِ وصُدُورِ الرِّجَالِ، حتَّى وجَدْتُ مِن سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مع خُزَيْمَةَ الأنْصَارِيِّ لَمْ أجِدْهُما مع أحَدٍ غيرِهِ: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} [التوبة: 128] إلى آخِرِهِمَا، وكَانَتِ الصُّحُفُ الَّتي جُمِعَ فِيهَا القُرْآنُ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ حتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بنْتِ عُمَرَ.

الراوي : زيد بن ثابت المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4679 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] وذكر له متابعة وعلق عليه التخريج : أخرجه الترمذي (3103)، وأبو عبيد في ((فضائل القرآن)) (281)، وابن أبي داود في ((المصاحف)) (55) واللفظ لهم جميعا.

القرآنُ الكريمُ هو كَلامُ اللهِ سُبحانه، أَنْزَلَهُ على نَبيِّه مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِهدايةِ الخَلْقِ في الدُّنيا، ولِنَجاتِهِم في الآخِرَةِ، وكان قَدَرُ اللهِ أن يَختِمَ بالقرآنِ الكُتُبَ المُنَزَّلةَ من عندِه، وبالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الرُّسُلَ، وحتى تبقى حجَّةُ اللهِ قائِمةً على البَشَرِ حتى قيامِ السَّاعةِ، تعهَّد اللهُ بحِفْظِ القُرآنِ، فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ، وقد مضى وَعْدُ اللهِ في حِفظِ القُرآنِ مِن خِلالِ رِجالِ صِدقٍ بذلوا للقُرآنِ حياتَهم.

وفي هذا الحَديثِ يَحْكي زَيْدُ بنُ ثابِتٍ رضِيَ اللهُ عنه أنَّ أبا بَكْرٍ رضِيَ اللهُ عنه أَرْسَلَ إليه أَيَّامَ مَقْتَلِ أَهْلِ اليَمامةِ، وهي الحَربُ التي كانت بيْنَ المُسلِمينَ وبيْنَ مُسيلِمةَ الكذَّابِ -لَعَنَه اللهُ- الذي ادَّعى النبُوَّةَ، وقَوِيَ أمرُه بعد وفاةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقتَلَه اللهُ في موقِعةِ اليَمامةِ في خِلافةِ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضيَ اللهُ عنه، واليَمامةُ: إقليمٌ ضِمنَ منْطقةِ نَجْدٍ في وَسَطِ المَمْلكةِ العربيَّةِ السُّعوديَّةِ.

وَكان عِنْدَه عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه، فَأَخْبَرَ أبو بكرٍ زيدًا رضِيَ اللهُ عنهما أنَّ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه قالَ له: إنَّ القَتْلَ قَدِ اشْتَدَّ وكَثُرَ يومَ اليمامةِ بالمُسلِمين، فمات من الصَّحابةِ عَدَدٌ كثيرٌ، وإنِّي أَخْشى أَن يَستَحِرَّ القَتْلُ بحَفَظةِ القُرآنِ الكريمِ في المَواطِنِ الَّتي يَقَعُ فيها القِتالُ مَعَ الكُفَّارِ، فيضيعَ كَثيرٌ مِن القُرآنِ بمَوتِ حَمَلتِه، إلَّا أَنْ تقوموا بجَمْعِه، وَإنِّي لَأَرى أنْ تَجْمَعَ القُرآنَ، ومرادُه أن يجمَعَه مكتوبًا في صُحُفٍ.

فَقالَ أَبو بَكْر رضِيَ اللهُ عنه وهو يُخاطِبُ زيدَ بنَ ثابتٍ رَضِيَ اللهُ عنه: قُلْتُ لِعُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه: كَيْفَ أَفعَلُ شَيْئًا لَم يَفعَلْه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ وفيه إشارةٌ إلى شِدَّةِ أبي بكرٍ في تمسُّكِه بمنهَجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعد وفاتِه، فَأَجابَه عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه أنَّ جَمْعَ القُرآنِ -واللهِ- خَيْرٌ مِن تَركِه.

وظلَّ عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه يُراجِعُ أبا بكرٍ رضِيَ اللهُ عنه في جَمْعِ القُرآنِ حتَّى شَرَحَ اللهُ لِذَلِكَ صَدْرَه، ورأى مِثْلَ ما رَأى عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه.

وأخبر زيدٌ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ كُلَّ ما قاله له أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه كان عُمَرُ يسمَعُه ولا يتكَلَّمُ بشَيءٍ، فَقالَ أَبو بَكْر رضِيَ اللهُ عنه: وإنَّك يا زَيْدُ، رَجُلٌ شابٌّ -أَشارَ إلى نَشاطِه وَقُوَّتِه فيما يَطلُبُ مِنه، وبُعْدِه عن النِّسيانِ، وكان يومَها عُمُرُه دون الخامِسةِ والعِشرينَ- عاقِلٌ تَعِي المُرادَ، ولا نَتَّهِمُك بِكَذِبٍ وَلا نِسيانٍ، وكُنْتَ تَكتُبُ الوَحيَ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: فهو أَكْثَرُ مُمارَسةً له مِن غَيرِه، فَجَمْعُ هَذِه الخُصوصيَّاتِ الأَرْبَعِ فيه يَدُلُّ على أنَّه أَوْلى بذلك مِمَّن لَم تَجتَمِعْ فيه.

فأمره أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه بأن يتتبَّعَ القرآنَ مِن صُدورِ الرِّجالِ وما كُتِب مُفَرَّقًا؛ لِيَكتُبَه في مُصحَفٍ جامعٍ لكُلِّ السُّوَرِ والآياتِ التي أُنزِلَت.

فَيَحلِفُ زَيْدٌ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ أَبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنه لو كَلَّفَه نَقْلَ جَبَلٍ مِن الجِبالِ، ما كانَ أَثْقَلَ عَلَيه ممَّا أَمَرَه بِه مِن جَمْعِ القُرآنِ، وإنما قال ذلك لِما خَشِيَه من التقصيرِ في إحصاءِ ما أمر بجَمْعِه، لكِنَّ اللهَ تعالى يسَّرَ له ذلك.

فَقال زيدٌ لأبي بكرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه: كَيْفَ تَفْعَلانِ شَيْئًا لَم يَفعَلْه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ فَقالَ أَبو بَكْرٍ رضِيَ اللهُ عنه كما قال له عمر: هو واللهِ خَيْرٌ، فَلَم يَزَلْ زيدٌ يُراجِعُه حتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرَه لِلَّذي شَرَحَ اللهُ له صَدْرَ أَبي بَكْرٍ وعُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما؛ لِمَا في ذلك مِن الحِفاظِ على القُرآنِ الكريمِ مِنَ التَّبديلِ والتحريفِ.

فَتَتَبَّع زيدٌ رَضِيَ اللهُ عنه القُرآنَ الكريمَ يَجمَعُه مِمَّا عِنده وعِندَ غَيْره مِن «الرِّقاعِ»، جَمْعُ رُقْعةٍ مِن جِلدٍ أو وَرَقٍ أو نَحوِهما، «والأَكْتافِ» جَمْعُ كَتِفٍ: عَظْمٌ عَريضٌ في أَصْلِ كَتِفِ الحَيوانِ يُنَشَّفُ ويُكْتَبُ فيه، «والعُسُبِ» جَمْعُ عَسيبٍ، وهو جَريدُ النَّخلِ يَكشِطونَ خُوصَه ويَكتُبونَ في طَرَفِه العَريضِ، وصُدورِ الرِّجالِ الَّذينَ جَمَعوا القُرْآنَ وحَفِظوه كامِلًا في حَياتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كَأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ ومُعاذِ بنِ جَبَلٍ رضِيَ اللهُ عنهما، وغيرِهما، أي: كان يأخُذُ من حِفْظِهم حيث لا يجِدُ ذلك مكتوبًا، أو الواو بمعنى «مع»، والمعنى: اكتُبْه من المكتوبِ الموافِقِ للمَحفوظِ في الصُّدورِ.

فكان زيدٌ رَضِيَ اللهُ عنه لا يكتفي بمجرَّدِ أنَّ البَعضَ مِن القُرآنِ مكتوبٌ، بل لا يُثبِتُه حتى يشهَدَ على المكتوبِ مَن تلقَّاه سماعًا من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، مع كونِ زَيدٍ كان يحفَظُه، وكان يفعَلُ ذلك مبالغةً في الاحتياطِ.

قال زيدٌ رَضِيَ اللهُ عنه: «حتَّى وجَدتُ مِن سُورةِ التَّوْبةِ آيَتَيْنِ مع خُزَيْمةَ» بنِ ثابتٍ «الأَنْصاريِّ» رضِيَ اللهُ عنه -وهو الذي جعل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شهادَتَه شهادةَ رَجُلينِ- «لَم أَجِدْهما» أي: الآيَتَيْنِ «مَعَ أَحَدٍ غَيرِه» مَكتوبتَيْنِ، وهما قَولُ اللهِ تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 128، 129] .

وكانَتِ الصُّحُفُ الَّتي جُمِعَ فيها القُرآنُ عِندَ أَبي بَكْر رضِيَ اللهُ عنه حتَّى تَوَفَّاه اللهُ، ثُمَّ عِندَ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه حتَّى تَوَفَّاه اللهُ، ثُمَّ عِندَ حَفْصةَ بِنتِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ تَعالى عنهما.

وفي الحَديثِ: أنَّ فِعلَ الخيرِ الذي وُجِد مُقتضِيه، ولم يكُنْ وُجِد على عهْدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليس ببِدعةٍ.

وفيه: مُشاورةُ الصَّحابةِ بعضِهم بَعضًا في أُمورِ الدِّينِ.

وفيه: فَضيلةُ زيْدِ بنِ ثابتٍ، وفَضيلةُ خُزيمةَ بن ثابتٍ الأنصاريِّ، وأبي بكرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهم.

وفيه: حِرصُ الصَّحابةِ على حِفْظِ القُرآنِ وعنايتُهم به.

الأصول والأحكام

[شرح مشكل الآثار] (8/ 128) :

وكما حدثنا يونس قال: حدثنا نعيم بن حماد قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمارة بن غزية، عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه قال: لما قتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمامة دخل عمر رضي الله عنه على أبي بكر رضي الله عنه، فقال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ‌تهافتوا ‌يوم ‌اليمامة ، وإني أخشى أن لا يشهدوا موطنا إلا فعلوا ذلك فيه حتى يقتلوا وهم حملة القرآن فيضيع القرآن وينسى، فلو جمعته وكتبته، فنفر منها أبو بكر رضي الله عنه وقال: " أفعل ما لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثم أرسل أبو بكر رضي الله عنه إلى زيد بن ثابت وعمر محزئل، يعني شبه المتكئ، فقال أبو بكر: " إن هذا دعاني إلى أمر فأبيت عليه، وأنت كاتب الوحي، فإن تكن معه اتبعتكما ، وإن توافقني لم أفعل ما قال "، فاقتص أبو بكر قول عمر فنفرت من ذلك وقلت: " نفعل ما لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم "، إلى أن قال: عمر رضي الله عنه كلمة، قال: " وما عليكما لو فعلتما "، فأمرني أبو بكر رضي الله عنه فكتبته في قطع الأدم وكسر الأكتاف والعسب، قال الشيخ: يعني الجريد، فلما هلك أبو بكر وكان عمر قد كتب ذلك كله في صحيفة واحدة فكانت عنده فلما هلك كانت عند حفصة، ثم إن حذيفة بن اليمان قدم من غزوة غزاها فرج أرمينية، فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان، فقال: " يا أمير المؤمنين، أدرك الناس "، فقال عثمان: " وما ذاك؟ "، فقال: " غزوت أرمينية فحضرها أهل العراق وأهل الشام وإذا أهل الشام يقرءون بقراءة أبي، فيأتون بما لم يسمع أهل العراق، فيكفرهم أهل العراق ، وإذا أهل العراق يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود فيأتون بما لم يسمع أهل الشام فيكفرهم أهل الشام " قال: زيد: " فأمرني عثمان أن أكتب له مصحفا، وقال: " إني جاعل معك رجلا لبيبا فصيحا، فما اجتمعتما فيه فاكتباه ، وما اختلفتما فيه فارفعاه إلي "، فجعل معه أبان بن سعيد بن العاص فلما بلغ: {إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت} [[البقرة: 248]] قال زيد: " فقلت أنا التابوه وقال أبان: {التابوت} [[البقرة: 248]] ، فرفعنا ذلك إلى عثمان فكتب: التابوت، ثم عرضته، يعني المصحف، عرضة أخرى فلم أجد فيه شيئا، وأرسل عثمان إلى حفصة أن تعطيه الصحيفة وحلف لها ليردنها إليها، فأعطته، فعرضت المصحف عليها فلم يختلفا في شيء، فردها عليها وطابت نفسه، وأمر الناس أن يكتبوا المصاحف ".

قال أبو جعفر: فوقفنا بذلك على أن جمع القرآن كان من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وهما راشدان مهديان ، وقد تقدم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقدوة بهما، وقد روينا ذلك فيما تقدم منا في كتابنا هذا، وتابعهما عثمان رضي الله عنه على ذلك وهو إمام راشد مهدي، وتابعهم عليه أيضا زيد بن ثابت وهو كاتب الوحي لرسول الله، فكتب المصحف لعثمان بيده، وتابعهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، فصار إجماعا، والنقل بالإجماع هو الحجة التي بمثلها نقل الإسلام إلينا حتى علمنا شرائعه، وحتى وقفنا على عدد الصلوات وعلى ما سواها مما هو من شرائع الإسلام ، وعاد ذلك إلى أن من كفر بحرف منه كان كافرا حلال الدم إن لم يرجع إلى ما عليه أهل الجماعة، وفارق ذلك حكم الأخبار التي يرويها الآحاد بما يخالف شيئا مما في المصحف الذي ذكرنا ; لأنه لا يكون كافرا من كفر بما جاءت به أخبار الآحاد كما يكون كافرا من كفر بما جاءت به الجماعة مما ذكرنا ، وكان فيما ذكرنا ما قد دل أن من أضاف شيئا مما يخالف ما في مصحفنا هذا إلى أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غير متلفت إلى ما حكى ; لأنه حكى ما لا تقوم به الحجة مما يخالفه مما قد قامت به الحجة، وبالله التوفيق.

وفيما ذكرنا مما قد رويناه في حديث يونس عن نعيم مما عاد إلى خارجة بن زيد أن كاتب المصحف المكتوب في زمن عثمان كان زيد بن ثابت بمحضر أبان بن سعيد بامتثال ما كانا يفعلان في ذلك عند اجتماعهما وما كانا يفعلان في اختلافهما.

وقد روي عن غير خارجة أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم كانوا كاتبي ذلك المصحف بأمر عثمان

[صحيح البخاري] (6/ 71) :

‌4679 - حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني ابن السباق أن زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، وكان ممن يكتب الوحي، قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة، وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن، قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر، قال زيد بن ثابت: وعمر عنده جالس لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه.

فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن.

قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فقمت: فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب، وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم} إلى آخرهما.

وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر.

تابعه عثمان بن عمر، والليث، عن يونس، عن ابن شهاب، وقال الليث: حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، وقال: مع أبي خزيمة الأنصاري، وقال موسى، عن إبراهيم: حدثنا ابن شهاب: مع أبي خزيمة، وتابعه يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه.

وقال أبو ثابت: حدثنا إبراهيم، وقال: مع خزيمة، أو أبي خزيمة.

أحاديث ذات صلة