كُنَّا أكْثرَ أهلِ المدينةِ حَقلًا، وكُنَّا نقولُ للذي نُخابِرُه: لكَ هذه القطعةُ، ولنا هذه القطعةُ تَزرَعُها لنا، فرُبَّما أَخرَجتْ هذه القطعةُ، ولمْ تُخرِجْ هذه شيئًا، ورُبَّما أَخرَجتْ هذه، ولمْ تُخرِجْ هذه شيئًا، فنهانا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن ذلك.
أخرجه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (2686) واللفظ له، والبخاري (2327)، ومسلم (1547) بنحوه.
[عن] رافع بن خديج قال: كنَّا نُخابرُ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فذَكَرَ أنَّ بعضَ عُمومتِهِ أتاهُ فقالَ نَهَى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ عَن أمرٍ كانَ لَنا نافعًا وطواعِيةُ اللَّهِ ورسولِهِ أنفَعُ لَنا وأنفَعُ قالَ قُلنا وما ذاكَ قالَ قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ مَن كانَت لَهُ أرضٌ فليَزرَعها أو فليُزرِعها أخاهُ ولا يُكاريها بثلُثٍ ولا بربعٍ ولا بطعامٍ مسمًّى الراوي : بعض عمومة رافع بن خديج المحدث : الألباني المصدر : صحيح أبي داود الصفحة أو الرقم: 3395 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه أبو داود (3395)، وأبو عوانة في ((المستخرج)) (5590) واللفظ لهما، ومسلم (1578)، والنسائي (3897) باختلاف يسير.
جاء الإسلامُ ليُنظِّمَ العَلاقاتِ والمعامَلاتِ بين النَّاسِ، وجَعَل هذه العَلاقاتِ قائمةً على مبدَأِ التَّعاوُنِ والأُلْفةِ والْمَحبَّةِ والمودَّةِ والبُعْدِ عن النِّزاعِ والشِّقاقِ، والضَّررِ والظُّلْمِ والخِداعِ.
وفي هذا الحديثِ يقولُ رافِعُ بنُ خَديجٍ رَضِيَ اللهُ عنه: "كُنَّا نُخابِرُ" مِنَ الْمُخابَرةِ، وهي: العَملُ على الأرضِ ببَعْضِ ما يَخْرُجُ مِنها، ويكونُ البَذرُ من صاحِبِ العَمَلِ، "على عَهْدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، أي: في زَمانِه، "فذَكَرَ" رافِعٌ أنَّ بَعْضَ عُمومتِه أتَاه فقال: نَهى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَنْ أَمْرٍ كان لنا نافعًا"، أي: المُخابرةِ، ثمَّ قال: "وطَواعيةُ اللهِ ورسولِه"، أي: طاعةُ اللهِ ورسولِه "أَنفَعُ لنا"، أي: أنفَعُ لنا في الدُّنيا والآخِرةِ مِن أيِّ أمْرٍ نظنُّ فيه النَّفْعَ لنا كالمُخابرةِ، "وأَنْفَعُ"، كرَّرَها للتَّأكيدِ واليقينِ.
ثم قال رافِعٌ: "قُلنا: وما ذاك"، أي: ما الَّذي نهى عنه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، "قال" بعضُ العمومةِ: "قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَنْ كانتْ له أرضٌ فليَزْرَعْها" هو بنَفْسِه، ويتَكفَّلْ بها وبِحَرْثِها وبَذْرِها وخِدْمتِها "أو فليُزْرِعْها أخاه"، أي: يُعْطِها أخاه للزِّراعةِ مِنْ غيرِ أن يأخُذَ عليها أجرًا، "ولا يُكاريها"، أي: لا يُعْطيها أحَدًا على الكِراءِ وهو الإجارةُ، "بثُلُثٍ ولا برُبُعٍ"، أي: بثُلُثِ ما يَخْرُجُ منها ولا برُبُعِها، "ولا بطعامٍ مُسمًّى"، أي: لا يُكْريها بشيءٍ مِن جَميعِ ما يَقَعُ عليه اسْمُ طَعامٍ، سواءٌ أنْبتَتْه الأرضُ أمْ لا.
وقد ورَدَ حديثُ رافعٍ في النَّهيِ عن كِراءِ الأرضِ بالمُخابرةِ والمزارعةِ بألفاظٍ مُخْتلِفةٍ، وبتأمَّلِ هذه الألفاظِ والرِّواياتِ وجَمْعِ طُرُقَها، واعْتِبارِ بَعْضَها ببعضٍ، وحَمْلِ مُجْمَلِها على مُفسَّرِها، ومُطْلَقَها على مُقيَّدِها- فإنَّها تَدُلُّ على أنَّ الذي نَهى عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حَديثِه كان أمرًا بيِّنَ الفَسادِ، وهي المزارعةُ الظَّالِمةُ الجائرةُ؛ فإنَّ رافعًا نَفْسَه فسَّرَها في رِوايةٍ فقال: "كنَّا نُكْري الأرضَ على أنَّ لنا هذه، ولهم هذه، فربَّما أَخْرَجتْ هذه، ولم تُخْرِجْ هذه"، وقال أيضًا: "ولم يَكُنْ لهم كِراءٌ إلَّا هذا؛ فلذلك زَجَرَ عنه، وأمَّا بشيءٍ معلومٍ مضمونٍ، فلا بأسَ".
وأيضًا: فإنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم صالَحَ أَهْلَ خَيْبرَ على أنْ يَزْرعوا الأرضَ ولهمُ النِّصْفُ وللنَّبيِّ النِّصْفُ، وظَلَّ العملُ به إلى موتِ النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبه عَمِلَ الخلفاءُ الرَّاشِدون مِنْ بَعْدِه؛ فتَبيَّن أنَّ النَّهيَ ليس عامًّا، وإنَّما النَّهْيُ عن شيءٍ مُعيَّنٍ مِنَ الظُّلمِ في المعاملةِ.
وأيضًا كَانَ طَاوُسٌ يُزَارِعُ، ويَرْوِي عَن ابنِ عبَّاسٍ تَفْسيرَ حديثِ رافعٍ هذا، فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم لَمْ يَنْهَ عنها، ولكنْ قال: "لأنْ يَمْنَحَ أحَدُكُم أَرْضَه خيرٌ مِنْ أنْ يأخُذَ عليها خَراجًا مَعلومًا"، وقد أَخْبَرَ سعيدُ بنُ المُسيِّبِ أنَّ الكِراءَ بالدِّرْهَمِ والدِّينارِ لا شيءَ فيها.
وفي الحَديثِ: حِرْصُ الصَّحابةِ على الامْتِناعِ عمَّا نهى عنه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإنْ كان فيه مَنْفعةٌ لهم في فِعْلِه.
شرح مشكل الآثار (7/ 113) :
2686 - كما حدثنا روح بن الفرج قال: حدثنا حامد بن يحيى قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري قال: أنبأنا حنظلة بن قيس الزرقي أنه سمع رافع بن خديج يقول: كنا أكثر أهل المدينة حقلا، وكنا نقول للذي نخابره: لك هذه القطعة ولنا هذه القطعة تزرعها لنا فربما أخرجت هذه القطعة ، ولم تخرج هذه شيئا وربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه شيئا ، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك "
[صحيح البخاري] (3/ 104) :
2327 - حدثنا محمد: أخبرنا عبد الله: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن حنظلة بن قيس الأنصاري : سمع رافع بن خديج قال: كنا أكثر أهل المدينة مزدرعا، كنا نكري الأرض بالناحية منها مسمى لسيد الأرض، قال: فمما يصاب ذلك وتسلم الأرض، ومما يصاب الأرض ويسلم ذلك، فنهينا، وأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ.
[صحيح مسلم] (5/ 24) :
(1547) حدثنا عمرو الناقد ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن حنظلة الزرقي أنه سمع رافع بن خديج يقول: كنا أكثر الأنصار حقلا، قال: كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، وأما الورق فلم ينهنا .